عصايه نادين ج٣ شروق خالد

حكايات شروق خالد

دخل القاضي القاعة، والكل سكت.. خبط بالمطرقة وقال: “محكمة!”، وبدأت الجلسة.
وقف المحامي بتاع دينا وشريف، وبدأ يتكلم بنبرة صوت عالية كلها ثقة: “يا سيادة القاضي، الموكلين بتوعي جايين يطالبوا بحقهم وبيرفعوا الظلم عن اسم عيلتهم.. الست اللي واقفة قدامك دي، مريم، استغلت غياب والدها ووفاة جدها، وقعدت تألف سيناريوهات وبطولات وهمية عن خدمتها في الجيش، وكل ده عشان تضغط على جدها الله يرحمه في أواخر أيامه وتخليه يكتب لها الشقة والفلوس باسمها، وتظهر قدام المجتمع إنها البطلة اللي مفيش منها”.
دينا كانت قاعدة ورا المحامي، بتبص لمريم بنظرة كلها شماتة وتحدي، وشريف واقف جنبها ومربع إيده وعلى وشه ابتسامة برود، كأنهم خلاص ضمنوا القضية والورث هيرجع لهم ومريم هتطلع من هنا بفضيحة.
القاضي بص لمريم، وقال لها بنبرة حازمة: “إيه ردك يا مريم على الاتهامات دي؟ هل عندك أي مستندات رسمية تثبت إنك خدمتي في القوات المسلحة، ولا الكلام ده ملوش أساس من الصحة؟”
مريم أخدت نفس عميق.. الهدوء اللي كانت فيه كان مرعب لكل اللي في القاعة.. فتحت الشنطة اللي معاها بكل ثبات، وطلعت منها ملف جلدي أسود مقفول، وتقدمت بيه لحد منصة القاضي.
“اتفضل يا سيادة القاضي.. ده ملف خدمتي العسكرية.”
القاضي مسك الملف وفتحه، وأول ما بدأ يقرا السطور الأولى، ملامح وشه اتقلبت تماماً.. علامات الدهشة والجدية ظهرت على وشه، وبدأ يبص لمريم بنظرة كلها احترام وإجلال.
الملف مكنش فيه مجرد شهادة إنهاء خدمة عادية.. الملف كان جواه شهادات تقدير من قيادات عليا في الجيش، وأوراق رسمية مختومة بختم النسر بتثبت إن مريم مش مجرد عسكري عادي، دي كانت بتخدم في واحدة من أخطر مناطق العمليات ومأموريات مكافحة الإرهاب، ومصابة عمليات وليها سجل بطولي يشرف بلد بحالها.. وجوه الملف كمان كان فيه نوط الواجب العسكري اللي بتاخده الشخصيات البطلة بس.
القاضي بص لدينا وشريف بنظرة غضب حارقة، وخبط بالمطرقة وقال بصوت زلزل القاعة: “السكوت تام في القاعة!”
بص القاضي لمريم وقال بنبرة صوت مسموعة للكل: “المحكمة بتقدم ليكي تحية إجلال واحترام يا مريم.. إنتي شرف لعيلتك ولبلدك كلها.. الأوراق اللي قدامي دي بتثبت إنك بطلة حقيقية، وضجيتي بحياتك وشبابك في وقت مكانش حد يستحمل فيه اللي إنتي شفتيه”.
التفت القاضي لدينا وشريف، وقال لهم بغضب وعين حمرا: “أما بالنسبة للاتهامات الكاذبة دي.. فالمحكمة مش بس بترفض الدعوى، المحكمة بتأمر بتحويل المدعوة دينا والمدعو شريف للنيابة العامة بتهمة البلاغ الكاذب، والتشهير بنساء القوات المسلحة، ومحاولة النصب للاستيلاء على ورث شرعي!”
في اللحظة دي، الابتسامة اللي كانت على وش شريف اختفت تماماً، ووشه بقى أصفر زي الليمونة، وركبه م بقتش شايلاه.. أما دينا، فوقعت على الكرسي وهي مش مصدقة إن السحر انقلب على الساحر، وإن الفضيحة اللي كانت عايزاها لبنتها، بقت هي اللي هتدفع تمنها ومن سمعتها وفلوسها.
مريم لفت ضهرها، وبصت لأمها وأخوها بكل كبرياء.. مكنش في عينها شماتة، كان في عينها نظرة نصر وراحة.. النظرة اللي بتقول إن الحق دايماً بيبان، وإن اللي بيخدم بلده بشرف، ربنا عمره ما بيخذله. مسكت شنطتها، وخرجت من قاعة المحكمة وهي رافعة راسها لفوق، والكل بيبص لها بفخر واحترام، وسابتهم وراها يواجهوا مصيرهم الأسود.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *