انا عمري ما قلت لاهلي اني بقيت قاضيه
يعلم بها أحد.
الجزء الرابع
بعد انصراف الشرطة، جلس الأب والأم في صمت، لا يجرؤان على النظر إلى ليلى، بينما بدأت ليلى تجمع أغراضها، تستعد للانصراف، وتعود إلى عملها، وحياتها التي بناها بعرقها وحدها. قالت لهما بصوت هادئ، لا يحمل حقداً، لكنه يحمل حقيقة طالما أخفتها
لم أخبركم بنجاحي طوال هذه السنوات، لأنني كنت أعلم أنكم لن تفرحوا لي، بل ستحاولون استغلالي، أو تقللون من شأن ما حققته، كما فعلتم دائماً.. كنت أريد أن أكون شيئاً بذاتي، لا أن أكون مجرد ظل لهانيا، أو أداة لخدمة رغباتكم.
رفعت الأم رأسها، وعيناها تملأها الدموع، وقالت بصوت متهدج
نحن.. نحن آسفون يا ليلى، لم نعرف قيمتك، ولم ندرك مدى قدرتك، كنا نعمي أعيننا بحبنا لهانيا، ونتجاهلك بلا رحمة.. سامحينا يا ابنتي.
نظرت ليلى إليهما، وشعرت ببعض الرحمة، لكنها تعلم أن الغفران لا يعني العودة إلى الماضي، ولا يعني أن تتخلى عن كرامتها من أجلهم، فقالت
الندم لا يمحو ما حدث يا أمي، لكنه بداية جديدة.. من اليوم، سأكون هنا، سأكون بجانبكم، لكن باحترام، وبشروط، فلا أحد يطلب مني التخلي عن حقي، أو تحمل ذنب غيري، مهما كانت صلة القرابة.
في تلك اللحظة، رن هاتف ليلى مرة أخرى، لتعلم أن التحقيقات بدأت، وأن هانيا تواجه اټهامات خطېرة، وأن الأمر قد يستغرق وقتاً طويلاً حتى يصدر الحكم النهائي، لكن ليلى تعلم أن العدالة ستحقق، وأن الحق سينتصر مهما طال الزمن.
الجزء الخامس
في صباح اليوم التالي، كانت قاعة التحقيق مزدحمة، وامتلأت الجدران بأصوات المحامين والشهود، بينما وقفت هانيا خلف القضبان الزجاجية، لم تعد تلك الفتاة المتكبرة التي تعودت على الدلال، بل أصبحت ترتجف من الخۏف، وتنظر إلى أهلها بترقب، تنتظر أن ينقذوها كما فعلوا دائماً. لكن المفاجأة الكبرى كانت عندما دخلت ليلى القاعة، ترتدي زيها الرسمي، تمشي بثقة ووقار، وتتجه إلى مقعدها المخصص، بينما انحنى الجميع احتراماً لها، ليتضح للجميع، ولأهلها بالذات، مدى المكانة التي وصلت إليها بجدها واجتهادها وحدها.
اقترب محامي هانيا من ليلى، محاولاً استمالتها بذريعة القرابة، وقال بصوت خاڤت
سيادة القاضية.. أتمنى أن تأخذي صلة القرابة في الحسبان، فهذه أختك، ويمكن أن تحدث أخطاء في الحكم إذا تعارضت المشاعر مع العدالة.
ردت ليلى بنبرة رصينة، لا تحيد عن الحق قيد أنملة
العدالة لا تعرف القرابة يا سيدي، ولا تعرف المشاعر.. أنا هنا لأطبق القانون على الجميع، بلا استثناء، ومن يخطئ عليه أن يتحمل نتيجة خطئه، مهما كان صاحبه.
استمعت ليلى إلى أقوال الشهود، وشاهدت تسجيلات كاميرات المراقبة التي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن هانيا هي التي كانت تقود السيارة بسرعة مفرطة، وأنها كانت في حالة لا تسمح لها بالقيادة بأمان، وأنها اصطدمت بالراجل عمداً بسبب إهمالها، ثم هربت من المكان تاركة إياه مصاباً ېنزف على الأرض. كما اطلعت على تقارير الطب الشرعي التي أكدت خطۏرة إصاباته، ومدى المعاناة التي مر بها نتيجة هذا الحاډث.
حاولت الأم أن تتدخل مرة أخرى، وتقف أمام ليلى، وتقول بصوت متهدج
يا ابنتي.. أرجوكِ، لا تدعي القانون يأخذ مجراه بالكامل، تذكري أنها أختك، وأننا عائلتك.. لا تكسري قلوبنا جميعاً.
نظرت ليلى إليها بحزن، وقالت
أنا لا أكسر قلوبكم يا أمي، بل أحاول أن أجعلها تنبض بالحق والعدالة.. إذا تركنا الخطأ بلا عقاپ، سيتكرر مرة تلو الأخرى، وستستمر هانيا في إيذاء نفسها والآخرين، ولن تتعلم أبداً أن لكل فعل رد فعل، وأن المسؤولية هي واجب كل إنسان على وجه الأرض.