في عيد ميلاد جدتي
في عيد ميلاد جدتي ال، ولادها الستة اتخانقوا على بيتها وهي لسه عايشة لحد ما حطّيت علبة غريبة على الترابيزة، واللي حصل بعدها خلّاهم كلهم يتسمروا مكانهم!
جدتي فاطمة عاشت عمرها كله وهي بتجري على مصلحة ولادها الستة، وبتحاول توفرلهم كل اللي نفسهم فيه، حتى لو ده كان على حساب راحتها وصحتها.
جدي مات وهما لسه صغيرين، وساعتها جدتي لقت نفسها مسؤولة عن ست عيال لوحدها. ما استسلمتش ولا اشتكت، واشتغلت شغلانتين، وأوقات كانت بتشتغل تلات شغلانات في اليوم، بس عشان تقدر تأكلهم وتعلّمهم وتخليهم يعيشوا حياة كريمة.
والبيت اللي كلهم اتربّوا فيه، كان هو نفس البيت اللي جدتي وجدي بنوه بإيديهم طوبة طوبة، في منطقة قديمة وهادية في المنصورة.
بيت مليان ذكريات، وكل ركن فيه كان شاهد على عمر كامل من التعب والتضحية والفرحة والدموع.
ولما الأحفاد جم للدنيا، جدتي ما اتغيرتش. فضلت دايمًا سند لولادها، تساعد ده في تربية عياله، وتقف جنب دي وقت الشدة، وتفتح بيتها لأي حد فيهم مهما كانت الظروف.
وأنا شخصيًا فاكرة كويس، وأنا صغيرة، إزاي كانت جدتي هي اللي بتقعد معايا طول اليوم لما بابا وماما يكونوا في الشغل. كانت تطبخلي بإيديها، وتحكيلي حواديت قبل ما أنام، وتفضل جنبي حتى لو كانت تعبانة ومش قادرة تقف على رجليها.
بالنسبة لي، جدتي فاطمة مش مجرد ست كبيرة في السن دي أحنّ وأجدع إنسانة عرفتها في حياتي.
بس زي ما بيحصل في الدنيا، السنين جريت، والعيال كبروا، وكل واحد اتجوز وخلف وسافر أو نقل لمكان تاني، وبقى عنده حياته ومشاغله.
والبيت اللي كان زمان مليان دوشة وضحك وصوت عيال، بقى هادي بشكل يوجع القلب.
الزيارات قلت واحدة واحدة، والمكالمات بقت سريعة وعلى فترات متباعدة، لحد ما بقى فيه شهور بتعدّي من غير ما بعض ولادها يشوفوها.
أما أنا، فكنت تقريبًا الوحيدة اللي بحاول أزورها على قد ما أقدر. كنت بروحلها، أقعد معاها، أسمع حكاياتها اللي سمعتها منها ميت مرة، وبرضه أضحك كأني بسمعها لأول مرة.
كنت عارفة إنها بتفرح بوجودي، وده لوحده كان كفاية يخليني أروح لها حتى لو كنت تعبانة أو مشغولة.
ولما قرب عيد ميلادها المية، كان عندها أمنية واحدة بس.
إنها تشوف ولادها الستة وأحفادها كلهم متجمعين حواليها تحت سقف بيتها، زي زمان.
كانت بتتكلم عن اليوم ده بفرحة طفلة مستنية العيد، وكل شوية تسألني
يا بنتي، هو خالك هييجي؟ وعمّتك كمان هتيجي؟ طب وأولادهم؟ نفسي أشوفهم كلهم قبل ما أموت.
كانت بتقول الكلام ده وهي بتضحك، بس أنا كنت بحس إن وراه وجع كبير.
تخيلوا بقى ست عندها مية سنة! مية سنة كاملة من العمر والتعب والذكريات، ولسه كل اللي نفسها فيه إنها تشوف عيلتها حواليها.
وعشان كده، لما بعتت لكل ولادها وأحفادها وعزمتهم على عيد ميلادها، محدش قدر يرفض الدعوة.
وأنا وصلت قبلهم بكام ساعة عشان أساعدها في تجهيز الأكل، وترتيب السفرة، وتحضير كل حاجة بنفسها اللي كانت مصممة تعملها رغم سنها.
كانت لابسة فستانها المفضل، ومسرّحة شعرها الأبيض بعناية، ووشها منوّر من الفرحة.
كل شوية تبص على الساعة وتسألني
هما اتأخروا ليه يا بنتي؟ تفتكري الطريق زحمة؟
وأنا أطمنها وأقولها
ما تقلقيش يا تيتة، كلهم جايين. النهارده يومك، ومحدش هيضيّع عليكي الفرحة دي.
ولما بدأوا يوصلوا واحد ورا التاني، البيت رجع فيه صوت وضحك وحركة زي زمان. الأحفاد اتجمعوا، والأولاد حضنوا أمهم، واتصورت صور كتير، والكل قعد حوالين السفرة الكبيرة.
وللحظات، حسيت إن أمنية جدتي أخيرًا اتحققت.
لكن الفرحة دي ما كملتش طويل.
بعد ما الأكل اتحط على السفرة، وقبل ما نقطع التورتة، خالي الأكبر بص حواليه، وبعدين قال بمنتهى البرود
بالمناسبة يا جماعة، مش شايفين إننا لازم نتكلم في موضوع البيت؟ يعني ربنا يدي ماما الصحة، بس إحنا لازم نبقى متفقين على اللي هيحصل لما ربنا يسترد أمانته.
الكلام نزل على السفرة زي الحجر.
بصيت لجدتي، لقيتها سكتت فجأة، وابتسامتها اختفت من على وشها.
وقبل ما حد يرد، عمتي قالت بسرعة
أنا اللي ساكنة أقرب واحدة ليها، وأنا اللي بتابع معاها أكتر منكم، فطبيعي البيت يبقى من حقي.
خالي التاني اعترض على طول
من حقك إيه بس؟ هو إحنا مش كلنا ولادها؟ البيت يتباع، والفلوس تتقسم علينا الستة بالتساوي، وخلصنا.
ماما دخلت في الكلام وقالت بعصبية
أيوه، وده الحل العادل. محدش ياخد أكتر من التاني.
وفي أقل من دقيقة، السفرة اللي كانت مليانة ضحك بقت ساحة خناقة.
كل واحد بدأ يطلع مواقفه القديمة، ويعدّد المرات اللي ساعد فيها جدتي، أو المرات اللي زارها فيها، وكأنهم داخلين مزاد، واللي هيقدر يثبت إنه عمل أكتر هو اللي يستحق البيت.
واحد بيقول إنه صرف عليها فلوس.
والتانية بتقول إنها كانت بتكلمها كل يوم.
والتالت بيقول إنه من حقه ياخد البيت عشان هو الابن الأكبر.
وأنا قاعدة ببص لهم ومش مصدقة اللي بسمعه.
هما بيتخانقوا على بيت أمهم، وهي قاعدة قدامهم ولسه عايشة!
جدتي كانت ساكتة، إيديها فوق حجرها، وعينيها بتتنقل من وش للتاني. حاولت تبتسم كذا مرة، يمكن عشان تهدي الجو، لكن صوتهم كان بيعلى أكتر وأكتر.
وفجأة، لمحت دموع بتتجمع في عينيها.
المنظر ده وجعني أكتر من أي كلام سمعته.
قمت من مكاني وقلت
يا جماعة، عيب! النهارده عيد ميلاد تيتة المية، مش يوم تقسيم تركتها! استنوا لما تقوموا من على السفرة على الأقل!
لكن محدش سمعني.
أو يمكن سمعوني، بس محدش اهتم.
فضلوا يتكلموا فوق بعض، وكل واحد عايز يثبت إنه صاحب الحق الأكبر في البيت اللي جدتي قضت عمرها كله بتبنيه وتحافظ عليه.
لحد ما عمتي قالت الجملة اللي خلت الدم ينشف في عروقي
يا جماعة، أمي ممكن تموت في أي يوم! إحنا لازم نحسم الموضوع ده من دلوقتي بدل ما نتفاجئ بعدين.
في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
بصيت لجدتي، لقيتها منزّلة راسها، ودمعة نزلت على خدها وهي بتحاول تمسحها بسرعة من غير ما حد ياخد باله.
بس أنا خدت بالي.
وشفت كل حاجة.
شفت الست اللي اشتغلت شغلانتين وتلاتة عشان تربيهم، واللي حرمت نفسها من حاجات كتير عشان ما تحرمهمش هما، قاعدة في عيد ميلادها المية بتسمع ولادها بيتناقشوا في موتها وتقسيم بيتها، وكأنها مش موجودة.
ساعتها، قررت إني مش هسكت.
قمت من مكاني من غير ما أقول كلمة، ودخلت الأوضة اللي جنب الصالة.
وبعد لحظات، رجعت وأنا شايلة علبة كبيرة، تقيلة شوية، ومتغلفة بعناية.
حطيتها في نص السفرة، بالظبط بين أطباق الأكل اللي محدش بقى باصص لها.
كل الأصوات سكتت بالتدريج.
خالي بص للعلبة باستغراب، وعمتي عقدت حواجبها، وماما رفعت عينيها ناحيتي.
واحد منهم سألني بعصبية
إيه ده؟ وإنتِ جايبة إيه دلوقتي؟
ما رديتش.
بصيت لجدتي الأول، فرفعت عينيها ليا، وكان في نظرتها شيء غريب مزيج من الخوف والرجاء، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان.
حطيت إيدي على غطا العلبة وفتحته بهدوء.
وفي اللحظة اللي ظهر فيها اللي جواها
وشوش ولاد جدتي الستة اتقلبت، والدم انسحب منها لدرجة إن واحد منهم رجع بظهره في الكرسي، وواحدة شهقت وحطت إيدها على بقها.
وبعدين، في صوت واحد تقريبًا، صرخوا في وشي
إنتِ إزاي تعملي فينا كده؟! إنتِ اتجننتي؟!
العلبة اللي كشفت سر جدتي فاطمة والسر اللي خلّى ولادها الستة
يندموا على كل كلمة قالوها في عيد ميلادها المية!
إنتِ إزاي تعملي فينا كده؟! إنتِ اتجننتي؟!
الصوت طلع من خالي محمود، أكبر إخوات ماما، وهو بيزق كرسيه لورا لدرجة إنه خبط في الحيطة.
أما عمتي سعاد، فكانت باصة لجوا العلبة ووشها أصفر، وبتردد بصوت مهزوز
لأ لأ، ده مستحيل! الورق ده المفروض يكون اختفى من زمان!
في اللحظة دي، كل اللي قاعدين على السفرة نسوا إنهم جايين يحتفلوا بعيد ميلاد ست عندها مية سنة.
ونسوا التورتة، والشموع، والهدايا اللي لسه متفتحتش.
كل عيونهم كانت متسمرة على العلبة اللي قدامي.
كان جواها ملف قديم، ومجموعة مفاتيح، وصور بالأبيض والأسود، وظرف بني كبير عليه اسم جدتي فاطمة بخط إيد جدي الله يرحمه.
لكن