حين قرأت الجدة السطر الأخير

في حفلة عائلية زحمة، أمي ضحكت وقالت عن بنتي ليلي، عمرها 13 سنة، إنها غبية قدام الكل. ليلي تجمدت على الكنبة، والناس صاروا يطالعون كاساتهم كأنهم ما سمعوا شي. أمي قالت إنها بس صريحة. أنا ما جادلتها. رحت لشنطتي، طلعت شهادة مخبية من Johns Hopkins عليها اسم ليلي، ومديتها بين الحضور. ولما جدتها قرتها بصوت عالي، سكتت الصالة كلها… حتى أمي.

ما كنت أعرف إن كلمة وحدة تقدر تغيّر الطريقة اللي تشوف فيها أهلك كلهم، لين سمعت أمي تقولها.

غبية.

ما قالتها بصراخ. ما رمتها بعصبية، ولا طلعتها وسط هوشة كبيرة. قالتها بكل برود، كأنها تقول الجو حر اليوم. يمكن عشان كذا دخلت بقلبي بقوة، لأنها بالنسبة لها ما كانت قسوة. كانت حقيقة.

بس هاللحظة في الحفلة ما بدت يوم طلعت الكلمة من فمها. بدت قبل سنين، من ألف تعليق صغير، ونظرة مرفوعة، وتنهدات كنت أبلعها وأسكت. بدت من اليوم اللي فهمت فيه إن أمي لازم تكون وسط المسرح، وإن بنتي دايم تختار أهدأ زاوية في الغرفة.

اسم أمي مارغريت، بس في راسي كنت أسميها دايم مارغريت اللي لازم تكون في النص. من النوع اللي ما تجلس على طرف الكنبة إذا فيه كرسي بالنص. إذا تكلمت، تحرك يدينها، ترفع صوتها، تخفضه، تلفت الناس كأنها ممثلة متدربة. الناس يلتفون حولها في أي جمعة. هي تعيش على هالاهتمام كأنه هواء.

أنا عكسها. تعلمت أصغر نفسي من بدري.

كانت تحب تحكي قصة إني يوم كنت ست سنوات، معلمتي قالت إني خجولة بس ذكية، فضحكت أمي وقالت: لازم تتخلص من الخجل، الدنيا ما تكافئ البنات الهادئات. ظلت تعيدها سنين، وتضحك عليها كأنها ذكرى لطيفة، وكأنها دليل إني تغيرت.

بس أنا ما حسيت إني تغيرت كثير. بس صرت أعرف أمثل بشكل أفضل.

لما جبت ليلي، وعدت نفسي ما أسوي فيها كذا. ما أخليها عرض قدام الناس، ولا أخليها مرآة لتربيتي، ولا قطعة في مسرح أمي الخيالي. كنت بخليها تكون نفسها، حتى لو الناس ما انتبهوا لها في الغرف اللي أمي تاخذ فيها كل المساحة.

ليلي دخلت هالدنيا بهدوء. ما صرخت مثل باقي الأطفال. طلعت منها صرخة وحدة قصيرة ومعترضة، وبعدين سكتت وصارت تطالع حولها بعيون واسعة وجدية، كأنها من أول دقيقة تحاول تفهم كيف الأشياء تشتغل. الممرضة ابتسمت وقالت: هذي ملاحِظة. بعض الأطفال يراقبون كل شي من البداية.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *