انا عمري ما قلت لاهلي اني بقيت قاضيه

الجزء الثامن
بعد انتهاء إجراءات المحكمة، أصرت ليلى على أن تذهب مع هانيا إلى المستشفى لزيارة الرجل المصاپ، لتكون بجانبها في هذه الخطوة الصعبة، وتعلمها أن الاعتذار ليس ضعفاً، بل هو شجاعة لا يملكها إلا أصحاب القلوب الكبيرة. عندما دخلتا الغرفة، كان الرجل مستلقياً على السرير، وجهه يحمل آثار الألم، وعيناه تملأهما الحيرة عندما رأى هانيا تقترب منه بخطوات بطيئة، ورأسها منخفض من الخجل والندم.
تقدمت هانيا منه، وقالت بصوت متهدج
أنا.. أنا آسفة جداً يا سيدي، لا أجد كلمات تعبر عن مدى أسفي عما حدث، وعن الألم الذي سببته لك

بلا مبرر.. كنت متهورة، ولم أدرك عواقب أفعالي، لكنني أتعهد لك بأنني سأكون بجانبك حتى تتعافى تماماً، وسأعوضك عن كل ما لحق بك من ضرر.
رفع الرجل رأسه، ونظر إليها بتركيز، ثم نظر إلى ليلى التي وقفت بجانبها باحترام، وقال بصوت هادئ يحمل بعض الألم
الاعتذار يأتي من القلب يا ابنتي، وأنا أشعر بندمك.. ما حدث قد حدث، ولا يمكن تغييره، لكن الأهم هو أن تتعلمي من أخطائك، وأن لا تكرريها مرة أخرى في المستقبل.
منذ ذلك اليوم، بدأت هانيا تزور الرجل بانتظام، تجلب له ما يحتاجه، تقضي معه بعض الوقت، وتساعده على استعادة عافيته، بينما كانت ليلى تتابع حالته الصحية، وتحرص على توفير أفضل رعاية طبية له، لتعويضه عن كل ما مر به. بدأت هانيا تشعر بالراحة النفسية كلما استطاعت تقديم المساعدة للآخرين، وبدأت تدرك أن السعادة الحقيقية لا تكمن في الدلال والثراء، بل تكمن في مساعدة الغير وتقديم الخير لهم.

الجزء التاسع
بمرور الوقت، بدأت العلاقة بين ليلى وأهلها تتغير تماماً، فقد أدرك الأب والأم خطأهما الفادح في حق ليلى، وبدآ يحاولان جاهدين تعويضها عن كل سنوات الألم والحرمان التي عاشتها وحيدة. كانا يزورانها في شقتها، ويقضيان معها أوقاتاً طويلة، يستمعان إليها، ويستمعان إلى قصص نجاحاتها، ويشعران بالفخر الكبير لما وصلت إليه من مكانة مرموقة بجدها واجتهادها.
أما هانيا، فقد بدأت تتعلم من ليلى الكثير من القيم والمبادئ، تعلمت أن الاحترام هو أساس كل علاقة ناجحة، وأن المسؤولية هي واجب كل إنسان، وأن الطمع والغرور لا يبنيان مستقبلاً، بل يدمران كل شيء. بدأت تعمل بجد، وتسعى لبناء مستقبلها بعرقها واجتهادها، وتعتمد على نفسها في كل شيء، تماماً كما فعلت ليلى، حتى أصبحت مثالاً يحتذى به في الإرادة والتصميم.
في أحد الأيام، جلس الأب والأم مع ليلى وهانيا، في جو عائلي دافئ، مليء بالحب والمودة، وقال الأب بصوت مليء بالفخر والاعتزاز
كنا نعمي أعيننا بحبنا لهانيا، ونتجاهلك يا ليلى بلا رحمة، ظناً منا أنكِ لا تحتاجين إلى رعايتنا، وأنكِ قادرة على الاعتماد على نفسك وحدك.. لكننا كنا مخطئين، فكل إنسان يحتاج إلى الحب والرعاية، وكل إنسان يستحق أن يُقدر ويُحترم.. نحن آسفون يا ابنتي، ونعترف بأنكِ كنتِ دائماً الأقوى والأكثر صدقاً وعدالة.
ردت ليلى بابتسامة دافئة، وقالت
لقد سامحتكم منذ زمن طويل يا أبي، يا أمي، فالغفران هو راحة للنفس، وهو بداية جديدة لعلاقتنا.. ما يهمني الآن هو أن نكون معاً، وأن نبني عائلتنا على أساس الحب والاحترام والصدق، وأن نتعلم جميعاً من أخطائنا، وأن نكون دائماً بجانب بعضنا البعض في السراء والضراء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *