اختي سابتلي ابنها
عمر بضحكته البريئة الصغيرة، يختفي كل تعب وكل هم، وأشعر إن الدنيا كلها ملكي.
الجيران في العمارة كانوا يعرفون القصة، وكانوا يساعدوني بكل طريقة ممكنة. السيدة أم سعيد اللي تسكن في الطابق الأرضي، كانت تجيلي كل يوم تقريبًا، تعلمني الطرق الصحيحة في التعامل مع الرضيع، وتطبخ لي الأكل، وتقول لي دائمًا ربنا يجازيك خير يا ولدي، اللي يعمل خير مع طفل يتيم أو محروم من أمه، ربنا يفتح له أبواب الرزق والسعادة من كل مكان. كنت أرد عليها بامتنان ده واجبي يا أمي، عمر ده ابن أختي ودمي من دمي، ولا يمكن أتخلى عنه أبدًا.
مر الشهر الثالث، وبعده الرابع، وكل ما يمر وقت، كانت أسئلتي عن أختي تزيد ولا تقل. كنت أحاول أتتبع أي خيط يوصلني لها. رحت للشركة مرة تانية، وسألت زملائها القدامى، وقالوا لي إنها قالت لهم إنها هتسافر لدولة أجنبية لفرصة عمل ممتازة، وما قالتش أي تفاصيل تانية. رحت للمناطق اللي كانت تزورها عادة، وسألت كل صديقة كانت تقضي وقت معاها، لكن ما حدش كان يعرف حاجة أكتر من كده. كل واحد كان بيقول فجأة اختفت، وقالت إنها مسافرة، وما رجعتش تتصل بحد.
في يوم من الأيام، وبينما كنت أرتب أغراضها القديمة اللي خلفتها في بيتها القديم اللي كانت تسكن فيه قبل ما تتزوج، لقيت دفترًا صغيرًا مخفيًا تحت فراشها القديم. كان دفتر مذكرات، كتبت فيه أشياء كتير عن حياتها، أحلامها، مخاوفها، وعلاقتها بزوجها اللي لم أره من قبل، لأنهم تزوجوا بعيدًا عنا وقلت إن ظروفهم كده. قرأت الصفحات واحدة واحدة، ووجدت كلامًا بدأ يكشف لي جزءًا من الحقيقة اللي كانت غامضة.
كتبت في صفحة قديمة جدًا حياتي معاه مش سهلة، هو إنسان غامض، وبيشتغل في مجالات ما بيفهمها حد، وبيطلب مني أتجاهل كتير من الأسئلة اللي بتجول في بالي. وفي صفحة تانية كتبت بدأت ألاحظ عليه تصرفات غريبة، يجيب مبالغ كبيرة من غير ما يوضح مصدرها، ويحذرني من أن أتكلم مع أي حد عن أموره، ويقول لي إن سلامتنا كلها مرتبطة بالصمت. وهنا بدأت تتضح الصورة قليلاً.. أختي كانت تعيش تحت ضغط رهيب، وخاڤت على نفسها وعلى ابنها من خطړ محدق، واضطرت تختفي لتحمينا كلنا.
لكن مع كده، ما كنتش أقدر أتأكد تمامًا، ولا أعرف هو فين زوجها، ولا إيه اللي حصل بالظبط، ولا هل هي آمنة ولا لا. لكن رسالتها كانت واضحة، إنها مش هتقدر ترجع، فقررت في نفسي إن أفضل ما أفعله هو أن أحترم قرارها، وأركز على تربية عمر، وأكون مستعد لأي معلومة جديدة تجيلي في يوم من الأيام.
مرت السنوات ببطء في بدايتها، ثم مرت سريعًا كالبرق. كبر عمر سنة بعد سنة، وبدأ يمشي ويتكلم، وكل ما يكبر، يزيد شغله وفضوله ليعرف عن أمه. كان أول سؤال يسأله لي لما بلغ عمره أربع سنوات عمي.. فين ماما؟ ليه كل الأطفال عندهم ماما وبابا وأنا معاك بس؟. سؤال أصاب قلبي في الصميم، واضطرت أجيب عليه بصدق بطريقة تتناسب مع عمره، من غير ما أسبب له جرحًا أو حزنًا زائدًا. قلت له ماما كانت مضطرة تسافر بعيد جدًا، ومش قادرة ترجع لظروف صعبة، لكنها بتحبك أكتر من أي حد في الدنيا، وكل تفكيرها فيك، وكل ما نعيشه ده منها ومن خيرها. كان ينظر لي بعينيه الواسعتين، ويقول بصوت هادئ يعني هتجي يوم وتشوفني؟ أجيب له بابتسامة مليئة بالأمل إن
شاء الله يا حبيبي، لو أراد الله.
كان عمر طفلًا ذكيًا جدًا، هادئًا، ومحبًا للناس. كبر على الحب والاهتمام، وعلى القيم الصحيحة اللي علمتها له، من الأمانة والصدق ومساعدة الغير. كنت أخصص له كل وقتي، أذهب معه للحضانة ثم للمدرسة، أتابع دراسته، ألعب معه، وأحكي له قصصًا جميلة عن أمه، أخبره كم كانت طيبة القلب، وكم كانت تحب الخير للجميع، عشان يكبر وهو يحمل صورة طيبة عنها في قلبه.
الفلوس اللي وصلتني من أختي، احتفظت بها في حساب بنكي خاص باسمه، وكنت أصرف منها بحكمة، لضمان مستقبله، وكنت أضيف عليها من راتبي الخاص كل شهر، عشان يزيد المبلغ ويكون له دعم قوي لما يكبر ويدرس ويعتمد على نفسه. لم أستخدم منها قرشًا واحدًا في شيء خاص بي، لأنني كنت أعتبرها أمانة في عنقي، يجب أن أوصلها له سليمة وكاملة.
مرت سبع سنوات كاملة منذ آخر رسالة وصلتني منها، ولا جديد، ولا أي خبر. كنت كل فترة أتحقق من رقم التحويل، وأحاول الاستعلام بطرق قانونية بسيطة، لكن دون جدوى، فالرقم كان وهميًا أو مرورًا بطرق لا يمكن تتبعها بسهولة. ومع مرور الوقت، بدأت أشعر ببعض الاطمئنان، لأنه لو كان حدث لها مكروهًا، ربما كان يصلنا خبر، فالصمت الطويل ده قد يعني أنها آمنة ومستقرة في مكانها البعيد.
عندما بلغ عمره العاشرة، كان قد أصبح ولدًا ناضجًا بالنسبة لسنه، يفهم الأشياء بعمق، ولا يسأل كثيرًا، لكن كنت أراه أحيانًا يجلس وحيدًا وينظر للسماء، أو يمسح صورته الصغيرة التي احتفظنا بها، وأعرف جيدًا إنه يفكر فيها. في يوم من الأيام، جاءني وهو يحمل ظرفًا كبيرًا وملفًا، وقال لي بجدية وهدوء عمي.. أريد أن أعرف كل الحقيقة الآن، بدون تجميل ولا خوف، أنا كبرت وفهمت، وأريد أن أفهم لماذا تركتنا ماما، وهل هي بخير ولا لا؟.
جلست معاه في هدوء، وحكيت له كل ما أعرفه، من أول يوم جاءت فيه أمه وتركته، وحتى الرسالة والتحويل، ودفتر المذكرات، وكل ما استطعت اكتشافه من معلومات، وقلت له بصراحة ده كل ما وصل لي يا عمر، والباقي غيب، وربنا هو اللي يعلم كل شيء، لكن الأكيد إنها كانت مضطرة، وإنها لم تتركك إلا من خۏفها عليك، ولو كان بيدها لما ابتعدت لحظة واحدة عنك. سمعني بتركيز شديد، وعيناه امتلأت بدموع صامتة، ثم قال لي بصوت يرتجف قليلاً يعني هي مش تخلت عني؟ أجبته بثقة قوية أبدًا يا حبيبي، لو تخلت عنك ما كانت سترسل لك كل هذا المال، ولا كانت تركتك معي وأنا أخوها، ولا كانت تمنت لك الخير في رسالتها، كل تصرفاتها تقول إنها تحميك بكل ما تملك.
منذ ذلك اليوم، تغير شيء في شخصية عمر، أصبح أكثر ثباتًا، وأكثر عزيمة، وكان يقول لي دائمًا سأدرس جيدًا، وأنجح، وأحقق كل أحلامي، عشان أكون فخورًا بنفسي، وعشان لو رجعت ماما في يوم، تجدني ولدًا ناجحًا، وتعرف إن قرارها لم يذهب هباءً. كلامه ده كان يملأ قلبي فرحًا وفخرًا، ويجعلني أشعر إن كل تعبي وكل مجهودي كان في مكانه الصحيح.
مرت السنوات الأخرى، وكبر عمر واجتاز مراحل دراسته بتفوق، وكان من الأوائل في مدرسته، ثم التحق بالجامعة في كلية الهندسة، وهي الكلية التي كان يحلم بها، وكان يعمل بجد ليل نهار ليثبت نفسه. كنت أراقبه وأشعر بالسعادة تغمر قلبي، وأشكر الله في كل وقت أنه أعطاني القدرة والصبر لأقوم بهذه المسؤولية الكبيرة.
وفي عامه العشرين، وفي