حين قرأت الجدة السطر الأخير

الحزن على كل السنين اللي قضتها مصغّرة نفسها.

والفخر لأنها رغم كل شيء… ما انطفأت.

قبل ما نمشي، أمي وقفت عند الباب.

أنا وليلي لبسنا جاكيتاتنا، وكنت مستعدة نمشي بدون أي كلام إضافي. تعبت من انتظار الأشياء اللي غالبًا ما تجي.

لكن أمي قالت: “ليلي.”

التفتت ليلي ببطء.

أمي فتحت فمها، وسكرتّه، ثم حاولت مرة ثانية. لأول مرة بحياتي أشوفها مو عارفة تختار كلماتها.

قالت أخيرًا: “أنا… يمكن كنت قاسية عليك.”

يمكن.

الكلمة علقت بيننا.

أنا حسيت الغضب يرجع لي، لكن ليلي سبقتني.

سألتها بهدوء: “ليش؟”

أمي ارتبكت من السؤال أكثر من المواجهة نفسها.

نظرت حولها كأنها تدور على مخرج، وبعدين قالت بصوت منخفض: “لأنك تذكريني بأمك وهي صغيرة.”

التفتت لي أمي لأول مرة من بداية الليلة، وقالت: “وكنت أظن إني إذا ضغطت عليكم… بتصيرون أقوى.”

ضحكت ضحكة قصيرة حزينة وكمّلت: “بس يمكن أنا بس خليتكم تخافون.”

ما كان اعتذار كامل. ما كان مشهد سينمائي تتبدل فيه الشخصية فجأة.

لكن كان أقرب شيء للحقيقة سمعته منها.

ليلي ظلت ساكتة شوي، ثم قالت: “أنا مو غبية.”

وأمي نزلت عيونها وهمست: “أعرف.”

طلعنا للسيارة، والليل كان بارد. ركبت ليلي جنب النافذة، حاطة الشهادة بحضنها.

بعد كم دقيقة من السواقة، قالت: “ماما؟”

قلت: “همم؟”

قالت: “أنا كنت أفكر يمكن فعلًا فيني شيء غلط.”

يدي شدت على المقود.

قلت بسرعة: “لا. أبدًا.”

هزت رأسها بخفة وقالت: “أعرف الحين.”

وكان هذا أهم من الشهادة نفسها.

مرّت أسابيع بعد حفلة العائلة، لكن أثرها ما اختفى.

صار فيه شيء متغيّر بكل جمعة نجتمع فيها. مو تغيير كبير وواضح…

صمت، كأنها تذكرت فجأة شكل وجه ليلي ذاك اليوم.
وليلي لاحظت هذا الشيء طبعًا.
كانت ذكية دائمًا، مو فقط في الدراسة… في قراءة الناس أيضًا.
لكنها ما صارت قريبة من جدتها فجأة، وما نسيت كل شيء بكلمة “آسفة” ناقصة. الثقة ما ترجع بسرعة، خصوصًا للأطفال اللي تعودوا يحمون أنفسهم بالصمت.
بس صار فيه مساحة جديدة بينهم.
مساحة ما فيها خوف دائم.
مرة، بعد حوالي شهر، كنا في بيت جدتي نتعشى. أماندا كانت تحكي عن نشاط مدرسي، والكل يسمع لها كعادته. وفجأة قالت ليلي بهدوء:
“أنا خلصت مشروع برمجة.”
التفت الكل لها.
قديماً، كانت مباشرة تسكت بعد أول نظرة تنحط عليها. لكن هالمرة كملت: “سويت لعبة صغيرة تعلم الأطفال الرياضيات.”
وأمي… أمي كانت فاتحة فمها كأنها على وشك تقول شيء ساخر تلقائيًا، ثم توقفت.
وبدال السخرية سألت: “كيف يعني لعبة؟”
السؤال كان بسيط جدًا.
لكنه بالنسبة لليلي كان عالم كامل.
جلست تشرح. بالبداية بتردد، ثم بحماس أكبر، تتحرك يديها وهي تتكلم، وعيونها تلمع بنفس الطريقة اللي كنت أشوفها فيها آخر الليل على طاولة المطبخ.
والغريب؟
الكل كان يسمع.
مو مجاملة. مو شفقة.
اهتمام حقيقي.
شفت أماندا تبتسم لها وتقول: “هذا رهيب صراحة.”
وشفت جدتي تراقب ليلي بنظرة فيها ندم خفيف، كأنها تفكر في كل الأشياء اللي ما انتبهت لها بدري.
أما أمي… فظلت ساكتة أغلب الوقت.
لكن قبل ما نمشي، بينما كنت ألبس جاكيتي عند الباب، سمعتها تنادي ليلي بصوت خافت: “ممكن أشوف اللعبة يوم تخلصينها؟”
ليلي وقفت.
أعتقد جزء منها كان ما يزال ينتظر الفخ. التعليق الجارح اللي يجي بعد أي لحظة أمان.
لكن ما جا شيء.
فقالت بهدوء: “أوكي.”
وفي السيارة، بعد ما ربطت حزامها، سألتني: “هي قاعدة تحاول؟”
نظرت لها وقلت الحقيقة: “أظن… لأول مرة.”
ليلي سكتت شوي، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تطالع من الشباك.
وقالت: “أتمنى ما يكون متأخر.”
وأنا وقتها أدركت شيء مهم جدًا:
أحيانًا الناس ما يتغيرون لأنهم فهموا الألم فجأة.
أحيانًا يتغيرون فقط لما يدركون إن الشخص اللي استصغروه طول عمره… كان يملك القوة إنه يعيش بدون رأيهم.
أما ليلي؟
فما عادت البنت اللي تنكمش في الزوايا وتحاول تختفي.
صارت بنت تعرف قيمة عقلها، وصوتها، ومكانها في أي غرفة تدخلها.
ويمكن هذا كان أعظم شيء أخذته من تلك الليلة… مو شهادة من جامعة كبيرة.
بل اللحظة اللي فهمت فيها إنها ما كانت أبدًا أقل من أحد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *