طلقه واحده اماني السيد
دخلت المطبخ وأنا ميت من الجوع، فتحت التلاجة لقيت علب بلاستيك فيها بواقي أكل حمض، والبوتاجاز عليه طبقة دهون تلزق. حاولت أعمل لنفسي بيض، حرقت الطاسة ورميتها في الحوض فوق كوم المواعين اللي بقاله يومين.. سمر كانت بتغسل المواعين أول بأول وهي بتغني، وأنا كنت بزعق على صوت غناها.
دخلت أوضة النوم، السرير مكركب، والهدوم اللي المفروض تتغسل ملت الركن. جيت ألبس قميص للشغل، لقيته مكرمش.. افتكرت “سمر” وهي واقفة بليل، رغم تعبها مع البنت، بتكويلي قمصاني بالواحدة عشان أنزل الصبح “باشا”.
مسكت القميص وحاولت أكويه، لزقت المكواة فيه وشاط! رميت المكواة في الأرض وأنا بزعق:
ـ “يا ربى.. هو مفيش حاجة ماشية صح في البيت ده ليه؟”
نزلت الشغل وأنا قرفان من نفسي، ريحة لبسي مش زي زمان، وشكلي مجهد. قابلت صاحبي “محمود” على القهوة، بص لي بشفقة وقال:
ـ “إيه يا جاسر؟ مالك شكلك مبهدل كده ليه؟ فين سمر والاهتمام بتاع زمان؟”
ـ “طلقتها يا محمود.. كنت بربيها، بس البيت باظ من غيرها.”
ـ “تربيها بالطلاق؟ يا صاحبي البيت اللي بيتهد مبيتبنيش بالسهولة دي.. والرجولة مش إنك تكسر اللي معاك، الرجولة إنك تحتويها.”
كلامه نزل عليا زي السلم، رجعت البيت بليل، الدنيا ضلمة، مفيش صوت ضحكة بنتي وهي بتجري تستقبلني، ولا صوت سمر وهي بتقول “حمد لله على سلامتك يا حبيبي، الأكل جاهز”.
قعدت في وسط الصالة المكركبة، وطلعت تليفوني. دخلت على صفحتها على فيسبوك، لقيتها منزلة صورة لبنتي وهي بتضحك وكاتبة: “بداية جديدة.. والحمد لله على نعمة الأهل اللي بيسندوا بجد”.
النغزة اللي في قلبي زادت.. هي بدأت “بداية جديدة” وأنا واقف مكاني في “الخراب” اللي عملته بإيدي. إخواتي اللي شجعوني، قافلين بيوتهم عليهم وعايشين حياتهم، وأمي كل ما أشتكي لها تقولي “اصبر بكرة تتعود”، بس أنا مش عايز أتعود.. أنا بدأت أحس إني كنت ملك في مملكة، ودلوقتي أنا مجرد واحد وحيد في بيت مهجور.
مسكت التليفون وأنا قاعد وسط كومة الهدوم والمواعين، والبيت ريحته بقت تخنق، كنت محتاج حد يشيل معايا الشيلة دي.. مش هما اللي زغرتوا؟ مش هما اللي قالوا “ألف مبروك”؟ يبقى هما اللي يحلوا.