عصايه نادين ج٣ شروق خالد

أهلي جرجروني في المحاكم، واتهموني إني “فيتيران” ومجندة مزيفة.. “هي عمرها ما دخلت الجيش، دي سرقت سمعة عيلتنا، وكل اللي بتقوله ده تأليف في تأليف”، أمي قالت الكلام ده بكل غل وهي بتشهد قدام القاضي.. أنا مخدتش أي رد فعل، فضلت ساكتة وباصة للقاضي وبس.
الوجع الأكبر كان جاي من غدر أقرب الناس ليا.. بعد تمان سنين من المأموريات والخدمة في مناطق ضرب النار والحروب، “مريم” رجعت لبلدها ومنطقتها عشان تتفاجأ بوشوشة، وشكوك، واتهامات هزتها من جواها.
أُمها وأخوها هما اللي جروها للمحكمة، وبيقولوا إنها ألفت حكاية خدمتها في الجيش دي عشان تكسب عطف الناس وتكبر اسم العيلة في الهوا.
واللي حصل بعد كده بقى خناقة ومواجهة درامية جوة قاعة المحكمة.. مواجهة كل كلامها عن الشرف، والحقيقة، وتمن التضحية.
عيلة مريم كانوا فاكرين إن اتهاماتهم دي هتكسرها وتفضحها، بس مكنوش معملين حساب اللحظة اللي هتطلع فيها الدليل اللي يلجم القاعة كلها.. القضية مبقتش مجرد دفاع عن سمعتها، دي بقت معركة عشان تظهر حقيقة كل اللي عاشته واستحملته وهي بتخدم بلدها.
حكاية مريم بدأت من سنين فاتت في منطقة في مصر، حيث كان اسم عيلة “النمر” ليه هيبة ووزن.. العيلة دي وعلى مدار أجيال كانت بتحافظ على برستيجها وسمعتها جداً.. “دينا”، أم مريم، كانت معروفة وسط الناس كلها بشخصيتها القوية اللي بتمشي كلمتها على الكل، والست اللي بتتحكم في أدق تفاصيل شكل العيلة قدام الناس.
لما مريم قررت تتطوع وتدخل الجيش وهي عندها 18 سنة، الصورة اللي أمها راسمها ومحافظة عليها بدأت تتشرخ.
دينا عمرها ما شجعت القرار ده.. الجيش بالنسبة لها كان عالم هي متقدرش تفرض سيطرتها عليه ولا تتحكم فيه.. كانت شايفاه مكان خطر ومش مضمون، وبعيد كل البعد عن الحياة المستقرة والمستوى اللي كانت رسماه لبنتها.. بس مريم كانت خلاص أخدت قرارها، كانت عايزة حياتها يبقى ليها قيمة وتعمل حاجة تخدم بلدها.
ومن اللحظة دي، التلقيح والكلام اللي يضايق بقى حاجة أساسية في علاقتهم.
كل ما مريم كانت ترجع إجازة من مأموريتها، دينا كانت تستهزأ باختيارها.. كانت بتتريق على يونيفورم الجيش بتاعها، وبتقلل من الرتب والشارات اللي حطاها، وتسألها بتريقة وسخرية: “أهو أي كلام وخلاص.. إنتي تبع أنهي سلاح وهمي المرة دي؟”
الموضوع زاد وبقى أسوأ بعد ما والد مريم توفى.. من غير وجوده عشان يظبط البيت ويهدي الدنيا، قسوة دينا بقت عيني عينك ومن غير تجميل.. بدأت تقول قدام الناس إن مريم بتهول وتألف حكايات عن خدمتها في الجيش.. وكل سنة كانت النغمة دي بتزيد حدة وقسوة.
ورغم كل ده، مريم كانت قليل جداً لما ترد.. العسكرية علمتها حاجة مهمة: مش كل المعارك محتاجة صوت عالي وفرهدة.. ساعات الصبر والتحمل بيبقى أقوى رد.
بس كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب بعد ما جدها توفى.
جالها منه ورث على قد حاله؛ عبارة عن شقة وحساب صغير في البنك.. الجد كان منظم الورث ده ومأمنه كويس جداً، بحيث إن دينا ميبقاش ليها أي كلمة ولا تصرف فيه.. القرار ده شعلل نار الغيرة والغل، والصلح اللي كان بالعافية اتقلب لحرب قضايا ومحاكم.
في ظرف أسابيع قليلة، دينا وأخو مريم الكبير “شريف” رفعوا عليها قضية.
الاتهام بتاعهم كان يصدم.. اتهموا مريم بإنها بتنتحل صفة مجندة في القوات المسلحة، وإنها بتستغل الحكاية دي عشان تكسب تعاطف الناس وتعمل مصلحة وفلوس.. وقالو إنها بوظت سمعة العيلة بكدبها.
بس القضية في الحقيقة مكنتش عشان السمعة ولا حاجة.
الموضوع كله كان حب تملك وسيطرة.
دينا كانت عايزة ترجع الورث ده للعيلة بأي طريقة، وشريف -اللي كان واقف جنب أمه بكل ثقة برود وبجاحة- كان دايس معاها في الهجوم ده لآخر الخط.
القضية بسرعة لفتت الأنظار في المنطقة.. ويوم الجلسة الصبح، المحكمة كانت زحمة على آخرها بالناس اللي جاية تتفرج وتعرف إيه اللي بيحصل، وكله مستني يشوف خناقة العيلة دي هترسي على إيه.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *