اهانها قدام الموظفين
كل مدير تمتع بصمت مريح حول الظلم صار عليه أن يشرح لماذا لم يسمع.
بعد ساعات، صعدت مهرة أخيرًا إلى مكتبها الخاص.
بدلت ملابسها، لكنها لم تستطع تبديل الإحساس الذي تركه الماي البارد على جلدها.
ليس لأن الإهانة كسرتها، بل لأنها جعلتها تلمس للحظات ما يعيشه الناس حين لا يملكون اسمًا يحميهم.
في المساء، قبل أن تغادر، وصلها بريد إلكتروني من نورة.
لم يكن طويلًا.
كتبت فيه: «اليوم أول مرة حسيت إن المبنى هذا لنا بعد، مو بس لهم.»
قرأت مهرة الجملة أكثر من مرة.
ثم فتحت ملفًا جديدًا وكتبت في أعلاه: كرامة الموظف ليست مبادرة.
كرامة الموظف نظام.
بعد أسبوعين، ظهرت نتائج التحقيق.
جاسم لم يكن فقط يهين الناس؛ كان يخفي شكاوى، يضغط على موظفين لتغيير تقييمات، ويمنح امتيازات للمقربين منه مقابل الولاء الشخصي.
تم إنهاء خدماته رسميًا، وسحب مكافآته المؤجلة بحسب الأنظمة، وتحويل ملفه القانوني للمراجعة.
أما الشركة، فلم تتغير في يوم واحد، لأن الخوف لا يخرج من الجدران بسرعة.
لكنه بدأ يخف.
الموظفون صاروا يتكلمون أكثر.
نورة صارت ترفع رأسها وهي تستقبل الزوار.
خالد صار يدخل الاجتماعات بهدوئه المعتاد، لكنه صار يعرف أن صوته مسموع.
ومهرة، التي كانت تظن أن الإدارة من خلف الستار تحمي الشركة من عبادة الأشخاص، تعلمت أن الغياب الطويل يترك مساحة للطغيان أحيانًا.
لذلك بدأت تنزل للطوابق، تجلس في الكافتيريا، تسأل الناس عن يومهم، وتستمع حتى للأشياء الصغيرة التي لا تظهر في التقارير.
بعضهم قال إن ما فعلته كان قاسيًا على جاسم، وإنها كان ممكن تعطيه فرصة بدل كشفه أمام الجميع.
وبعضهم قال إن الفرصة الحقيقية كانت عند كل مرة أهان فيها شخصًا وسكت لأنه يظن أنه فوق الحساب.
لكن السؤال الذي بقي يوجع كل من شاهد ذلك اليوم لم يكن عن جاسم فقط.
كان عن الأربعين شخصًا الذين رأوا السطل يرتفع، وشعروا أن شيئًا غلط سيحدث، ومع ذلك ظلوا صامتين.
هل كان خوفهم عذرًا كافيًا؟ أم أن الظلم لا يكبر إلا عندما يكتفي الطيبون بالنظر؟