حماتي قررت إني "مش من العيلة"، سبتهم يكملوا حياتهم من غيري... وبعد أيام قليلة اكتشفوا إن البيت كله كان واقف على كتاف الشخص اللي استهانوا بيه طول السنين. كنت بطب الفساتين وبحطها في الشنطة لما حماتي ظهرت عند باب الأوضة.. كانت مبتسمة بابتسامتها الصفرا الباردة، الابتسامة بتاعة الستات اللي بتعشق تنكد على الواحد وتكدر يومه قبل ما شاي الصبح حتى يلحق يبرد. بقلم منــال عــلي — كويس إني لقيتك هنا — قالت وهي بتبص على لبسي المفرود على السرير بنظرة متفحصة. — على فكرة يا هناء، زوجات الأبناء مش طالعين معانا مصيف العيلة السنة دي. وقفت مكاني متسمرة، وإيدي معلقة في الهواء ماسكة بلوزة بيضاء. جوزي شريف كان قاعد على السرير، باصص في تليفونه وبيقلب فيه ببرود. ولا رفع عينه يبصلي. ولا حتى نفسه اتغير. ولا أي رد فعل! كأن أمه بتقول له إن الأرصاد بتقول الجو هيمطر النهاردة عادي جداً. بصيت لها الأول بذهول.. وبعدين بصيت له هو. — معلش.. قلتي إيه يا طنط؟بقلم منــال عــلي دخلت الأوضة على مهلها وهي بتعدل الغوايش الدهب اللي في إيدها وبتوشوش بشنير كبرياء فارغ: — بقولك الرحلة دي للعيلة الحقيقية وبس يا حبيبتي.. "العيلة وبس". الطريقة اللي اتكت بيها على كلمة "العيلة" كانت هتموتني من الضحك والوجع في نفس الوقت. يعني بعد تمان سنين جواز، لسه بتعامل في البيت ده كأني ضيفة تقيلة وغير مرغوب فيها.بقلم منــال عــلي شريف جوزي كان لسه ساكت ومبرق في شاشة التليفون. السكوت ده وجعني أكتر من كلام أمه بألف مرة. لأن الإهانة والكسرة قدام الناس بتوجع.. لكن الخذلان والانسحاب الصامت من شريك حياتك بيموتك بالبطيء.بقلم منــال عــلي أخدت نفس عميق. في اللحظة دي، هما الاتنين كانوا مستنيين مني قنبلة تنفجر. دموع.. خناق وزعيق.. دراما وندب حظ.بقلم منــال عــلي لكن فيه حاجة جوايا في اللحظة دي انطفت.. تعبت وزهقت من كتر العافرة. ابتسمت بهدوء شديد وقلت: — تمام.. مفيش مشكلة. بصوا لي هما الاتنين بذهول وصدمة.بقلم منــال عــلي حماتي بربشت بعينيها بسرعة.. يمكن لأن الناس المتحكمة والمسيطرة بيجيلها حالة هلع لما الضحية ماتاخدش رد الفعل اللي هما مرتبينه في دماغهم. كملت تطبيق الهدوم بكل برود وهدوء. فضلت واقفة مستنية مني كلمة تانية.. لكن ما نطقتش. خرجت من الأوضة وهي مش على بعضها وحاسة بالذنب واللخبطة.بقلم منــال عــلي شريف أخيرًا رفع عينه من التليفون وبصلي: — يا هناء.. ما تاخديش الموضوع على أعصابك وتكبري الحكاية. الكلمة دي خلتني بجد عايزة أضحك في وشه بأعلى صوت: — مامتك لسه قايلة لي في وشي إني مش من العيلة يا شريف! تنهد بزهق وتعب وقال: — يا بنتي ما أنتِ عارفاها وعارفة طبعها.. فوتيها بقا. آه..بقلم منــال عــلي كنت عارفاها وعارفة طبعها كويس جداً. ويمكن هي دي المصيبة. بقالي سنين بمثل إن الوضع ده طبيعي وبسكت عشان المركب تسير. أنا اسمي هناء. عندي أربعة وتلاتين سنة. مديرة الحسابات لشبكة مستشفيات كبرى في المعادي. قبضت أول مرتب في حياتي وأنا عندي ستة عشر سنة.. دخلت الجامعة ودفعت مصاريفها من تعبي وشقايا.. واشتريت أول عربية ليا قبل ما أتم الخمسة وعشرين. عرفت شريف في الوقت اللي بدأت فيه أكبر وأنجح في شغلي. كان دمه خفيف..بقلم منــال عــلي وسيم.. روحه حلوة وبيضحكني. نوع الرجالة اللي يخلي الست الشقيانة التعبانة تفتكر إنها أخيرًا لقت السكن والأمان اللي هترتاح فيه. بس خدت سنين عشان أفهم حقيقة صعبة أوي: الراجل السلبي "البارد" بيوجع ويدمر بالبطيء زي الراجل المؤذي بالظبط.بقلم منــال عــلي شريف عمره ما زعقلي.. ولا اتخانق معايا. بس برضه عمره ما وقف في ظهري ولا دافع عني. أمه كانت هي اللي بتحدد كل حاجة: هنقضي العيد فين.. هنروح فين يوم الجمعة.. العفش.. لون الستائر.. حتى المطعم اللي احتفلنا فيه بعيد جوازنا كان باختيارها وترشيحها هي. وأنا كنت دايماً بعدي وأقول معلش.بقلم منــال عــلي لأن الستات في مجتمعنا بيتربوا من صغرهم على إنهم يخلطوا بين "طول البال والصبر" وبين "الحب". في الليلة دي، بعد ما حماتي خرجت من الأوضة، كملت لَم هدومي في الشنطة بسكات. بس الشنطة دي ما كانتش رايحة معاهم مصيفهم. أول ما شريف دخل الحمام، مسكت تليفوني وكلمت أمي: — يا ماما.. تحبي تسافري معايا بكرة؟ أمي ما سألتنيش حتى عن السبب أو إيه اللي حصل، قالت على طول بضحكتها الصافية: — الفندق فيه فطار أوبن بوفيه يا هنوءة؟ ضحكت من قلبي لأول مرة في اليوم ده:بقلم منــال عــلي — فيه يا ست الكل، وأحلى فطار كمان. — خلاص، أنا بطلع العباية البيضا والشبشب من دلوقتي! أمي كانت عكس حماتي تماماً. بسيطة.. تلقائية.. صوتها عالي وبتضحك من قلبها ومن غير حسابات ولا برستيج كداب. في الوقت اللي كانت فيه طنط سعاد بتراقب وقفتي وقعدتي وحتى طريقة نفسي.. أمي كل اللي كان يهمها إن الفندق يكون فيه بسين حلو والجو جميل عشان نتبسط. تاني يوم الصبح صحيت بدري. شريف كان لسه نايم في سابع نومة.بقلم منــال عــلي سبت له ورقة صغيرة على الكومودينو كاتب فيها: "رحلة سعيدة مع عيلتك الحقيقية." ومشيت. أول ما وصلنا الريزورت في "الجونة"، أمي كان هيغمى عليها من الفرحة والجمال: — يا لهوي يا هناء.. إيه الحلاوة دي! ده فندق زي اللي بيجي في المسلسلات التركي بالظبط! حمام سباحة ملوش نهاية.. منظر البحر يجنن.. مساج.. عصاير فريش ودلع.. وسرير ريحته هادية ونظيفة تشرح القلب. والأهم من كل ده:بقلم منــال عــلي مفيش حمامتين واقفين فوق دماغي يراقبوا باكل إزاي وبشرب إزاي ولبست إيه. قضيت أول يومين قافلة التليفون تماماً وعاملاه صامت. نمت.. شربت قهوتي بمزاج.. ضحكت من قلبي.. قعدت في الشمس واتسمرت.بقلم منــال عــلي كان شعور غريب ومرعب لما اكتشفت قد إيه جسمي وأعصابي كانوا هلكانين ومنهارين من التوتر والضغط العصبي المستمر اللي كنت عايشة فيه. في اليوم الثالث التليفون بدأ يرن ورا بعضه زي المجنون. شريف.. شريف.. شريف.. طنط سعاد.. شريف.. كنت بكنسل. لحد ما أمي زهقت من الزن وقالتلي:بقلم منــال عــلي — ردي يا بنتي على الزنان ده شوفي وراه إيه وخلصينا. أخدت نفس عميق وفتحت الخط. حماتي كانت بتصرخ في التليفون وصوتها جايب آخر الشارع من العصبية: — إنتِ فين