مرات الاب والسم ج٣ انجي الخطيب

مريم حسّت ببرودة الموت الحقيقية بتلمس قفاها، الهوا الساقع في ظهرها بقا زي نصل س..ك..ين متلج بيمشي على رقبتها ببطء. النفس هرب منها تماماً، وصوت طقطقة عضم خفيفة وسريعة بدأ يدندن ورا ودنها بالظبط، كأن في حد واقف لزق فيها وبيعدل رقبتُه.
​غمضت عينيها بقهر، دموعها كانت بتنزل سخنة على وشها وهي بتترعش، مش قادرة تلتفت، مش قادرة تبص وتواجه الحقيقة اللي هتموتها من الرعب.
​”بصي وراكي يا مريم.. متبقيش خوافة.. مش أنتِ اللي شيلتيني وجريتِ بيا؟”
​الصوت المرعب ده مكنش جاي من وراها.. الصوت ده كان طالع من جواها! كأنه بيمشي في عروقها!
​بمنتهى الرعب، ولأن مفيش مفر، لفت ببطء شديد وهي بتفتح عينيها حتة حتة..
​الأوضة مكنتش ضلمة، ومكنش فيها مرات أبوها ولا أبوها. مريم لقت نفسها واقفة قدام مراية دولابها القديمة الكبيرة. الضوء الشاحب بتاع الفجر كان عاكس صورتها في المراية بالكامل.. بس الصدمة اللي خلت صرختها تموت في حنجرتها، إن صورتها في المراية مكنتش لوحدها!
​في المراية.. مريم كانت واقفة، وعلى كتافها من ورا، كان مشعبط كائن صغير، دبلان، وشه منزوع الجلد تماماً، وعينيه عبارة عن تجويفين سود مليانين ديدان بيضا بتتحرك.. الكائن ده كان لافف إيديه العضم الصغيرة حوالين رقبة مريم، وفاتح بوقه على آخره بابتسامة مرعبة واصلة لودانه، وهو بيمسح بصباعه على رقبتها.
​والأقذر من كده.. إن مريم لما بصت لوشها هي شخصياً في المراية، لقت عينيها بدأت تبيض، ونفس الابتسامة الخبيثة بتترسم على شفايفها غصب عنها! صورتها في المراية لفت راسها بزاوية مش طبيعية وبصت لمريم الحقيقية وقالت لها بفحيح مرعب:
​”العمل مكنش في بطن أخوكي.. ولا كان تحت السرير.. العمل كان جواكي أنتِ من يوم ما ولدتك أمك.. ودلوقتي، الحارس جاع، وعايز ياكل!”
​وفي اللحظة دي، مريم حست بإيدين الكائن اللي على كتافها بتغرس ضوافرها جوة لحم رقبتها، والمراية بدأت تتشقق ويطلع منها دم أسود نفاذ، وصوت خبط عنيف ورزع بدأ يزلزل باب الأوضة من برة، وصوت مرات أبوها بتصرخ بهستيريا ورعب من ورا الباب:
​”افتحي يا مريم! افتحي أخوكي بيمووووت جوة.. افتحي الحقيييينا!”
………
مريم مبقتش عارفة الصريخ ده جاي منين، من ورا الباب ولا من جوة دماغها؟ صوت مرات أبوها وهي بتستغيث برة كان حقيقي لدرجة ترعب، والرزع على الباب كان هيخلعه من مكانه.
​وفي نفس اللحظة، الوجع في رقبتها كان بيقطع في لحمها، الضوافر العضم بتاعة الكائن اللي مشعبط وراها كانت بتغرس أكتر، وصورتها في المراية عينيها ابيضت تماماً وبقت بتنزف دم أسود نزل يسيل على زجاج المراية المشروخ.
​بأخر نقطة طاقة وحياة جواها، مريم لفت وصرخت وهي بتضرب المراية بقبضة إيدها بكل قوتها:
​”بسسسسسس! اطلعي من دمااااغي!”
​المراية اتفشكت ميت حتة، والزجاج اتبعثر في الأوضة كلها. ومع صوت تكسير الزجاج، الكائن اللي كان على كتافها اختفى في ثانية، والوجع اللي في رقبتها سكت. مريم وقعت على الرخام وهي بتنهج ونفسها مقطوع، وإيدها بتنزف دم أحمر طبيعي من جروح الزجاج.
​وفجأة، الباب اتهد واتفتح بقوة!
​النور الأبيض بتاع الصالة دخل الأوضة، ودخلت منه مرات أبوها وهي بتصرخ، وراها الجيران والبوكس بتوع الإسعاف.. بس المفاجأة إن مرات أبوها مكنتش بتبص لمريم بشر، دي كانت مرعوبة بجد، دموعها نازلة وبتترعش وهي شايلة يوسف الصغير في حضنها، والولد كان وشه أزرق وريحة الكلور قالبة المكان!
​مرات أبوها بصت لمريم اللي واقعه وسط الزجاج وصرخت فيها:
​”أنتِ قاعدة هنا وسايبة أخوكي بيموت؟! عمل فيكي إيه الكلور اللي شربتيه للواد؟! منك لله.. منك لله يا مريم!”
​مريم بربشت بعينيها وهي مش فاهمة حاجة.. بصت لإيدها اللي بتنزف، وبصت لمرات أبوها اللي بتجري بالواد على السلم والجيران بيساعدوها.. هي مكنتش ميتة من تلات سنين؟ والعمل؟ والكفن؟
​حاولت تقوم وهي دايخة، ومشت خطوتين وراهم، بس رجلها خبطت في حتة زجاج كبيرة من المراية المكسورة على الأرض. مريم نزلت عينيها وبصت في حتة الزجاج دي عشان تشوف وشها..
​الوش في الزجاج مكنش وش مريم..
ده كان وش مرات أبوها وهي شابة، وبتضحك في وسط الضلمة، وتحت حتة الزجاج دي بالظبط على الأرض، كانت قزازة الكلور الفاضية وبصمات مريم مطبوعة عليها بالدم!
…………..
مريم حطت إيدها على بوقها عشان تكتم صرخة الرعب اللي كانت هتفرتك زورها. البصمات اللي على القزازة بصماتها هي، والوش اللي في الزجاج وش مرات أبوها! الدموع نشفت في عينيها والكون كله لف بيها.. هي مين فيهم؟ ومين اللي بيموت؟ ومين اللي ق..ت..ل التاني؟
​صوت سرينة عربية الإسعاف تحت البيت كان بيصوت زي الندب، وصوت لغوشة الجيران وهما نازلين يجرو على السلم كان بيبعد ببطء.
​مريم بدأت تتنفس بسرعة، وبصت لإيدها اللي بتنزف.. لقت الدم الأحمر اللي بينزل منها بدأ يسود، ويتجمع على الأرض في اتجاه واحد.. الدم كان بيسيل ويروح تحت الدولاب القديم بتاعها، كأنه مية وبتجري في مجرى مرسوم لها من سنين.
​قربت من الدولاب وهي بتزحف على ركبها، الرعب عمى عينيها عن وجع الزجاج اللي بيغرس في لحمها. زقت الدولاب بكل قوتها وهي بتصرخ بصوت مكتوم.. الدولاب اتهز واتحرك من مكانه.
​ورا الدولاب، الحيطة مكنتش سليمة.. كان في شق كبير بالطول، وجوا الشق ده، كانت محشورة قماشة بيضا قديمة.. كفن.
​مريم مدّت إيدها بتترعش وشدت القماشة.. طلع معاها كيس بلاستيك أسود، مربوط بنفس الخيط الأسود المتين! فتحت الكيس بضوافرها وهي بتنهج، ولقت جواه صورتها وهي صغيرة، وصورة لمرات أبوها وهي شابة.. الصورتين كانوا ملزوقين ببعض بدم ناشف، ومخيطين من عند العين بالخيط الأسود، ومكتوب تحتهم بـخط أحمر باهت:
“العقل لها.. والعين لي.. والجسد للقبر.”
​في اللحظة دي، حسّت بحد واقف وراها بالظبط. نفس ريحة الكلور النفاذة رجعت تملى المطبخ والأوضة والبيت كله، لدرجة إنها بدأت تكح دم.
​لفت ببطء.. لقت يوسف أخوها الصغير واقف وراها. مكنش وشه أزرق، ومكنش عضم.. كان لابس لبس المدرسة، وماسك في إيده الشنطة، وواقف بيبص لها بنظرة باردة خالية من أي طفولة، وطلع من جيبه حتة ورقة صغيرة مطبقة ومبلولة بدم، ومد إيده بيها لمريم وقالها بصوت هادي ومرعب:
​”مرات أبوكي ملحقتش تدفنك يا مريم.. لأنك أنتِ اللي دفنتيها من تلات سنين تحت السرير.. والكلور اللي أنا شربته الليلة دي، مكنش عشان أموت.. ده كان عشان أصحيها هي جوة جسمك أنتِ!”
​مريم بصت للورقة اللي في إيد أخوها، ولقيت حروف اسمها بتتمسح من عليها، وبيتحفر مكانها اسم تاني.. وفي نفس اللحظة، سمعت صوت ضحكة مرات أبوها طالعة من حنجرتها هي، وهي بتبلع ريقها اللي بقا بطعم الكلور!
…………
مريم حاولت تصرخ، حاولت تِرجع لورا، بس جسمها مابقاش ملكها. رجليها اتثبتت في الأرض كأنها اتصبت خرسانة، وعضلات وشها بدأت تتشنج وتترسم عليها الابتسامة الخبيثة غصب عنها.
​صوت ضحكة مرات أبوها جوة دماغها بقا أعلى وأقوى، كأنه شلال أسود بيمحي كل حتة فاضلة من مريم الحقيقية.
​يوسف قرب منها بخطوات بطيئة، وبص في عينيها اللي بقا بياضهم بياكل النني، وحط الورقة المبلولة بالدم في جيب قميصها، وهمس:
​”فارق العمار يا مريم.. وجاء وقت الوفاء بالدين.”
​في اللحظة دي، مريم شافت الصالة والبيت كله بيتهزوا وبيختفوا، والنور الأبيض رجع يضرب في عينيها فجأة.. لقت نفسها واقفة في نص طوارئ المستشفى!
​بس مكنتش مريم.. هي كانت شايفة وعية من ورا شاشة محبوسة جوة عينيها، واللي سايق ومتحكم في الجسم كانت مرات أبوها!
​الدكتور والممرضين جريوا عليها، وسحبوا يوسف من حضنها وهو ج..ث..ة هامدة. الدكتور بص لـ مريم (اللي جواها روح مرات أبوها) وقال بزعر:
​”الحقونا يا جماعة! حالة تسمم كلور حادة.. والبت دي كمان شكلها شربت معاه.. عينيها غايبة عن الوعي وبتنزف من رقبتها!”
​مريم كانت بتصرخ من جوة حبستها، بتستغيث، بس جسمها برة كان بيتكلم ببرود وبصوت مرات أبوها:
​”أنقذوا الواد يا دكتور.. أنا خلاص، عملي في الدنيا انتهى.. والأمانة رجعت لأصحابها.”
​ومع آخر كلمة، مريم حست بضلمة تقيلة ونهائية بتقفل على عينيها من جوة، وصوت أجهزة الإنعاش سكت تماماً، ليعلن موت مريم إكلينيكياً.. في نفس الثانية اللي يوسف الصغير فتح فيها عينيه البيضا بالكامل على سرير الطوارئ، وبص للدكتور وابتسم.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *