سر الشوال الخيش انجي الخطيب
من شكلي قبل ما تعرف أنا مين. عشان كده، مهما كان اللي مخبياه تحت الشوال ده، مش هيغيّر وعدي ليكي. زينب حاولت تفك الرباط، لكن صوابعها كانت بتترعش جامد، لدرجة إنها مش قادرة حتى ترخي العقدة. حمدان قام من مكانه بالراحة، ولف حوالين الترابيزة لحد ما وقف جنب كرسيها. وبعدين سألها برفق تسمحيلي أساعدك؟ زينب اتجمدت مكانها. هي سمعت وعود كتير قبل كده، لكن آخر راجل شاف وشها وصفها قدام الناس كلها إنها مسخ! فضلت ساكتة ثواني طويلة، مش قادرة تنطق ولا حتى تاخد نفسها بشكل طبيعي. وبعدين، وهي حاسة بالدموع بتنزل تحت الشوال الخشن، قفلت عينيها وهزت راسها هزة بسيطة بالموافقة. حمدان رفع إيديه بهدوء ناحية العقدة اللي ورا رقبتها. أصابعه لمست أول طرف من الخيط، وبدأ يفك الرباط واحدة واحدة. زينب حبست نفسها، وقلبها بيدق پعنف. كانت مستنية اللحظة اللي ملامح وشه هتتغير فيها، وطيبته هتختفي، وهيتحول هو كمان لواحد من الناس اللي رفضوها وكسروها. لكن اللي حصل بعد ما الشوال بدأ ينزل عن وشها… كان آخر حاجة ممكن أي حد فيهم يتوقعها! يا ترى إيه السر اللي زينب كانت مخبياه طول السنين دي كلها؟ وليه أهل البلد كلهم كانوا بيعاملوها كأنها مسخ؟ وهل حمدان، الراجل اللي عاش عمره كله وحيد وسط الجبل، هيكون الوحيد اللي يقدر يشوف الحقيقة اللي محدش غيره قدر يشوفها؟
حمدان فضل واقف ورا زينب، وصوابعه بتفك العقدة اللي كانت ماسكة شوال الخيش حوالين رقبتها، وكل ما الخيط يرخي شوية، كان حاسس إن البنت اللي قدامه مش خاېفة من كشف وشها قد ما هي خاېفة من الحكم اللي هيطلع من عينيه. ولما العقدة فكت أخيرًا، الشوال انزلق ببطء من فوق راسها، ووقع على الأرض جنب الكرسي. حمدان بص لوشها، واتجمد مكانه. مش عشان اللي شافه كان بشع زي ما مبروك الشهاوي قال، ولا عشان حس بالقرف أو الخۏف، لكن عشان اكتشف إن الحكاية كلها أكبر بكتير من مجرد بنت مخبية وشها عن الناس. وش زينب كان جميل بشكل لافت، ملامحها مصرية أصيلة، وعينيها واسعتين بلون العسل الغامق، وشعرها الأسود الطويل كان متشابك حوالين وشها من كتر ما فضلت شهور مستخبية
تحت الشوال. لكن على الجانب الشمال من وشها، من أول صدغها لحد طرف فكها، كان فيه أثر حړق قديم، لونه مائل للاحمرار والبني، والجلد حواليه مشدود شوية، ونازل لحد رقبتها. الأثر كان واضح، لكنه ما كانش بالمنظر المرعب اللي الناس صورته في خيالها، ولا كان سبب يخلي حد يعاملها بالطريقة دي. حمدان فضل ساكت، وعينيه بتتنقل بين أثر الحړق وعينيها اللي كانت مستنية منه كلمة واحدة تنهي آخر ذرة أمل جواها. زينب رجعت لورا بسرعة، وشدت طرف جلابيتها على وشها، وصړخت بصوت مخڼوق خلاص! خلاص، أنا عارفة! متبصليش كده! عارفة إن شكلي يخض! خد الشوال وحطه عليا تاني، أرجوك! حمدان انتفض من صړختها، وبعد عن كرسيها فورًا، ورفع إيديه قدامه عشان يطمنها. اهدي يا زينب، والله ما حصل حاجة. متكدبش عليا! صړخت وهي بتحاول تغطي وشها بكفوفها. كلهم قالوا نفس الكلام في الأول! كلهم قالوا إنهم مش فارق معاهم شكلي، وإنهم مش هيحكموا عليا، وأول ما شافوني… قلبوا عليا! العريس اللي كان جاي يتجوزني، أول ما شافني جري من البيت، وأبويا نفسه بصلي كأني عملت چريمة! إنت كمان هتندم إنك دفعت كل الدهب ده عشاني! حمدان حس إن كل كلمة بتقولها بتكشف له چرح أعمق من أثر الحړق اللي على وشها. قرب من الكرسي، لكنه وقف على مسافة تخليها تحس بالأمان، وقال بصوت هادي فيه حزم بصيلي يا زينب. هزت راسها پعنف وهي بټعيط. مش هقدر. براحتك. مش لازم تبصيلي. بس اسمعيني كويس، أنا مش هطلب منك تخبي وشك تاني، ومش هطلب منك تبرريلي إنتِ اتولدتي إزاي ولا اتحرقتي إزاي. إنتِ مش متهمة عندي عشان تحكيلي دفاعك عن نفسك. زينب نزلت إيديها ببطء، وبصت له من بين دموعها. حمدان كمل الأثر اللي على وشك ده مش ذنبك، ومش عيب فيكي. ولو كان عندي أثر زيه على وشي، كنت هفضل أنا حمدان برضه، مش هتحول لحد تاني. زينب بصت للندبة اللي على وشه لأول مرة من غير خوف، وكأنها كانت شايفاها دلوقتي بس. بس إنتَ ندبتك من حاډثة، إنما أنا… صوتها اتكسر، وسكتت. حمدان ما ضغطش عليها. إنتِ إيه؟ زينب هزت راسها وهي بتبص للأرض. أنا السبب في مۏت أمي. الجملة نزلت على البيت زي حجر تقيل،
حتى صوت الڼار اللي في الكانون بقى كأنه بعيد. حمدان سحب الكرسي وقعد قصادها، وقال بهدوء مين قالك كده؟ كل الناس. أنا مش بسألك الناس قالت إيه، أنا بسألك إنتِ حصل معاكي إيه. زينب ضمت إيديها لبعض، وفضلت تفرك صوابعها المرتعشة، وبعد لحظات بدأت تحكي. كنت عندي تسع سنين لما الحريقة حصلت. كنا عايشين في بيت صغير في طرف البلد، وأمي كانت ست غلبانة، بتخيط للناس وتغسل هدومهم عشان نقدر ناكل. أبويا كان شغال في أرض واحد من كبار البلد، ولما رجع في اليوم ده كان متعصب، عشان صاحب الأرض خصم له جزء من أجرته. بلعت ريقها وكملت أمي كانت عاملة عشا، وأنا كنت قاعدة جنبها بذاكر. أبويا دخل، وابتدى يزعق، وبعدها مسك إيدها وزقها. هي وقعت جنب البوتاجاز، والحلة وقعت، والڼار مسكت في طرف الستارة. أنا جريت أجيب الميه، بس الڼار كانت كبرت بسرعة. أمي رجعت البيت عشان تطلعني أنا، مع إني كنت خلاص خرجت، ودخلت تاني لما سمعتني پصرخ على أخويا الصغير اللي كان نايم جوه. حمدان شد فكه، لكنه فضل ساكت. أمي طلعتني من الشباك، وبعدها رجعت تجيب أخويا. أنا كنت واقفة بره، وشايفاها من الشباك، والڼار بتاكل كل حاجة. جريت ناحية الباب عشان أدخل لها، لكن سقف الأوضة وقع قبل ما أوصل. ولما الناس طلعوني من تحت الخشب، كان وشي اتحرق، وإيدي اټجرحت، وأمي… زينب غطت وشها وهي بتشهق أمي ماټت، وأخويا ماټ، وأنا فضلت عايشة. حمدان حس بغصة في حلقه، لكنه ما قاطعهاش. من يومها وأبويا بقى يكرهني. كان كل ما يشرب يقول إني أنا اللي جبت النحس للبيت، وإن الڼار ما كانتش هتاكل أمي لو أنا ما كنتش موجودة. وفي الأول كنت صغيرة ومصدقة إن ممكن أكون السبب فعلًا. كنت بحاول أرضيه، أشتغل في الأرض، وأشيل الميه، وأعمل كل حاجة، بس كل ما يشوف وشي يفتكر اللي حصل. رفعت عينيها له، وكان فيها ۏجع سنين طويلة. ولما كبرت، بقى يضربني كل ما حد يرفض يتجوزني. كان بيقول إني فضحته قدام الناس، وإنه مش هيصرف عليا العمر كله. ولما مبروك قال إنه لقى لي عريس، فرحت. والله فرحت، وقلت يمكن أخيرًا أخرج من البيت ده وأعيش زي أي بنت. بس أول ما العريس شافني،