يا هانم؟! سايبة البيت وهاجة فين؟! بصيت للبحر الأزرق الصافي قدامي وبمنتهى الهدوء قلت: — في المصيف يا طنط.. بقضي إجازتي. — ومصيف إيه ده إن شاء الله؟! وجبتي فلوسه منين؟! أنتِ بتلعبي بالفلوس؟! أمي بدأت تضحك بصوت عالي وهي قاعدة جمبي لدرجة إنها كانت هتدلق عصير المانجا بتاعها. وهنا طنط سعاد قطعت الشك باليقين وقالت الجملة اللي غيرت كل حاجة جوايا وللأبد: — إنتِ بتصرفي وبتد لعي نفسك بفلوس ابني وشقاه وهو عيني عليه غرقان في المشاكل والديون هنا ومقضيها بالعافية! سكتُّ.بقلم منــال عــلي فضلت باصة للأفق البعيد كام ثانية والهدوء بيملاني بالكامل. وبعدين رديت عليها بنبرة باردة وراسية جداً: — طنط سعاد.. أنا مرتبي ودخلي أكتر من ابنك بكتير بقالي تلات سنين. الناحية التانية من الخط بقى هسس.. سكوت تام ومفاجئ. ما كنتش سامعة غير صوت أنفاسها المصدومة والمغلولة. كملت كلامي: — وزيادة على كده.. مصيف العيلة اللي كنتوا بتروحوه كل سنة بقالكم أربع سنين، أنا اللي كنت بدفع تمنه بالكامل من جيب ومجهود "زوجة الابن" اللي مش من العيلة. أمي برقت بعينها وبصتلي بذهول وهي بتهمس: — يا نهار أبيض! بجد يا هناء؟! تجاهلت ده وكملت لحماتي.بقلم منــال عــلي صوت طنط سعاد بدأ يقطع وتتلجلج في الكلام وهي بتحاول تلم الموضوع: — شريف ابني بيتعب وبيشتغل ليل نهار.. وبعدين شريف نسي ورث وبطاقات وأوراق مهمة جداً للشغل في البيت وأنتِ مش هناك تطلعيها له! دي قلة مسؤولية واستهتار ببيتك وجوزك! بصيت للبحر تاني وتنهدت براحة. وابتسمت وقلت: — والله يا طنط.. طالما الموضوع مهم كدة، خليه يطلب المساعدة من "عيلته الحقيقية" بقى.. مع السلامة. وقفلت السكة في وشها. أمي فضلت تبصلي بنظرات طويلة ساكتة.. — يا بنتي.. كل ده شايلاه لوحدك؟ لأول مرة أمي تحس وتفهم إن جوازي ما كانش مجرد جواز متعب وفيه خلافات عادية..بقلم منــال عــلي ده كان جواز حزين.. حزين جداً وباهت ويحرق الدم. بالليل قعدت لوحدي في البلكونة بسمع صوت تلاطم الموج في الضلمة. وبدأت أفتكر مواقف صغيرة بقالي سنين مغمية عيني عنها ورافضة أشوفها على حقيقتها. شريف وهو سايب أمه تتريق على لبسي.. وتتريق على أكلي وطبخي.. وتقلل من شغلي ونجاحي.. وتعلق بوقاحة على جسمي وشكلي وهو باصص في الأرض وعامل نفسه مش سامع. شريف وهو بيستعمل فيزا المشتريات بتاعتي "مؤقتاً".. شريف وهو بيوعدني يرجع الفلوس بكرة وبعده وما بيرجعش حاجة.. شريف وهو بيقولي بضعف وسلبية:بقلم منــال عــلي "معلش يا هناء، أنتِ عارفة إن أمي ظروفها على قدها وبتعتمد عليا في كل حاجة." بس الحقيقة ما كانتش كدة. أمه ما كانتش بتعتمد عليه هو. أمه وأسرته كلها كانوا عايشين على قفايا أنا.. وبيصرفوا من تعبي وشقايا أنا. أنا بس اللي ما كانش عندي الشجاعة الكافية إني أواجه نفسي بالحقيقة دي. لما رجعت القاهرة بعد أسبوع..بقلم منــال عــلي دخلت الشقة لقيت طنط سعاد قاعدة على كنبة الصالون مستنياني، ومربعة إيدها بوش خشب ونظرات حادة زي أشرار المسلسلات بالظبط.. وشريف واقف وراها زي التلميذ الخايب. يتبع في الجزء الثاني...