اهانها قدام الموظفين
«اطلعي من وجهي يا شحّاتة.»
الصوت ضرب صالة المكتب المفتوحة كأنه باب انقفل على كرامة إنسان.
كل شيء توقف في لحظة واحدة: أصابع الموظفين على الكيبورد، رنين الهاتف عند الاستقبال، حتى الهمسات الصغيرة اللي كانت تمشي بين المكاتب اختفت كأن أحد سحب الهواء من المكان.
مهرة المنصوري وقفت قدام مكتب الاستقبال وهي تحاول تثبت نفسها.
جاكيتها الأسود القديم كان أوسع من مقاسها شوي، وحذاؤها الرخيص صار يطلع صوت خفيف مع كل خطوة بسبب الجلد المتشقق، والشنطة التقليد اللي ماسكتها كانت كفيلة تخلي أي عين سطحية تحكم عليها قبل لا تسمعها.
جاسم المرزوق، المدير الإقليمي في مجموعة ألتافيستا، وقف على بعد خطوات منها.
بدلة رمادية فاخرة، ساعة لامعة، ابتسامة متغطرسة، ونظرة واحد تعود الناس تفتح له الطريق حتى لو كان غلطان.
قال بصوت أعلى، وهو يلتفت للموظفين كأنه يعرض عليهم درس مجاني في القسوة: «أمثالج ما لهم مكان حتى في لوبي هالمبنى.
ألتافيستا شركة محترمة، مب ملجأ للفاشلين.»
بعض الموظفين طأطؤوا رؤوسهم.
بعضهم تبادل نظرات محرجة.
وواحدة من قسم الحسابات غطت فمها بيدها، لكنها ما تكلمت.
مهرة بلعت ريقها بصعوبة.
ما كانت خايفة من جاسم، لكنها كانت موجوعة من الصمت.
الصمت أحيانًا يكون أقسى من الإهانة نفسها، لأنه يعطي الظالم مساحة أكبر ويتمم الجريمة بدون ما يرفع إيده.
سألته بهدوء: «أنا بس طالبة أقابل مسؤول الموارد البشرية.»
ضحك جاسم ضحكة قصيرة وجافة.
«الموارد البشرية؟ وإنتي؟ على أي أساس؟ تبين وظيفة؟ تنظيف؟ بوفيه؟ ولا جاية تدورين تبرعات؟»
انغرست الكلمات في صدرها، لكنها تماسكت.
كانت عيونها تمر على الوجوه، تحفظ الخوف، تحفظ التردد، وتحفظ اللي ابتسموا بسخرية.
ثم صار الشي اللي غير كل شيء.
جاسم مشى صوب برادة الماي، أخذ سطل التنظيف الموجود قرب آلة التصوير، وعبّاه ببرود غريب.
ما كان مستعجل.
كان يتحرك كأنه يريد كل شخص يشوف، كل شخص يفهم إن سلطته أكبر من إن أحد يوقفه.
رجع وهي واقفة في مكانها.
موظف شاب فتح فمه كأنه بيقول شيء، لكن زميله شده من كمّه وهمس له: «لا تدخل، هذا جاسم.»
جاسم وقف قدام مهرة.
رفع السطل شوي، وقال بابتسامة: «يمكن هالدرس يعلّمج مكانج الحقيقي.»
وقلب الماي كله عليها.
البرودة صعقتها.
الماي نزل على شعرها ووجهها ورقبتها، غرق الجاكيت، دخل في أكمامها، ووصل لحذائها.