أهلي جرجروني في المحاكم، واتهموني إني "فيتيران" ومجندة مزيفة.. "هي عمرها ما دخلت الجيش، دي سرقت سمعة عيلتنا، وكل اللي بتقوله ده تأليف في تأليف"، أمي قالت الكلام ده بكل غل وهي بتشهد قدام القاضي.. أنا مخدتش أي رد فعل، فضلت ساكتة وباصة للقاضي وبس. الوجع الأكبر كان جاي من غدر أقرب الناس ليا.. بعد تمان سنين من المأموريات والخدمة في مناطق ضرب النار والحروب، "مريم" رجعت لبلدها ومنطقتها عشان تتفاجأ بوشوشة، وشكوك، واتهامات هزتها من جواها. أُمها وأخوها هما اللي جروها للمحكمة، وبيقولوا إنها ألفت حكاية خدمتها في الجيش دي عشان تكسب عطف الناس وتكبر اسم العيلة في الهوا. واللي حصل بعد كده بقى خناقة ومواجهة درامية جوة قاعة المحكمة.. مواجهة كل كلامها عن الشرف، والحقيقة، وتمن التضحية. عيلة مريم كانوا فاكرين إن اتهاماتهم دي هتكسرها وتفضحها، بس مكنوش معملين حساب اللحظة اللي هتطلع فيها الدليل اللي يلجم القاعة كلها.. القضية مبقتش مجرد دفاع عن سمعتها، دي بقت معركة عشان تظهر حقيقة كل اللي عاشته واستحملته وهي بتخدم بلدها. حكاية مريم بدأت من سنين فاتت في منطقة في مصر، حيث كان اسم عيلة "النمر" ليه هيبة ووزن.. العيلة دي وعلى مدار أجيال كانت بتحافظ على برستيجها وسمعتها جداً.. "دينا"، أم مريم، كانت معروفة وسط الناس كلها بشخصيتها القوية اللي بتمشي كلمتها على الكل، والست اللي بتتحكم في أدق تفاصيل شكل العيلة قدام الناس. لما مريم قررت تتطوع وتدخل الجيش وهي عندها 18 سنة، الصورة اللي أمها راسمها ومحافظة عليها بدأت تتشرخ. دينا عمرها ما شجعت القرار ده.. الجيش بالنسبة لها كان عالم هي متقدرش تفرض سيطرتها عليه ولا تتحكم فيه.. كانت شايفاه مكان خطر ومش مضمون، وبعيد كل البعد عن الحياة المستقرة والمستوى اللي كانت رسماه لبنتها.. بس مريم كانت خلاص أخدت قرارها، كانت عايزة حياتها يبقى ليها قيمة وتعمل حاجة تخدم بلدها. ومن اللحظة دي، التلقيح والكلام اللي يضايق بقى حاجة أساسية في علاقتهم. كل ما مريم كانت ترجع إجازة من مأموريتها، دينا كانت تستهزأ باختيارها.. كانت بتتريق على يونيفورم الجيش بتاعها، وبتقلل من الرتب والشارات اللي حطاها، وتسألها بتريقة وسخرية: "أهو أي كلام وخلاص.. إنتي تبع أنهي سلاح وهمي المرة دي؟" الموضوع زاد وبقى أسوأ بعد ما والد مريم توفى.. من غير وجوده عشان يظبط البيت ويهدي الدنيا، قسوة دينا بقت عيني عينك ومن غير تجميل.. بدأت تقول قدام الناس إن مريم بتهول وتألف حكايات عن خدمتها في الجيش.. وكل سنة كانت النغمة دي بتزيد حدة وقسوة. ورغم كل ده، مريم كانت قليل جداً لما ترد.. العسكرية علمتها حاجة مهمة: مش كل المعارك محتاجة صوت عالي وفرهدة.. ساعات الصبر والتحمل بيبقى أقوى رد. بس كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب بعد ما جدها توفى. جالها منه ورث على قد حاله؛ عبارة عن شقة وحساب صغير في البنك.. الجد كان منظم الورث ده ومأمنه كويس جداً، بحيث إن دينا ميبقاش ليها أي كلمة ولا تصرف فيه.. القرار ده شعلل نار الغيرة والغل، والصلح اللي كان بالعافية اتقلب لحرب قضايا ومحاكم. في ظرف أسابيع قليلة، دينا وأخو مريم الكبير "شريف" رفعوا عليها قضية. الاتهام بتاعهم كان يصدم.. اتهموا مريم بإنها بتنتحل صفة مجندة في القوات المسلحة، وإنها بتستغل الحكاية دي عشان تكسب تعاطف الناس وتعمل مصلحة وفلوس.. وقالو إنها بوظت سمعة العيلة بكدبها. بس القضية في الحقيقة مكنتش عشان السمعة ولا حاجة. الموضوع كله كان حب تملك وسيطرة. دينا كانت عايزة ترجع الورث ده للعيلة بأي طريقة، وشريف -اللي كان واقف جنب أمه بكل ثقة برود وبجاحة- كان دايس معاها في الهجوم ده لآخر الخط. القضية بسرعة لفتت الأنظار في المنطقة.. ويوم الجلسة الصبح، المحكمة كانت زحمة على آخرها بالناس اللي جاية تتفرج وتعرف إيه اللي بيحصل، وكله مستني يشوف خناقة العيلة دي هترسي على إيه. حكايات شروق خالد دخل القاضي القاعة، والكل سكت.. خبط بالمطرقة وقال: "محكمة!"، وبدأت الجلسة. وقف المحامي بتاع دينا وشريف، وبدأ يتكلم بنبرة صوت عالية كلها ثقة: "يا سيادة القاضي، الموكلين بتوعي جايين يطالبوا بحقهم وبيرفعوا الظلم عن اسم عيلتهم.. الست اللي واقفة قدامك دي، مريم، استغلت غياب والدها ووفاة جدها، وقعدت تألف سيناريوهات وبطولات وهمية عن خدمتها في الجيش، وكل ده عشان تضغط على جدها الله يرحمه في أواخر أيامه وتخليه يكتب لها الشقة والفلوس باسمها، وتظهر قدام المجتمع إنها البطلة اللي مفيش منها". دينا كانت قاعدة ورا المحامي، بتبص لمريم بنظرة كلها شماتة وتحدي، وشريف واقف جنبها ومربع إيده وعلى وشه ابتسامة برود، كأنهم خلاص ضمنوا القضية والورث هيرجع لهم ومريم هتطلع من هنا بفضيحة. القاضي بص لمريم، وقال لها بنبرة حازمة: "إيه ردك يا مريم على الاتهامات دي؟ هل عندك أي مستندات رسمية تثبت إنك خدمتي في القوات المسلحة، ولا الكلام ده ملوش أساس من الصحة؟" مريم أخدت نفس عميق.. الهدوء اللي كانت فيه كان مرعب لكل اللي في القاعة.. فتحت الشنطة اللي معاها بكل ثبات، وطلعت منها ملف جلدي أسود مقفول، وتقدمت بيه لحد منصة القاضي. "اتفضل يا سيادة القاضي.. ده ملف خدمتي العسكرية." القاضي مسك الملف وفتحه، وأول ما بدأ يقرا السطور الأولى، ملامح وشه اتقلبت تماماً.. علامات الدهشة والجدية ظهرت على وشه، وبدأ يبص لمريم بنظرة كلها احترام وإجلال. الملف مكنش فيه مجرد شهادة إنهاء خدمة عادية.. الملف كان جواه شهادات تقدير من قيادات عليا في الجيش، وأوراق رسمية مختومة بختم النسر بتثبت إن مريم مش مجرد عسكري عادي، دي كانت بتخدم في واحدة من أخطر مناطق العمليات ومأموريات مكافحة الإرهاب، ومصابة عمليات وليها سجل بطولي يشرف بلد بحالها.. وجوه الملف كمان كان فيه نوط الواجب العسكري اللي بتاخده الشخصيات البطلة بس. القاضي بص لدينا وشريف بنظرة غضب حارقة، وخبط بالمطرقة وقال بصوت زلزل القاعة: "السكوت تام في القاعة!" بص القاضي لمريم وقال بنبرة صوت مسموعة للكل: "المحكمة بتقدم ليكي تحية إجلال واحترام يا مريم.. إنتي شرف لعيلتك ولبلدك كلها.. الأوراق اللي قدامي دي بتثبت إنك بطلة حقيقية، وضجيتي بحياتك وشبابك في وقت مكانش حد يستحمل فيه اللي إنتي شفتيه". التفت القاضي لدينا وشريف، وقال لهم بغضب وعين حمرا: "أما بالنسبة للاتهامات الكاذبة دي.. فالمحكمة مش بس بترفض الدعوى، المحكمة بتأمر بتحويل المدعوة دينا والمدعو شريف للنيابة العامة بتهمة البلاغ الكاذب، والتشهير بنساء القوات المسلحة، ومحاولة النصب للاستيلاء على ورث شرعي!" في اللحظة دي، الابتسامة اللي كانت على وش شريف اختفت تماماً، ووشه بقى أصفر زي الليمونة، وركبه م بقتش شايلاه.. أما دينا، فوقعت على الكرسي وهي مش مصدقة إن السحر انقلب على الساحر، وإن الفضيحة اللي كانت عايزاها لبنتها، بقت هي اللي هتدفع تمنها ومن سمعتها وفلوسها. مريم لفت ضهرها، وبصت لأمها وأخوها بكل كبرياء.. مكنش في عينها شماتة، كان في عينها نظرة نصر وراحة.. النظرة اللي بتقول إن الحق دايماً بيبان، وإن اللي بيخدم بلده بشرف، ربنا عمره ما بيخذله. مسكت شنطتها، وخرجت من قاعة المحكمة وهي رافعة راسها لفوق، والكل بيبص لها بفخر واحترام، وسابتهم وراها يواجهوا مصيرهم الأسود. رد اعتبار في المحكمة حكايات شروق خالد