اهانها قدام الموظفين

جاسم بدأ يبلع ريقه بسرعة.

عيونه راحت للموظفين، يدور على أحد يسانده، لكن الناس اللي كان يخوفهم سنين صاروا فجأة ينظرون له كما هو: رجل صغير خلف منصب كبير.

قال سالم: «كل الكاميرات سجلت ما حدث في اللوبي والمكتب.

والتسجيل الصوتي من هاتف الأستاذة مهرة يعمل منذ دخولها المبنى.»

ارتجف جاسم.

«تسجيل؟»

مهرة رفعت الهاتف.

«من أول كلمة قلتها لنورة.»

كانت لحظة الانهيار واضحة على وجهه.

ليس لأنه ندم، بل لأنه انكشف.

والفرق بين الندم والخوف من الفضيحة كان ظاهرًا في عينيه.

حاول يغير نبرته.

«مهرة… أستاذة مهرة… أنا خدمتي في الشركة سبع سنوات.

جبت أرباح، فتحت أسواق، وقعت عقود.

ما يصير تضيعين كل هذا بسبب موقف انفعالي.»

قالت: «الموقف الانفعالي يكشف الأصل.

والأرباح اللي تجي على حساب كرامة الناس خسارة متأخرة.»

مدير الامتثال فتح جهازه اللوحي.

«لدينا ثماني عشرة شكوى رسمية وغير رسمية ضد الأستاذ جاسم خلال الأربعة عشر شهرًا الماضية.

بعضها تم إغلاقه داخليًا بتوجيه من مكتبه، وبعضها لم يصل للإدارة العليا.»

التفتت مهرة إلى مديرة الموارد البشرية.

«كيف ما وصلت؟»

المرأة، واسمها ريم، ارتبكت حتى كادت تسقط الملف من يدها.

«كان… كان يطلب تحويلها له بحجة المعالجة المباشرة.»

قالت مهرة: «وهل عالجها؟»

لم ترد ريم.

في الصمت، خرجت الإجابة كاملة.

جاسم قال بعصبية: «كل الشركات فيها شكاوى.

الموظفين يتحسسون من أي ملاحظة.

أنا كنت أرفع الأداء.»

من الخلف، تكلمت نورة بصوت ضعيف: «أنت خفضت رواتب ناس لأنهم اشتكوا.»

التفت عليها جاسم بنظرة كانت ستسكتها في أي يوم سابق.

لكنها اليوم أكملت، ودموعها بدأت تطلع: «وأجبرتني أوقع على تقييم سيئ لخالد لأنه رفض يحمّل عامل النظافة خطأ ما سواه.»

خالد نظر إليها بدهشة.

لم يكن يعرف.

موظف آخر قال من قسم المبيعات: «وأنت هددتني تنقلني للفرع البعيد لأني طلبت إجازة مرضية لأمي.»

ثم ثالثة.

ثم رابع.

انفتحت الغرفة مثل جرح قديم.

كل شخص قال جملة كان يخاف يقولها.

لا أحد أطال، ولا أحد مثل دور الضحية.

كانوا فقط يخرجون الحقيقة التي حبسوها لأن الراتب كان أقوى من الصوت، والخوف كان أقدم من الشجاعة.

مهرة استمعت دون مقاطعة.

الماي ما زال يقطر من أطراف شعرها، والجاكيت المستعار على كتفيها، لكن حضورها كان يملأ المكان أكثر من أي بدلة فاخرة ارتدتها يومًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *