سر الشوال الخيش انجي الخطيب
عيال، لو ربنا أراد. زينب بصت للطفل النائم، وابتسمت. أنا نفسي يبقى عندنا عيلة كبيرة، بس مش عايزة أي طفل يدخل بيتنا وهو فاكر إنه لازم يبقى كامل عشان يتحب. حمدان قعد جنبها، وبص للطفل. ولا أنا. اللي يدخل بيتنا، هيتحب زي ما هو. وبعد سنة، رزقهم ربنا ببنت جميلة سموها أمينة، على اسم أم زينب، عشان تفضل سيرتها عايشة في البيت اللي اتبنى على الحقيقة بعد سنين من الظلم. لما أمينة كبرت شوية، كانت ساعات تقعد في حضڼ أبوها وتمسك بإصبعها الصغير طرف الندبة اللي على وشه، وتسأله يا بابا، إيه العلامة دي؟ حمدان كان يبوس جبينها ويقول دي علامة إن بابا وقع زمان، لكنه قام تاني. وبعدين كانت تروح لأمها، وتلمس أثر الحړق على وشها وتسألها ودي يا ماما؟ زينب كانت تحضنها وتقول دي علامة إن ماما عدت من ڼار صعبة، وفضل قلبها قادر يحب. وفي كل مرة، كانت أمينة تبتسم وتقول يعني إنتوا الاتنين أبطال؟ حمدان يبص لزينب، وزينب تبص له، ويضحكوا. لأ يا حبيبتي، إحنا بس اتعلمنا إن الشجاعة مش إننا ما نتوجعش، الشجاعة إننا ما نخليش الۏجع يخلينا نظلم غيرنا. وفي مساء يوم هادي، بعد ما أمينة نامت، قعد حمدان وزينب قدام البيت، يبصوا للنجوم اللي منورة فوق الجبل. زينب كانت لابسة فستان بسيط، وشعرها سايب على كتفها، وأثر الحړق واضح في ضوء القمر، لكنها ما كانتش بتفكر فيه زي زمان. حمدان كان ماسك إيدها، ولما لاحظ إنها ساكتة، سألها بتفكري في إيه؟ زينب ابتسمت. في اليوم اللي وقفت فيه في السوق، وأنا فاكرة إن حياتي انتهت. كنت فاكرة إن الخمسين جنيه دول تمن لواحدة محدش عايزها. حمدان شد على إيدها برفق. وأنا كنت فاكر إني بدفع عشان أخرجك من إيد مبروك. زينب بصت له. وطلعت بتدفع تمن إنك تفتح قلبك من تاني. حمدان سكت لحظة، وبعدين قال تعرفي إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟ إيه؟ إني ما عرفتكش قبل اليوم ده بسنين. زينب هزت راسها وهي بتبتسم. يمكن لو كنت عرفتك قبلها، ما كنتش هبقى الست اللي أنا عليها دلوقتي. حمدان فكر في كلامها، وبعدين هز راسه. يمكن عندك حق. زينب ساندت راسها على كتفه، وقالت أنا مش عايزة أمحي اللي حصل. الۏجع كان كبير، بس أنا مش هسيبه يبقى الحكاية الوحيدة اللي الناس تعرفها عني. عايزاهم يفتكروا إني اتعلمت، واشتغلت، وضحكت، وحبيت، وربيت بنت، وعملت بيت ما حدش فيه ېخاف من وشه أو من صوته أو من ماضيه. حمدان بصلها بحنان. وده اللي هيحصل. وفي اللحظة دي، سمعوا صوت أمينة بتنادي من جوه البيت ماما! بابا! أنا صحيت! زينب ضحكت وقامت، وحمدان لحقها وهو بيقول أهو البيت اللي كنت عايش فيه لوحدي بقى ما بيسكتش دقيقة! ردت عليه وهي بتدخل وإنتَ مش كنت بتقول إن الوحدة قوة؟ حمدان وقف عند الباب، وبص لها بابتسامة دافية. كنت فاكر كده، لحد ما عرفت إن أقوى حاجة في الدنيا إن يبقى عندك حد ترجع له، وحد يستناك، وحد يشوفك على حقيقتك ويفضل مختارك كل يوم. زينب مدت إيدها له، فمسكها ودخلوا سوا. أما الشوال الخيش اللي كانت زينب بتخبي وشها تحته، فكان لسه موجود في صندوق قديم فوق الرف، لكنها ما احتفظتش بيه عشان ترجع تلبسه، احتفظت بيه عشان تفتكر المسافة اللي قطعتها من يوم ما كانت بتترعش من نظرات الناس، لحد ما بقت قادرة تقف قدامهم من غير ما تنزل عينيها. وفي يوم افتتاح مركز الخياطة الجديد، علقت الشوال في إطار خشبي صغير، وكتبت تحته بخط إيدها مش كل حاجة بنخبيها بتكون عيب، ساعات بنخبيها عشان العالم ما عرفش لسه يبص لها برحمة. وقف حمدان جنبها، وقرا العبارة، وبعدها بص لها وقال إنتِ عارفة إنك غيرتي حياتي؟ زينب ابتسمت وقالت وإنتَ عارف إنك رجعت لي حياتي؟ حمدان هز راسه، وقرب منها، وباس جبينها. يبقى إحنا الاتنين كسبنا. وبين ضحكة أمينة اللي كانت بتجري في المكان، وصوت البنات اللي اتعلموا الخياطة وبدأوا يبيعوا شغل إيديهم، فهمت زينب إن النهاية السعيدة مش معناها إن الۏجع ما حصلش، ولا إن كل اللي ظلموها بقوا طيبين، لكنها معناها إنها ما عادتش أسيرة للي حصل، وإن حياتها بقت ملكها هي. والراجل اللي دفع خمسين جنيه دهب في يوم من الأيام عشان ينقذها من الإهانة، ما بقاش بالنسبة لها مجرد منقذ، بقى شريك عمرها، والإنسان اللي اختارها وهي حرة، واختارته وهي قادرة تقول نعم أو لأ من غير خوف. أما أهل البلد، ففضلت حكايتهم تتنقل من بيت لبيت، لكن ما بقاش حد يحكيها باعتبارها حكاية بنت اسمها زينب كانت مخبية وشها تحت شوال خيش. بقوا يحكوها باعتبارها حكاية بنت نجت من ڼار مرتين؛ مرة وهي طفلة وسط الحريق، ومرة وهي كبيرة وسط قلوب الناس، وفي المرتين قدرت تطلع من الڼار وهي لسه محتفظة بأجمل حاجة فيها قدرتها على الحب. وفي آخر ليلة من ليالي الصيف، لما زينب وقفت قدام المراية بعد ما سرحت شعرها، لمست أثر الحړق بإيدها، وبصت لنفسها طويلًا. ما قالتش إنها بقت جميلة بعد ما حمدان حبها، لأنها كانت جميلة من قبل ما يعرفها، وما قالتش إن قيمتها زادت لما اتجوزت، لأنها كانت تستحق الاحترام من أول يوم. ابتسمت لنفسها، وفتحت باب الأوضة. حمدان كان واقف مستنيها، وأمينة نايمة بين إيديه، ولما شافها قال يلا يا زينب، بيتنا مستنيكي. زينب مشت ناحيته، وخدت بنتها في حضنها، وبعدها مسكت إيده. أنا جيت يا حمدان. ودخلوا البيت سوا، والنور فضل منور في الشباك لحد الفجر، شاهد على إن الرحمة ممكن تبدأ من موقف صغير، وإن كلمة طيبة ممكن تفتح باب اتقفل سنين، وإن الإنسان مهما كان شكله أو ماضيه، يستحق فرصة يعيش من غير ما يضطر يخبي نفسه عن العالم. وهكذا انتهت حكاية الخمسين جنيه دهب، مش بانتصار حمدان على مبروك بس، ولا برجوع الأرض لأصحابها بس، لكن بانتصار زينب على الخۏف اللي سكن قلبها سنين، وبانتصار الحب اللي ما طلبش منها تتغير عشان تستحقه، وببيت صغير وسط الجبل بقى أكبر من كل القصور، لأنه اتبنى على الاختيار والكرامة والصدق، وبنت صغيرة كبرت وهي عارفة إن العلامات اللي على وشوش الناس ما بتقولش مين يستحق الحب، وإن القلب الحقيقي هو اللي يعرف يشوف الإنسان قبل ما يحكم عليه.
تمت
حكايات الكاتبة انجي الخطيب