سر الشوال الخيش انجي الخطيب

بينهم كلام حب كتير، ولا وعود كبيرة، لكن كان فيه اهتمام صغير بيتكرر كل يوم، لحد ما بقى أكبر من أي كلام. وفي ليلة شتوية، بعد مرور سنة تقريبًا على لقائهم، نزلت عاصفة قوية على الجبل. المطر كان بينزل بغزارة، والريح بتخبط في الشبابيك، ولما حمدان اتأخر في الرجوع من الوادي، زينب ما قدرتش تقعد مكانها. لفت شالها على كتفها، وخرجت تدور عليه رغم اعتراض عوض، اللي كان بقى صديقًا للعيلة بعد ما شهد بالحقيقة وساعد في رجوع الأراضي لأصحابها. عوض وقف عند الباب وقال الطريق خطړ يا زينب! استني لما المطر يخف. زينب ردت وهي بتربط الشال حمدان لو كان مكاني، كان نزل يدور عليا حتى لو الجبل كله وقع. مش هقعد أستناه وهو لوحده. أخدت فانوس وحبل، ومشت ناحية الطريق اللي بيوصل للوادي، وهي بتنادي باسمه وسط صوت الريح. بعد وقت طويل، سمعت صوته ضعيف جاي من ناحية منحدر صخري. زينب! جريت ناحية الصوت، ولقيته واقع جنب صخرة كبيرة، ورجله محشورة تحت جزء من جذع شجرة وقع من شدة المطر. لما شافها، حاول يقوم. إنتِ اټجننتي؟ إيه اللي نزلك في الجو ده؟ زينب ركعت جنبه، ودموعها اختلطت بالمطر. جايه آخدك البيت. كان ممكن ټتأذي! وإنتَ كان ممكن ټموت لو فضلت لوحدك. حمدان سكت، وعينيه ثبتت على وشها. زينب ربطت الحبل حوالين الجذع، وثبتت طرفه في صخرة، وفضلت تحاول تحرك الخشب بكل قوتها. حمدان ساعدها على قد ما قدر، وبعد محاولات طويلة، قدروا يحرروا رجله. لما وقف، اتكأ عليها، وهي سندته لحد ما وصلوا البيت. وفي اللحظة اللي دخلوا فيها، حمدان وقع على الكرسي من شدة التعب، وزينب جابت له بطانية وبدأت تنظف الچروح اللي في إيده. كان ساكت طول الوقت، لحد ما قال فجأة فاكرة لما سألتك لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتمسكي إيدي أسرع؟ زينب رفعت عينيها. أيوه. أنا كمان لو رجع بيا الزمن، كنت هدفع الخمسين جنيه دول من غير ما أستنى مبروك ينزل السعر. ضحكت زينب، وبعدها سكتت، وحطت قطعة القماش على الچرح. حمدان مد إيده ومسك كفها برفق. زينب، أنا بحبك. الكلمات خرجت منه بسيطة، من غير مقدمات، لكنها خلتها تحس إن كل السنين اللي عاشتها في الخۏف بدأت تبعد عنها. حمدان كمل مش مستني منك رد دلوقتي. ومش عايزك تقولي حاجة عشان أنا تعبان أو عشان أنقذتك. أنا بس ما بقيتش قادر أخبي اللي في قلبي. زينب فضلت باصة له، وبعدين حطت إيدها التانية فوق إيده. أنا كنت فاكرة إن الحب لازم يكون خوف. كنت فاكرة إني لو حبيت حد، هفضل طول الوقت مستنية اللحظة اللي يشوف فيها حقيقتي ويمشي. لكن إنتَ عمرك ما طلبت مني أكون حد تاني. اتنهدت، وابتسمت من وسط دموعها. وأنا كمان بحبك يا حمدان. بحبك عشان إنتَ ما حاولتش تصلحني كأني حاجة بايظة، ولا طلبت مني أخبي ۏجعي عشان ترتاح. إنتَ سيبتني أتعلم أعيش، وفضلت جنبي من غير ما تقفل عليا الباب. حمدان قرب إيدها من صدره، لكنه ما حاولش يقرب أكتر، فزينب هي اللي مالت ناحيته وحطت راسها على كتفه السليم. وفي اللحظة دي، البيت الصغير اللي كان يومًا مليان صمت، اتملأ بدفا عمره ما عرفه قبل كده. بعد كام شهر، وبعد ما خلصت الإجراءات القانونية واتأكدت حقوق زينب، قعدت مع حمدان والشيخ عبدالتواب في بيت الجبل، وقالت إنها عايزة تبدأ حياتها معاه من جديد، باختيارها هي. حمدان أصر إنهم يعملوا عقد جواز جديد على سنة الله ورسوله، بمهر تختاره هي، ومن غير ما يكون فيه أي ذكر للصفقة القديمة اللي حصلت في السوق. زينب اختارت مهر بسيط، وقالت إنها عايزة تحتفظ بالخمسين جنيه الدهب في صندوق صغير، مش عشان تفتكر إنها اتباعت، لكن عشان تفتكر اليوم اللي راجل غريب قرر يوقف الإهانة، وبعدها أثبت لها كل يوم إن القرار ده ما كانش تمنها، لكنه كان بداية نجاتها. حمدان رفض في الأول يحتفظ بالدهب، لكنها قالت له الدهب ده هيفضل شاهد على إن الناس ممكن تبدأ حكاية بطريقة غلط، لكن تقدر تصلحها بالاحترام والاختيار. وفي يوم الجواز، البلد كلها اتجمعت قدام بيت الجبل. نفس الناس اللي ضحكت عليها في السوق، كانوا واقفين دلوقتي، بعضهم جاي يبارك، وبعضهم جاي يعتذر. مبروك كان اتحكم عليه بالسجن بعد ما ثبتت عليه جرائم التزوير والاعتداء والتورط في إخفاء أدلة الحريق، وشركاؤه اتعاقبوا، وأرض الوادي رجعت لأصحابها. أما أبو زينب، فاعترف بكل اللي يعرفه، وقضى فترة عقوبته، وبعدها عاش بعيد عن بنته، لأنه فهم أخيرًا إن الندم ما بيمسحش الأڈى، وإن الاعتذار مش معناه إن المظلوم ملزم يرجع زي الأول. زينب ما رجعتش تعيش معاه، لكنها بطلت تحمل نفسها ذنب اختياراته. وفي يوم الفرح، وقفت الحاجة فاطمة وسط الستات، وقالت بصوت مسموع يا جماعة، إحنا ظلمنا البنت دي سنين، وافتكرنا إن العلامة اللي على وشها عيب، مع إن العيب الحقيقي كان في قلوبنا. أنا أول واحدة بقولها قدام الكل سامحينا يا زينب. زينب بصتلها، وبعدين بصت للناس اللي حواليها. أنا مش محتاجة حد يحب شكلي، ولا حتى يعجبه. كل اللي كنت محتاجاه إنكم تعاملوني كإنسانة. وأنا مش هطلب منكم تنسوا اللي حصل، لكن أتمنى ما تكرروش نفس الغلط مع حد تاني. ساد الصمت لحظة، وبعدها واحدة من الستات بدأت تزغرد، واتعالت الزغاريد من كل ناحية. حمدان كان واقف جنبها، لابس جلابية جديدة، وندبته واضحة على وشه، لكنه ما حاولش يخبيها ولا مرة. ولما قرب منها عشان يمسك إيدها، ابتسم وقال جاهزة يا بنت الأصول؟ زينب ضحكت. جاهزة يا راجل الجبل. ومسك إيدها قدام الناس كلها، ومشوا ناحية البيت اللي اختاروا يعيشوا فيه سوا. مرت سنتين، والبيت الصغير بقى أوسع وأجمل. زينب وسعت شغل الخياطة، وفتحت مكان صغير تعلم فيه البنات الحرفة من غير ما ياخدوا فلوس في الأول، خصوصًا البنات اللي ظروفهم صعبة أو اللي اتعرضوا للتنمر بسبب شكلهم أو إعاقتهم. حمدان ساعد الفلاحين في الوادي يعملوا جمعية صغيرة تبيع محاصيلهم بسعر عادل، وبقى معروف في المنطقة إنه الراجل اللي ما بيخافش يقول الحق، حتى لو اللي قدامه صاحب نفوذ. وفي صباح ربيعي، كانت زينب قاعدة في الحوش، بتخيط فستان صغير، لما حمدان دخل وهو شايل بين إيديه طفل رضيع ملفوف في بطانية بيضا. زينب رفعت راسها، واتسعت عينيها. مين ده؟ حمدان ابتسم ابتسامة عريضة. ده ضيفنا الجديد. زينب قامت بسرعة، وخدت الطفل بين إيديها، وقلبها بيدق پعنف. إنتَ لقيته فين؟ حمدان ضحك. ده ابن أخت عوض. أخته تعبانة شوية، وجابته تقعد معانا كام يوم لحد ما تتحسن. بس أنا كنت بفكر… بص لها بتردد، وابتسامته بقت أهدى. كنت بفكر إن البيت اللي عرف يديكي أمان، ممكن في يوم يبقى بيت مليان

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *