الفصل الثامن: حابة اقول نقطة قبل ما نبتدى الفصل يا احلى فانز ، السيناريو القديم بتاع البطل اللى يتجوز واحدة غصب عنه و يكون شيطان بعد كدة يتعدل خلاص أصبح من ايام العصر الحجرى و اتكرر فى كتير من الروايات ، و ان كنت ذكرته قبل كدة ، ف ده كان بشروط معينة ، أصل يستحيل اخلى البطل بتاعى زانى! ، ما بحبش كدة أبدا أبدا ، أكيد الزانى ممكن ربنا يهديه ف يوم ، و لكن فى بنات صغيرين بيقروا و بياخدوا كلام الروايات قاعدة ، ما ينفعش ندخل فى عقولهم القرف ده يعنى! ((لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)) اتجهت بخطوات متسارعة أقرب إلى الهرولة نحو إحدى غرف العمليات بعدما اعطتها موظفة الاستقبال رقمها ، تزدرد ريقها مع كل خطوة و قد وصل خوفها إلى منتهاه بعد مكالمة وردتها أثارت الذعر باوصالها ، ما ان وصلت إلى بداية الطرقة الطويلة وجدتهما يقفان أمام الغرفة ناكسي رؤوسهم ، فهتفت و هى تسابق الخطى قائلة بقلق: _ اى اللى حصل يا رزان؟ التفتت برأسها نحو مصدر الصوت لتكفكف دموعها بعشوائية و هى ترمق تلك الفتاة المقبلة عليها بسرعة حتى باتت أمامها مباشرة ، فارتمت فى أحضانها و قد عادت عبراتها الى الانهمار من جديد قائلة بجزع: _ لما أكمل كان بيسوق فى الطريق طلعت لنا بنت ماعرفش منين خبطنا فيها ، و دلوقتى هى جوة العمليات ، انا خايفة اوى يا مها شهقت مها بخفة كاتمة صوت هلعها قدر المستطاع حتى لا تفقد رزان عقلها بعد كل هذا القلق ، نطقت مها بهدوء تحاول طمأنتها: _ ماتخافيش يا حبيبتى أن شاء الله سليمة ابتعدت عنها رزان ثم استدارت بوجهها نحو هذا الواقف بجانب الباب واضعا أحد يديه داخل جيبه يحدق فى الأرض بعبوس ، فلوحت بأصابع الاتهام نحوه قائلة بلهجة ثائرة: _ كله من سواقة البيه السريعة دى! التفت نحوها و قد اكتسى وجهه بغلالة من الحدة حيث يرمقها بضيق قائلا: _ ده طريق سريع يا ماما ، لو مامشيتش بسرعة ممكن عربية ورايا تخبطنى ، هى بس اللى ظهرت ادامى مرة واحدة زى المقلب! قبل ان تنشب منازعة بين الطرفين سارعت مها باخمادها قائلة بزجر: _ أكمل ، رزان ، جرالكو اى انتو الاتنين؟ ، حد يصدق انكوا كنتوا رايحين اسكندرية عشان تحتفلوا بعيد جوازكوا هناك؟ تشدقت رزان بسخط: _ دى أول مرة نروح بالعربية ، قلت له نأخر الخروجة شوية لحد ما الهيليكوبتر تتصلح، اهو عاجبك اللى حصل ده؟! صفق يدا بأخرى باستهجان ثم نظر إليها قائلا بتهكم: _ يعنى انا غلطتى انى ماحبيتش نفوت حفلة عيد جوازنا فى الساحل؟! ، ستات نكدية صحيح تشدق بالأخيرة باستهزاء لتهم رزان بالرد و لكن سرعان ما علقت الكلمات بلسانها ما ان سمعت صوت صرير الباب والذى خرج عبره الطبيب و هو يزيح الكمامة عن فمه ، ليسرع إليه ثلاثتهم بلهفة حيث يبادر أكمل بسؤاله قائلا: _ اى الأخبار يا دكتور؟ ، هى عاملة اى دلوقتى؟ أجابه بجدية: _ الحمد لله خرجت من مرحلة الخطر بس كسر فى دراعها اليمين تنهيدات عالية الصوت انبعثت من صدورهم شاكرين الله ، بينما استطرد الطبيب واجما: _ لكن ماقدرناش ننقذ الجنين جحظت العيون و انغغرت الأفواه و تعالت الشهقات من هول الصدمة و حدتها ، حيث وضعت رزان يدها على فمها بسرعة محاولة تكميم شهقتها التى رجت جسدها رعبا بعدما أُقحموا فى هذه المشكلة _الغير منتهية على ما يبدو_ ، بينما شدت مها من قبضتها على ساعد رزان محاولة الشد من أزرها ، بينما يقول أكمل متسائلا بدهشة: _ هى كانت حامل؟! اماء الطبيب برأسه موافقا و هو يقول: _ أيوة ، بس جنين ما يزيدش عن 12 يوم حتى ماحتاجش مجهود تفريغ نطقت مها بصوت متردد: _ طب طب امتا ممكن ندخلها _ ياريت تستنوا لبكرة ، تكون اتنقلت أوضة عادية و فاقت كمان أردف أكمل شاكرا: _ شكرا جدا يا دكتور ثم استرسل بنبرة ثاقبة: _ و كمان شكرا عشان وافقتوا نتخطى مرحلة الأسئلة و البلاغ و الكلام ده _ العفو يا أكمل بيه ، ماتقلقش خالص ثم انصرف تاركا إياهم بين ذبذبات التوتر الهائمة حولهم حيث تصرخ رزان بهستيرية: _ يا خبر أسود يا خبر اسود ، دى اكيد هتبلغ عننا بالاجهاض ده! ، هنعمل ايه فى المصيبة دى دلوقتيييى؟! أمسك أكمل بكف زوجته بين أنامله محاولا بثها بعضا من ثباته و هو يقول مطمئنا: _ ماتقلقيش يا رزان ، أن شاء الله نسكتها بقرشين و تروح لحالها هتفت الاثنتان بصوت واحد مبتهل: _ ياااارب _ شوفى الايميلات اللى جات لك اليومين اللى فاتوا و ابعتيهم لى _ حاضر يا فندم قالتها السكرتيرة و هى تبتعد إلى الخلف بطاعة ، ليعود أشرف إلى مطالعة الأوراق القابعة بين يديه بتركيز شديد لا يقطعه سوى صوت السكرتيرة الذى أتاه عبر اللاسلكى بجانبه قائلة: _ فى واحد اسمه محمد سيد عايزك يا فندم ألقى القلم من بين أنامله و هو يزفر بغضب ثم يتشدق بضيق: _ و ده اى اللى جابه ده؟ قرب فمه من اللاسلكى قائلا بلهجة آمرة: _ دخليه بعد مرور ثوان دلف محمد إلى الغرفة دون استئذان ليصل غضب أشرف إلى ذروته حيث يهدر قائلا: _ نعم ، مش خدت فلوسك خلاص؟ جيت ليه بقى؟ تجاهل سؤاله بسؤال آخر ناطقا بحدة: _ وديتها فين؟ قطب حاجبيه قائلا: _ هى مين؟ صرخ محمد بغضب: _ زينة يا أشرف بيه ، يعنى مين؟! اراح أشرف ظهره على الكرسى بمعالم جليدية و هو يقول ببرود: _ و يهمك ف ايه تعرف مكان مراتى يا افندى؟ _ مابقتش مراتك خلاص ، و انا عايزها وقف أشرف عن كرسيه ثم دار حول المكتب مقتربا من محمد الذى يرمقه بسخط ، امسكه أشرف من ياقته بعنف و هو يقول مستهجنا: _ انت عبيط ياض؟ ، عايزنى اقولك مكان طليقتى ازاى يعنى؟ ، فاكرنى بريالة ولا اى؟ تشدق فى نفسه بسخرية: _ لكن تخلينى اخدها ف حضنى لما كانت مراتك عادى صح؟ ما ان وصلت آثار همهمته المتهكمة إلى مسامع أشرف حتى هتف بحدة: _ بتقول حاجة؟ عاد يكرر سؤاله بحزم: _ قولى هى فين؟ احسن ليا و ليك أجابه و هو يشير بسبابته نحو الباب زاجرا: _ أمشى اطلع برة قبل ماجيب الأمن يطلعوك بمعرفتهم لوى الثانى شدقه و هو ينظر نحو سبابته مستهزئا: _ مش انت خلاص طلقتها؟ ، سيبهالى بقى متضايق ليه يعنى؟ بادله الاستهزاء مضاعفا و هو يقول بصلابة: _ اهو متدايق و خلاص ثم فتح الباب و أشار نحو الخارج و هو يرمقه بنصف عين قائلا: _ و بعدين ده بدل ما تشوفلك حتة تستخبى فيها قبل ما أخوها يعتر عليك و يقت,لك بتدور عليها؟! ، يالا سلام يا بابا حدجه بعينين بركانيتين تشتعل غضبا ، ليخرج من الغرفة ثم يغمض عينيه بمقت بعدما سمع صوت إغلاق الباب بقوة ، ليكز على أسنانه قائلا فى نفسه بوعيد: _ طيب يا أشرف ، أنت اللى اختارت عاد يضغط على أزرار هاتفه ثم يضعه على أذنه و هو يزفر بنفاذ صبر ، حيث كرر الاتصال للكرَّة التى لا يذكر عددها دون رد ، و على خلاف السابقين أتاه الرد من صوت حسنى يقول بانزعاج: _ ما هرجعش الا براس زينة يابوى ، ما تتصلش تانى بجى هم ليغلق الخط و لكن بادر قاسم بقوله هاتفا بخشونة: _ مرتك سجطت يا حسنى اتسعت عيناه بدهشة و شُلَّت أطرافه عن الحركة بحيث لم يستطع إيقاف الخط حتى! ، بالكاد حرك لسانه كى يتأكد مما سمع قائلا بصوت ملجلج: _ إنت ، إنت بتجول اى يابوى؟ تنهد قاسم بتعب قبل ان يجيب ناهرا: _ ماشاالله عليك دكر ملو هدومك ، يدك اتعودت تطول على مرتك اللى كانت تستمنالك الرضا ترضى ، و انت عملت ايه غير انك تضر,بها و ما تسمعش صراخها اللى هد البيت ، و فى الآخر تطلع حبلة بالواد اللى مستنيه بجالك ست سنين! ، الواد اللى خليت بت عمك تفكر انها أرض بور عشان ما جابتهوش ، و انا و انت عارفين كويس جوى ان انت اللى تعبان و بتاخد الدوا و مخبيين عشان منظرك جدام الخلج ، كانت زى البلسم يتحط عالجرح يطيب ، كانت تحت رجلك و انت عملت إيه غير انك حرمتها من أغلى حاجة بتتمناها ، و جتلت ولدك بيدك! ، ما هجولكش عاود ثم لامس الزجاج الذى ينظر عبره إلى نجاة المستلقية على السرير و هى تكفكف دموعها بحسرة ، مردفا بوجوم: _ لكن مش عشان انى شيخ الجبيلة يبجى مش هحكم باللى تريده بت اخوى! ، ربنا معاك يا ولدى ألقى كلمته الأخيرة بازدراء ثم أغلق الهاتف تاركا حسنى الذى و للمرة الأولى بحياته تنهار حصونه الجامدة و تفر عبراته الساخنة التي أخذ يمسحها بأنامله سريعا خشية أن يراها المارين بينما يصرخ قلبه بقهر بعدما تكبد من عناء الأدوية خفية حتى يفقد طفله بهذه السهولة! وعلى الصعيد الآخر كانت توجد نجاة التى تورمت عيناها من شدة البكاء ، ترثى طفلها الصغير الذى لم تعلم بوجوده مسبقا كى تحترس قبل المخاطرة بالدخول فى جدال مع حسنى ، تبكى بحرقة و صوت مكتوم ، تمسح عبراتها المنهمرة بغزارة آملة ان تجف لحظة! ، تشعر بأنها فقدت أمانها و ثقتها بالحياة عند هذه المحطة ، تشعر بأن حياتها صارت خواء! ، فقدت الأب و الأم لتجارى رياح التيار ، و لكنها فقدت أيضا الابنة الحنون حينما فشلت فى منع حسنى لق,تلها ، كما فقدت طفل رحمها الذى لم يتمم الشهرين بسبب خوفها على زينة و إيثار حياتها على نفسها! ، باتت الآن أسيرة الخذلان ، باتت الآن صديقة الآلام! ، فهل من فرج قريب؟ ، ام ستبقى بلا راحة حتى يجف الدم بالوريد؟! ((كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون)) استوقف ذهنها مع هذه الآية التى تتلى على التلفاز بغرفتها حيث لامست أعماق قلبها ، و كأنها مبعوثة برسالة لها خصيصا فى هذا اليوم صعب النسيان! ، اغمضت عينيها بألم و قد عادت إلى ذهنها بقايا ذكرى هذا المشهد الأليم حينما تلقت صفعتها الأولى بالحياة ، حينما باغتتها مقصلة الخداع على حين غرة ، ليختنق جيدها بحبال المكر و المصلحة ، و أتى الإنقاذ فى اللحظة الأخيرة حينما فقدت جنينها الصغير! ، فعلى الرغم من كون الأم لا تستطيع تحمل هكذا موقف و أقرب مثال على ذلك حزن نجاة ، و لكن كان ذلك الخير كما ذكر كتابنا العزيز ، فكيف كانت لتتصرف لو اكتملت حياة هذا الصغير برحمها و يخرج و يعانى مرارة الحياة حينما يكون مهددا دوما بالأخطار؟! ، كما سيكون ابن هذا النجس الذى سمح و بحفاوة بأن يلمس آخر جسد زوجته؟! ، كان الخير لئلا تجد رابطا واهيا يربطهما من جديد اجفلت ما ان سمعت صوت طرقات خفيفة على الباب لتنظر إلى الباب المغلق قائلة: _ ادخل دلف كل من أكمل و هو يحمل باقة من الورود بين يديه و كذلك رزان التى كانت تزين ابتسامة مشرقة صدغها ، اقترب أكمل حتى ناولها باقة الورود و هو يقول بابتسامة متأملة: _ الف حمد الله على السلامة استقبلت الباقة بيسراها و هى تبادله الابتسامة المجاملة قائلة: _ الله يسلمك اقتربت رزان من الناحية الأخرى على السرير قائلة: _ انتى اسمك ايه؟ _ زينة تلمست رزان وجنة زينة الرقيقة قائلة بإعجاب: _ الله زينة و انتى زينة _ تسلمى كانت اجاباتها مقطبة إلى الحد الذى لحظ فيه الاثنان الحزن الكامن بصوتها ليحمحم أكمل ثم يقول معتذرا: _ إحم ، انا آسف جدا يا مدام على اللى حصل ، لولا سواقتى ماكنتيش فقدتى ابنك ، اتمنى تسامحينى و بلاش الاتجاه للبلاغات و كدة ، و اللى انتى عايزاه هتاخديه اشاحت زينة بوجهها إلى الجهة الاخرى محاولة كبح عبراتها عن الخروج بعد ذكره لفقيدها الصغير ، فابتلعت غصتها العالقة بحلقها و هى تقول بجمود: _ لا أنت ماغلطتش يا استاذ ، انى اللى ماكنتش شايفة ثم أطلقت تنهيدة طويلة محملة بالآلام و أكملت بجليدية: _ و بعدين انى لا عايزة بلاغ ولا حاجة ، بس أخرج من اهنه على خير ربتت رزان على عضدها قائلة بتساؤل: _ انتى فين أهلك و احنا نوصلك ليهم ف أسرع وقت هنا لم تستطع السيطرة على دموعها التى تجاهد للخروج من المحابس ، لتنخرط فى بكاء مرير تعلوه الحسرة حيث تقول رزان بقلق: _ مالك حبيبتى؟ ، فى اى بس؟ التفتت إليها زينة بجمود قائلة بنشيج: _ أهلى لو كلمتيهم هياجوا ياخدونى عالمجابر عدل شهقت رزان بصدمة و قد ازدادت نبضاتها أضعافا إشارة إلى الفزغ الذى اعتمل باوصالها من جديد بينما يتساءل أكمل بفضول تغلفه الدهشة: _ ليه بس؟! ثم فتئ مستنتجا: _ باين وراكى سر كبير ، احكى مالك؟ أطلقت تنهيدة أخرى أكثر حرارة من سابقتها ثم استرسلت تقص ما صار و الألم ينخر باوصالها ، تنطق بلسان مرتجف يكاد لا يتحرك بعد هول المصيبة و قوتها ، حينما فرغت التفتت الى أعين الموجودين و التى كانت _كما توقعت_ مشدوهة غير مصدقة الى جانب كونها خائفة ، وقف أكمل ثم قال بنبرة ثابتة: _ ماتخافيش يا زينة احنا معاكى ، و هتقضى فترة علاجك معانا أمسكت مها بفنجان الشاى الموضوع على الطاولة المزخرفة أمامها و قربته من فمها كى ترتشف عينة منه قبل ان تعيده مجددا ثم تلفتت إلى أخيها قائلة بثقة: _ علفكرة بقى ، انا مش مصدقة حكاية ان جوزها صورها و بعد كدة طلقها و الكلام ده خااالص ، انا متأكدة انها كانت عشيقة لسياسى كبير و لما اكتشف انها حامل و هتبدأ تبتز مركزه قال يخلص منها و دلوقتى هى بتدور على ملجأ يحميها ، و انت يا أكمل فتحت لها بيتك بكل بساطة كدة؟! أخذت رزان تقلب السكر بفنجان الشاى الخاص بها و هى تحدج أكمل بعينين حادتين تؤنبه بصمت بينما قال أكمل بثقة أكبر: _ كل كلامك غلط ف غلط ، أولا لهجتها صعيدى ، و فى الصعيد موضوع ان الاهل يدوروا على بنتهم بعد ما تغلط حقيقى ، إلى جانب انها باين عليها صغيرة اوى مش بتاعة تجارب سابقة ، و حملها زى ما قال الدكتور ما يزيدش عن 12 يوم يعنى السياسى ده مالحقش يعرف ، و يأكد على كدة دهشتها اول ما سمعت بأنها سقطت ، لأنها مكانتش تعرف انها حامل اصلا ، و بعدين نفرض انها عشيقة السياسى و طلعت حامل و هتبتز مركزه زى ما بتقولى ، يبقى كان ساعتها ماتت بالكامل و شاف روحها بتطلع أدام عينه ودفنها كمان عشان يتأكد انه فى السليم ، مش يسيبها تعرف تقف على رجليها و تهرب من الصحرا بسهولة هنا ألقت رزان الملعقة من بين اناملها بعصبية و هى تهتف: _ قوم انت بقى تستضيفها هنا عشان لو أخوها ده شم خبر انها هنا يقت,لها و يق,تلنا كلنا! التفت نحوها ثم تحدث بجدية: _ مش كفاية اتكسر دراعها و خسرت ابنها بسببنا ، قوم نسيبها بسهولة كدة؟ ، خليها تقعد فترة العلاج و مش هنخرجها خالص لحد ما تتشفى بعد كدة تاخد قرشين و تروح لحالها همت مها لتبدى اعتراضها و تزيد من إلقاء البنزين على نيران هذا الجو المتأججة ، و لكن يوقفها أكمل بقوله حاسما: _ خلاص يا مها ده آخر كلام عندى ، زينة هتيجى هنا بكرة الصبح الفصل التاسع: _ اتفضلى ادخلى يا قمر نطقت بها رزان و هى تشير نحو الداخل مرحبة ، تتحرك نحو الأمام مفسحة الطريق لزينة التى تجاوزت الباب الداخلى لقصر أكمل السمري ، حيث يزداد انبهارها اضعافا حينما تلتقط عيناها هذا المحيط الشاسع ذا الأثاث الحديث و التحف الراقية ، تنظر الى ما حولها و فمها مفتوح إلى آخره بينما تقول رزان بحبور: _ أتمنى يكون القصر عجبك أجابت زينة دون ان تزيح بصرها بإعجاب: _ جوى جوى التفتت رزان إلى المطبخ ثم نادت بأعلى صوتها: _ أمينة ، يا أمينة أتتها المدعوة أمينة مهرولة و هى تقول بسرعة: _ نعم يا هانم أشارت رزان نحو زينة قائلة بلهجة آمرة: _ خدى مدام زينة لاوضتها براحة ، و اوعى تتكعبل او تقع أبعدت بصرها عن ديكور الصالون و ما به من قطع مادية ، لتلتفت إلى رزان بعينين التمعتا سعادة بعد قدر الاهتمام الذى لاقته منذ اليوم الأول ، قائلة بامتنان: _ شكرا يا هانم ابتسمت رزان و هى تقول: _ العفو يا قمر ، على اى يعنى؟ بعدما انتهت من وجبة الغداء المتضمنة المسلوق الخالى من الدهون ، حتى مدت لها الممرضة بقرص الدواء الخاص بعد امتلاء المعدة ، تناولته بفمها ثم تبعته بكأس ماء تجرعته و عقلها أصبح مغيبا بمكان آخر حتى لم تلحظ أو تجيب صوت الممرضة و هى تتمنى لها الشفاء العاجل ، و إنما ظلت صامتة و كأن على رأسها الطير ، حيث اليوم هو يومها الثالث بالمشفى و لم يأتِ زوجها بعد! ، فى البداية أرجعت عامل التأخير إلى عدد الساعات التى يقتضيها السفر من القاهرة إلى قنا ، و لكن مر يومان و الثالث خلفهما دون ان ترى هيئته او تسمع صوته ، دون ان ياتى إليها معتذرا عما بدر منه ، دون ان يشُدَّ من أزرها فى أحلك الأوقات سوادا ، تراب الانتقام غمر عقله بحيث أعماه عن رؤية ما عدا قت,ل زينة _و عشيقها_ ، على الرغم من كونه الطفل الذى كان يوبخها لسنين طوال بسبب عدم قدرتها على إنجابه ، و حين رزقها الله بهذا الحلم أخيرا ، ذهب أدراج الرياح دون رجعة؟! ، و لكن أين هو الأب من ذلك؟ ، أليس هو الشق الثانى بهذه الأسرة ، و عليه ان يكون معها بحلوها و مرها؟ ، لِمَ التصرف معها بهذه الأنانية إذا؟ ، إنه يراها تقريبا كماليات لن يضر وجودها من عدمه ، و لهذا قررت أن تغير هذه النظرة فى هذا التو و هذه اللحظة ، ترى ماذا ستفعل؟ كانت تجلس أمام التلفاز ، تضغط على أزرار جهاز التحكم و هى تتنقل بين القنوات بملل شديد فهى ليست من هواة الجلوس دون عمل لتعود بذكراها إلى ما حدث قبل يومين من كلمات طلاق ألقيت على مسمعها كالصاعقة المهلكة في وسط الصحراء الشاسعة، قطع انسجامها بأفكارها المتألمة صوت دقة خفيفة على باب الغرفة لتجفل سريعا ثم تلتفت نحو الباب قائلة: _ ادخل ولجت أمينة الى داخل الغرفة و هى تجر عربة صغيرة بها أصناف من الطعام أمامها ، تحركت بها بانسيابية على أرضية السيراميك العالى الجودة ، حتى توقفت أمام السرير الذى تتسطح به زينة ثم أخذت شريط دواء بعينه عن بقية الأدوية ثم تناولها إياه قائلة: _ اتفضلى الدوا اللى قبل العشا يا هانم رمقتها زينة بحنو و هى تقول شاكرة: _ شكرا يا أمينة ثم تحدثت ببعض الجدية: _ بس ما تجوليش هانم دى قطبت أمينة حاجبيها بدهشة لترفع بصرها نحو زينة قائلة بدهشة: _ امال اقولك اى؟ تحدثت زينة ببساطة: _ زينة بس يا جمر ، انى زيى زيك لا هانم و لا معايا أملاك ، بس ضيفة اهنه لناس فى العلالى ، عشان اجده تسمعى الكلام و تجولى يا زينة ، زينة و بس اماءت أمينة برأسها بخفوت و قد ثار الذهول بعقلها ، حيث تقابل أخيرا من يعترف بكونه الأقل بكل تواضع ، على خلاف من لا يملك شيئا و يرفع من شأنه أمام الخدم المساكين بل و يترفَّع عليهم أيضا! _ اتفضل نطق بها أشرف و هو يقف عن الكرسى احتراما لمن فتح الباب ثم دلف و اغلقه دون إصدار أصوات عالية إشارة إلى رزانته فى كل ما يقدم عليه ، اقترب من مكتب أشرف _الذى ينظر إليه بحبور يشوبه القلق_ بخطى ثابتة حتى توقف أمامه ليتبادلا عناقا عاديا ، حتى ابعده ناصر قائلا بهدوء: _ عامل اى يا ولد؟ _ الحمد لله تمام ، كدة برضه تغيب كل ده؟ ضر,ب ناصر ساعده بخفة ثم ابتعد حتى جلس على الكرسى المقابل للمكتب و كذلك فعل أشرف ، تشدق الأول باستنكار: _ ما لو كنت جيت على بالك ، كنت رفعت سماعة تلفون حتى! أردف أشرف معتذرا: _ معلش بقى يا عمى ، عليا انا المرة دى ابتسم ناصر ثم قال: _ ولا يهمك ثم أردف بتساؤل: _ جولى بجى ، أنت ليه طلجت مرتك يا ولد؟ ، زينة كانت زينة البنات و اجملهم ، ما كملتش معاها لييه؟ مط أشرف شفتيه بحزن مصطنع حيث يقول واجما: _ طلقتها و خلاص يا عمى بلاش تسأل عقد ناصر حاجبيه بتعجب قائلا بتصميم: _ انى اللى جبتهالك ، يبجى لازم اعرف سبب الطلاج يمكن اعرف ارجعكم تانى هتف أشرف بحدة: _ لا مش عايز اشوفها تانى ، و مش عايز ارجع لها ، و بلاش تسأل عن السبب عشان ده كلام ف أعراض و كانت جملته الأخيرة بمثابة القول القاطع و الكلمة الأكثر بركة من جرنال! ، حيث يضيق مقلتيه للوهلة الأولى ثم سرعان ما تجحظ عيناه بذهول و قد الجمت الصدمة فمه حيث يحرك لسانه بصعوبة بالغة ينفى ما قيل تماما و هو ينطق بتردد: _ ل لا لا مش ممكن ، أنى عارف زينة كويس؟ ، ما تعملش اكدة واصل أردف أشرف بتهكم و قد ازدادت بغضاؤه من هذه _الزينة_ بعد كل هذه الثقة الموضوعة بها: _ و اهو عملت يا عمى ، و صورتها قبل ماطلقها تحب تشوف الصورة؟ ثم أمسك بكوب الماء الموضوع على سطح المكتب ، و اخذ يرتشف منه محاولا استكمال الحديث مع ناصر بثبات انفعالى كى لا يوضع بمحل شك ، و حينها لن يخرج حتى يعترف! وقف ناصر عن الكرسى قائلا بعدم تصديق: _ لا ، يستحيل تكون زينة عملت اكده ، دى أنجى من الحليب ، بعدين دى ماكملتش شهرين على بعض ، يبجى معجول لحجت تظبط واحد و تكلمه و تجيبه سريرك كمان؟؟ علقت المياه بقصبته الهوائية بدلا من الوصول إلى المرئ كى يبدأ فى سعال فجائى ، وضع يده على فمه محاولا خفض صوت سعاله بينما يمسك ناصر بيده فوق سطح المكتب قائلا بقلق: _ سلامتك ، سلامتك يا ولدى أخذ بحاول التهدئة من روعه تدريجيا حتى ذهبت آثار المياه عن جهازه التنفسي ، ليلتفت إلى ناصر قائلا بصوت منهك به بعض الوجوم: _ ياريت ما نتكلمش فى الموضوع ده تانى يا عمى أومأ ناصر برأسه موافقا و هو يقول: _ اللى تشوفه يا ولدى ثم وقف عن كرسيه قائلا: _ استأذن بجى و قف أشرف عن كرسيه و هو يقول باصطناع: _ مانت لسة قاعد! _ مرة تانية يا ولدى قالها ناصر مجاملا ، ثم اتجه نحو الباب كى يخرج ، و لكن قبل ان تمس يده المقبض التفت إلى أشرف الذى هم بالجلوس يقول بنبرة ثاقبة يسكنها الشك: _ يعنى انت زعلان على روحتها؟ ، ولا ما عجبتكش اصلا جوم لجيت غيرها فى الوجت الجصير ده؟! ازدرد ريقه بصعوبة و قد تفصدت بعض قطرات العرق على جبينه بتوتر بالغ ، حيث يردف بمقت و استهجان: _ الاقى مين بس يا عمى؟ ، زينة كرهتنى فى كل صنف الحريم ، حسبى الله و نعم الوكيل فيها تحدث ناصر بعبوس: _ معلش يا ولدى هم ليدير المقبض و لكن اوقفه صوت أشرف هذه المرة قائلا: _ ياريت ما تتصلش على أهلها يا عمى استدار ناصر نحوه و هو يرمقه بعينين متسائلتين بينما يجيبه أشرف على الفور و هو ينظر أرضا: _ عشان مايقولوش انى حكيت لك و فضحت سرهم! أردف ناصر مطمئنا إياه بحزن: _ ماتخافش ، ما هكلمهمش واصل ابتسم أشرف بامتنان ، بينما خرج ناصر من الغرفة ليقع أشرف على كرسيه و هو يمسح على وجهه بتعب ، بعد هذه المناقشة و الأسئلة الخطيرة التى يلقيها ناصر بعناية يكشف بواسع خبرته اجاباتها من تعبيرات الوجه قبل ان ينطق اللسان ، فكاد أن يُفضح أمره تماما ، و هنا كان الخوف قريبا ، و لكن ذهاب ناصر بهذه الطريقة دون ان يزيد فى الأسئلة حتى يدفعه للاعتراف أوحى إليه بنقطة جديدة لم يكن محيطا بها!