كيس زباله ج٣ شروق خالد
الصرخة اللي طلعت من حنجرة الحاجة ناهد هزت جدران الشقة الضيقة، التليفون وقع من إيدها على البلاط والشاشة اتهشمت، بالظبط زي ما كل خططهم اتهشمت تحت كعب جزمة فريدة.
وقعت ناهد على ركبها تلطم وتصرخ: “يا مري.. ابني ضاع! زين في القسم يا عزمي! الحقني يا عزمي ابني هيتسجن!”
الحاج عزمي خرج من الأوضة يجر رجليه، وشه مخطوف والضغط عِلي عليه لدرجة إنه مش قادر ينطق، ساند على الحيطة وبيتنفّس بصعوبة: “الـ.. الـ ١٥٠ ألف دولار.. البت لوت دراعنا، قولتلك بلاش يا ناهد.. قولتلك البت دي مش سهلة وأبوها مربيها على الغالي، طمعتِ في الشقة يهدّك الطمع!”
في نفس اللحظة، قدام باب قسم الشرطة، كانت عربية فريدة واقفة على جنب.
فريدة كانت قاعدة جوه، حاطة رجل على رجل، وبتتفرج من ورا زجاج العربية الفاميه على زين وهو نازل من بوكس الشرطة، إيده متكلبشة في إيد عسكري، وهدومه متبهدلة، وشه الأرض، والنظر في عينه مكسور كسر عمري ما حد شافه فيه قبل كده. زيزو ابن الهواري، اللي كان من كام يوم فاكر نفسه ملك الزمان، داخل الحجز بجلابيته البيضاء اللي اتملت تراب.
نزلت فريدة من العربية بكل شموخ، نظارتها الشمسية على عينيها رغم إن الوقت كان مغرب، ومشت بخطوات بطيئة مسموعة لحد ما وقفت قدامه قبل ما يدخل من البوابة.
زين رفع عينه ببطء، وشافها.. حاول يداري كلبش الحديد بـإيده التانية، وبصوت مخنوق ومبحوح قال: “ارحمني يا فريدة.. هاتيلي كرسين وأنا هكتبلك بيهم شيكات، هبيع نصيب عيلتي في ورث أبويا.. بس بلاش المبيت في الحجز، أنا هموت هنا!”
فريدة قلعت النظارة وبصت في عينه ببرود يقّطع النفس: “يرضيك يا زيزو.. الموقف يبقى مش مريح خالص لحبيبتك شيريهان؟ مش كنت بتقولي بلاش نغمة الصعبانيات دي؟ أديك دُقتها أهو.. طعمها إيه بقا؟”
زين نزلت دموعه غصب عنه: “أنا غلطت.. طمعت وعميت، وأمي هي اللي زقتني.. سامحيني!”
فريدة ميلت عليه وقالت بنبرة حاسمة: “أنا مبسامحش اللي ييجي على كرامتي يا زين. الوصلات دي هتنزل الجلسة الأسبوع الجاي، والحكم فيها فوراً.. والشقة أنا استلمت مفاتيحها خلاص ورجالتي غيروا الكوالين. قسماً بالله لو حد من أهلك عتب الحارة اللي فيها الشقة، لهعملهم محضر عدم تعرض وأرمي أبوك وأمك جنبك في الحجز.. دوق مرار الشقا بقا اللي كنت عايز تسرقه مني.”
سابت فريدة زين واقف يبكي زي العيل الصغير، ودخل بيه العسكري لجوه.
مرت الساعات، وجاء الليل.. وفي شقة فريدة (مملكتها اللي رجعتها بقوتها)، كانت الأنوار كلها منورة. الشقة رجعت تبرق، العفش القديم كله اتغير، ونزل عفش جديد مودرن على ذوقها هي بس.
الباب خبط.. فريدة فتحت، لقيت شيريهان واقفة، وشها من غير مكياج، وعيونها منفخة من العياط، والغرور اللي كان ماليها اتمسح تماماً.
شيريهان بصوت مرعوب: “فريدة.. أنا ماليش دعوة بكل اللي حصل.. أنا كنت مغفلة، هما فهموني إنك أنتِ اللي متبلية على زين وإن الشقة دي بتاعته.. أنا جهازي اتمسك في الكمين ومحجوز عليه في القضية بسبب إن زين كان ماضي على وصلات باسمي.. أبوس إيدك تنازليلي عن الحاجة بتاعتي، أنا هفسخ الخطوبة ومش عايزة أعرف الوش ده تاني!”
فريدة ساندت على الباب وابتسمت ابتسامة خفيفة: “جهازك؟ مش ده الجهاز اللي كنتِ جايباه وعايزة تفرديه في شقتي وتلبسي لكلوكي الفرو؟”
شيريهان عيطت: “حرمت والله.. أنا حافية أهو، ومش عايزة منه حاجة. . بس فكيلي الحجز على جهازي شقا أبويا هيروح!”
فريدة بصت لها بشفقة وقرف في نفس الوقت: “جهازك هيفضل محجوز عليه لحد ما القضية تخلص.. تمن الغفلة والطمع غالي يا شيري.. خدي درسك واطلعي بره حياتنا، والمرة الجاية لما تحبي تخطفي راجل.. اتأكدي الأول إن مراته مش فريدة الهواري!”
قفلت فريدة الباب في وشها، وراحت وقفت قدام مراية الصالة الكبيرة. عدلت شعرها، وبصت لملامحها القوية.. مفيش دموع، مفيش حزن على عشرة هانت.. فيه بس بنت عرفت تاخد حقها تالت ومتلت من اللي افتكروا إن طيبتها قلة حيلة.
مسكت تليفونها ورنت على المحامي: “أيوة يا متر.. جهزلي ورق قضية الخلع.. عايزة الحكم يصدر وزين جوة العنبر.. عشان نبقى قفلنا الصفحة دي على نظافة!”