اختي سابتلي ابنها

ليلة باردة من ليالي الشتاء، كنا نجلس أنا وهو في الصالة، نشاهد فيلمًا هادئًا، وفجأة رن جرس الهاتف الأرضي القديم في البيت، وهو نادرًا ما يرن في الأيام الأخيرة. رفعت السماعة، وسمعت صوتًا نسائيًا هادئًا، وبصوت مرتعش بالكاد يخرج من الحنجرة، قالت معليش.. هل هذا بيت أخي كريم؟. قلبي قفز فجأة، وعرفت الصوت فورًا.. كان صوت أختي سميحة بعد كل هذه السنوات الطويلة.
ارتجفت كلماتي وقلت أيوه.. أنا كريم، إيه.. إيه اللي جابك؟ وينك كل هذه السنين؟ حاسس إن الدنيا كلها توقفت. بكت على الجانب الآخر من الهاتف، وبكت طويلًا، حتى استطاعت أن تتكلم وقالت آسفة يا أخي، آسفة لكل اللي سببته لكم من تعب وقلق، لكن الحمد لله إنكم بخير، وإن عمر كبر ونجح كما سمعت. سألتها بلهفة أنتِ فين؟ هل أنتِ آمنة؟ إيه اللي حصل بالظبط؟ ليه كل هذا الغياب الطويل؟.
بدأت تحكي لي القصة كاملة، وكل شيء أصبح واضحًا الآن. زوجها كان يعمل في أعمال غير قانونية ومحفوفة بالمخاطر، وبدأ يتورط في مشاكل كبيرة، وكانت السلطات تطارده، وكان يعرف إنهم سيصلون له ولعائلته قريبًا. لم يكن يريد أن تتعرض أختي وابنها للخطړ أو أن يدخلوا في دوامة المشاكل دي، فاتفق معها على خطة صعبة جدًا، وهي أن تختفي، وتسافر لبلد بعيد، وتقطع كل صلة بالجميع، لكي يظن الجميع إنها هربت معه، أو إنها ليست على صلة به، فيبعد الخطړ عنها وعن عمر.
قالت لي كنت أعيش في ړعب دائم، وأعرف إن أي خطأ بسيط قد يكلفنا حياتنا، فاخترت الابتعاد كأصعب قرار في حياتي، لكنه كان الأضمن لسلامة ابني ولأمانك أنت. زوجي ټوفي بعد سنتين من سفرنا في حاډث غامض، وبعدها بدأت أستعيد نفسي، لكنني ظللت أراقبكم من بعيد بطرق سرية، أعرف أخباركم، أعرف كيف كبر عمر، وكيف ربيته، وكنت أفرح بكل نجاح يحققه، لكنني كنت خائڤة من أن أعود مبكرًا قبل أن تزول كل آثار الخطړ تمامًا، حتى تأكدت تمامًا منذ عام تقريبًا أن كل شيء انتهى، وأن لا خطړ علينا، فقررت أن أتواصل معكم مرة أخرى.
بكيت معها طويلًا، وأخبرتها إن عمر ناجح، وإننا بخير، وإننا لم نلومها يومًا، بل كنا نعرف إنها في موقف صعب، وإنها كانت تحمينا. ثم طلبت منها أن تتكلم مع عمر مباشرة، فأعطيت له السماعة وهو يقف بجانبي وقد سمع جزءًا كبيرًا من الحديث، ووجهه متلون بين الفرحة والدهشة والدموع.
أخذ السماعة، وقال بصوت يملؤه الشوق والحنان ماما؟.. هل أنتِ حقًا؟ وبدأت محادثة أخرى مليئة بالدموع والكلام، والشوق الطويل الذي تراكم لسنوات. اتفقنا أن تعود إلينا بعد ترتيب بسيط، لتأتي وتقابل ابنها، وتعيش معنا، وتعوض كل هذه السنوات التي ابتعدت فيها.
وبعد أسبوعين، كانت تقف على باب بيتنا، شعرتها تغيرت قليلاً مع مرور السنين، لكن ملامحها ظلت كما هي، وعيناها مليئة بالدموع والفرحة. جري عمر نحوها واحتضنها بقوة، وكأن السنين الطويلة لم تكن موجودة، وكأنها رأتها بالأمس فقط، وكنت أقف بجانبهما أشاهد المشهد وأشعر إن كل همي وكل تعبي ذهب في لحظة، وإن ربنا كافأنا جميعًا على صبرنا وثقتنا به.
عاشت سميحة معنا، وعادت الحياة لطبيعتها، بل أصبحت أجمل وأكثر دفئًا. بدأت تعوض ابنها كل ما فاته، وبدأت تحكي له تفاصيل طفولته، وكل ما كانت تتمناه له، وكيف كانت تفكر فيه كل دقيقة وهي بعيدة. عمر استمر في نجاحه، وتخرج من الجامعة بامتياز، وعمل في شركة كبيرة، وأصبح
رجلًا يعتمد عليه، يحمل في قلبه حنانًا كبيرًا، وعلمًا واسعًا، وتجربة صعبة جعلته أقوى وأكثر وعيًا.
وبقيت أنا بينهما، كالجسر الذي ربط الماضي بالحاضر، وكنت فخورًا جدًا بدوري، وبأنني استطعت أن أحافظ على ابن أختي، وأحافظ على وعدي لها عندما قلت لها اعتبريه ابني. مرت سنوات أخرى، وتزوج عمر، وأنجب أطفالًا، وأصبح لدينا عائلة كبيرة سعيدة، نعيش في أمان واطمئنان، ونحكي دائمًا قصتنا، لتكون عبرة لنا وللأجيال القادمة، أن الحب والصبر والثقة بالله، قادرة على تحويل أصعب المواقف إلى سعادة دائمة، وأن الروابط الأسرية الحقيقية لا تنقطع مهما طالت المسافات أو زادت الصعوبات.
وظلت رسالة سميحة القديمة، والدفتر الصغير، محفوظين في مكان آمن، كشاهد على مرحلة صعبة مررنا بها، وذكرى لنا جميعًا بأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع أبدًا، وأن الصمت قد يكون أحيانًا حماية، والغياب قد يكون في الحقيقة حبًا بكل معنى الكلمة.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *