حسبه مغلوطه ج٣ انجي الخطيب
“اتفضلي يا مدام هنا، الحساب بقا جاهز والفلوس كاملة،” الموظف قالها بابتسامة.
“شكراً يا فندم،” هنا أخدت الدفتر وحطته في شنطتها بحرص، وكأنها بتشيل قلب ابنها جوة الشنطة.
الخطوة الأخيرة كانت عند مكتب الشيخ “عثمان” المأذون الشرعي في حي وسط البلد. القعدة مكنتش فيها زغاريط ولا عتاب أهلي؛ كانت قعدة بيزنس وجافّة.
المأذون عدّل نِظارته وبص للاتنين: “يا باشمهندس مصطفى، أنت موافق على الطلاق على الإبراء؟”
مصطفى بص لهنا للمرة الأخيرة، كان فيه في عينيه نظرة ندم حقيقية، نظرة الراجل اللي عرف قيمتها بعد ما خسّرها للأبد، بس هنا كانت باصة للناحية التانية، عينيها كانت معلقة على السحاب اللي بره الشباك.
“موافق يا شيخنا،” مصطفى قالها بصوت واطي.
“وأنتِ يا مدام هناء؟”
“موافقة يا فندم.”
حبر القلم اتمسح على دفتر المأذون، والكلمتين اللي جمعوهم من تمان سنين في الحلال، اتفكوا في ثواني بـشهادة اتنين موظفين من مكتب المحاماة. مصطفى طلع المؤخر وحطه على الترابيزة، هنا أخدته من غير ما تعدّه، وحطته في الشنطة.
### بداية جديدة من تحت المطر
لما خرجوا من مكتب المأذون، الدنيا كانت لسه بتمطر مطر خفيف، مطر نوفمبر اللي بيغسل شوارع القاهرة من تراب الصيف. الحاجة اعتماد أخدت ابنها ومشيوا في السكات، من غير ما يبصوا وراهم، راجعين لشقتهم القديمة وهم شايلين خيبة تدبيرهم اللي اتقلب عليهم.
هنا وقفت على الرصيف، أخدت نفس طويل وعميق، حسّت إن الهوا الساقع بيدخل صدرها بيطهرها من كل الوجع والخيانة والزن اللي عاشت فيه سنتين. طلعت موبايلها واتصلت بـمديرها في الشغل.
“— ألو، أيوة يا فندم.. صباح الخير.. أنا حابة أبلغ حضرتك إن الظروف الشخصية اللي كُنت بمر بيها انتهت تماماً بفضل الله.. وأنا جاهزة أرجع أشرف على ملف تعاقدات مصنع المواد الخام بنفسي من بكرة الصبح، والشغل هيمشي بـأعلى كفاءة زي الأول.. تمام يا فندم، شكراً لحضرتك.”
قفلت الخط، وبصت للساعة.. كانت حداشر ونص الظهر. دا ميعاد فسحة كريم في المدرسة.
طلعت على مدرسة ابنها، وقفت ورا السور الحديدي الكبير وهي بتراقب العيال وهم بيجروا ويلعبوا في الحوش باللبس الأزرق. لقت كريم واقف جمب المستر بتاعه، وماسك في إيده كشكول الحساب وبيشرح له مسألة بذكاء وابتسامة مالية وشه.