طلقه واحده اماني السيد

 

رجعت البيت وأنا الدم بيغلي في عروقي، مشهد “خالد” وهو واقف حيطة سد بيني وبين سمر مش عايز يروح من بالي. مسكت التليفون ورنيت على أمي، وأول ما فتحت الخط انفجرت فيها:

 

ـ “شوفتي يا أمي؟ شوفتي اللي وصلتينا ليه؟ سمر اللي كانت بتمشي جنب الحيط، دلوقتي ابن عمها خالد هو اللي بيوصلها ويجيبها، وواقف لي في الرايحة والجاية كأنه هو صاحب البيت! ده هزأني قدام الناس وقالي مالكش كلام معاها.”

 

أمي ردت ببرود وهي بتمصمص شفايفها:

 

ـ “يا خيبتك يا جاسر! بقى حتة عيل زي خالد يوقفك مكانك؟ ما كنت تديله كلمتين في عضمه وتعرفه مقامه.. وبعدين ما هي سمر طول عمرها عينها من عيلة أبوها، أهو لقت الفرصة عشان تتدلع عليهم.”

 

ـ “تتدلع إيه يا أمي؟ البت ضاعت مني بجد! وإخواتي اللي كانوا بيزغرطوا، مفيش واحدة فيهم رفعت سماعة التليفون تطيب خاطرها بكلمتين عشان نلم الدور.. دلوقتي أنا اللي شكلي وحش، وأهلها قفلوا في وشي كل الأبواب.”

 

في اللحظة دي، دخلت “عبير” أختي على الخط في مكالمة جماعية وقالت بلسان طويل:

 

ـ “جرى إيه يا جاسر؟ أنت هترمى خيبتك علينا ولا إيه؟ ما أنت اللي طلقت بلسانك، وإحنا فرحنا لك عشان كنا فاكرين إنك هتتجوز ست ستها وتغيظها.. إنما تروح تقف تحت بيتها وتتهزأ من ابن عمها، دي تبقى مشكلتك أنت.”

 

قفلت السكة وأنا حاسس إني لوحدي بجد. نزلت الشارع تاني، رحت قعدت على القهوة بعيد عن المنطقة، لقيت “خالد” معدي بالعربية ومعاه سمر وبنتنا “ليلى”. البنت كانت بتضحك وحاضنة خالد، وسمر وشها منور وبتتكلم معاه بتقدير واحترام عمرها ما ورتهولي في آخر أيامنا.

 

النار شعللت في قلبي، قمت وقفت وكنت هروح أهجم على العربية، بس افتكرت كلمة أبوها: “الروابط اتقطعت”.

 

رجعت شقتي المهجورة، بصيت في المراية.. دقني طويلة، لبسي مبهدل، وعيني مطفية. فتحت الثلاجة ملقتش فيها غير إزازة مية وقالب جبنة ناشف. قعدت على الأرض في الصالة المكركبة، وافتكرت سمر لما كانت بتقولي: “يا جاسر اتقي الله فيا، أنا ماليش غيرك”، وأنا كنت برد عليها بـ “أهلي خط أحمر”.

 

دلوقتي “الخط الأحمر” ده هو اللي عزلني عن العالم، وأهلي اللي شجعوني على الخراب، دلوقتي بيتفرجوا عليا من بعيد وبيمصمصوا شفايفهم على “خيبيتي”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *