بنت الشغاله
الشركة والمخازن التابعة له.
الملفات اللي اتجمعت من القصر كشفت عن تحويلات مالية غير قانونية، وتزوير مستندات طبية، وتجارب سرية اتعملت من غير موافقات صحيحة.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت لما المحققين راجعوا تسجيلات الانفجار القديم.
اكتشفوا إن الانفجار ما كانش حادثًا عشوائيًا، وإن فيه أدلة قوية على إنه اتدبر لإبعاد آدم عن إدارة الشركة.
وفي وسط الملفات، ظهرت رسالة مكتوبة قبل الحادث بيوم واحد، من مروان لشخص مجهول
لو العملية نجحت، محدش هيقدر يوقف نقل الملكية. ولو فشلت، هنخلي موته يبدو كأنه نتيجة الانفجار.
لكن الشخص المجهول اللي استقبل الرسالة ما كانش شريكًا لمروان.
كان محاسبًا سابقًا في الشركة، اسمه شريف، وكان مروان فاكره مات بعد ما اتهمه بالسرقة واختفى من القاهرة.
شريف كان عايش باسم مختلف، واحتفظ بنسخ من التحويلات والرسائل الأصلية.
ولما عرف إن مروان اتقبض عليه، سلّم نفسه للشرطة، وقدّم الأدلة اللي كانت ناقصة عشان يثبت إن الجريمة كانت جزءًا من خطة طويلة للاستيلاء على أصول الشركة.
أما نادين الشربيني، خطيبة آدم، فكانت المفاجأة اللي ما حدش توقعها.
بعد ما عرفت بالقبض على مروان، حاولت تتواصل مع آدم، لكنه رفض يقابلها.
ولما استدعَتها الشرطة لسماع أقوالها، أنكرت معرفتها بأي شيء عن الجهاز.
لكن المحققين لقوا في موبايلها رسائل بينها وبين مروان، كانت بتسأله فيها عن موعد نقل ملكية إحدى الشركات التابعة لآدم، وبتأكد عليه إن الزواج لازم يتم قبل نهاية السنة.
في البداية، آدم اعتقد إنها كانت شريكة في المؤامرة من أول يوم.
لكن التحقيقات كشفت حقيقة مختلفة.
نادين ما كانتش تعرف بوجود الجهاز، لكنها كانت عارفة إن مروان بيخطط للاستيلاء على جزء من أموال آدم، وكانت مستنية نصيبها مقابل مساعدته في الضغط عليه عشان يوافق على بعض التنازلات المالية قبل الجواز.
ولما اتواجهت بالرسائل، اعترفت.
قالت إنها أقنعت نفسها إن مروان بيحمي مصالحها، وإن آدم مش هيخسر حاجة من الإمبراطورية اللي بناها.
لكنها ما قدرتش تبرر ليه وافقت تشارك في خداع شخص كانت بتقول إنها بتحبه.
آدم أنهى خطوبته رسميًا، ورفض أي محاولة منها للتواصل معاه.
قال لها في آخر مكالمة بينهم
أنا مش زعلان عشان اخترتي الفلوس. أنا زعلان عشان لما كان المفروض تكوني جنبي، اخترتي تصدقي الراجل اللي كان بيدمرني.
وبعدها قفل الخط.
لأول مرة، بقى عارف إن مش كل اللي بيبتسموا له بيتمنوا له الخير.
يوم العملية
بعد أيام من الفحوصات، سافر آدم إلى مركز متخصص في جراحة الأعصاب، بصحبة فريق طبي مستقل.
الفحوصات أكدت وجود جهاز إلكتروني مزروع في موضع شديد الحساسية قرب قاعدة الجمجمة، وأنه يحتاج إلى تقييم جراحي دقيق.
ما كانش فيه ضمان إن إزالته هتكون سهلة، ولا إن كل الأعراض هتختفي بعدها.
لكن الفريق وضع خطة للتعامل معه بأكبر قدر ممكن من الأمان.
في ليلة العملية، آدم ما قدرش ينام.
كان قاعد قدام الشباك، وباصص لأضواء المدينة، لما ياسر دخل عليه.
خايف؟
آدم ابتسم بسخرية.
أنا طول عمري بخوّف الناس، يا دكتور. أول مرة أحس إني مش قادر أخوّف خوفي أنا.
ياسر قعد جنبه.
الخوف مش ضعف. الضعف إنك تفضل تصدق كذبة عشان الحقيقة بتوجع.
آدم سكت، وبعدها قال
لو خرجت من العملية دي، مش هسمح لحد يقرر عني تاني.
في صباح اليوم التالي، دخل غرفة العمليات.
استمرت العملية ساعات طويلة، وخلالها تعامل الفريق مع الجهاز بحذر شديد، وأزال مكوناته من دون أن يتعمد إحداث أي ضرر إضافي للأنسجة المحيطة.
لما خرج الجرّاح، سلمى كانت قاعدة في صالة الانتظار، وليلى نايمة في حضنها.
قال الطبيب
العملية انتهت. الجهاز اتشال، وحالته مستقرة، لكن لسه محتاجين نراقبه ونتابع الوظائف العصبية خلال الأيام الجاية.
سلمى غطت وشها بإيديها، وعيطت من شدة الارتياح.
أما ليلى، فصحيت على صوت أمها، ورفعت راسها بسرعة.
هو عمو بقى كويس؟
سلمى حضنتها.
الحمد لله يا حبيبتي. عمو لسه بيتعالج، بس العملية عدت على خير.
ليلى فكرت شوية، وبعدين سألت
طب الحشرة خرجت؟
سلمى ابتسمت وسط دموعها.
أيوه يا ليلى، خرجت.
البنت رجعت تنام وهي مطمنة.
لكن آدم، رغم نجاح العملية، ما استعادش كل ذكرياته فجأة، ولا اختفت كل الأعراض في يوم وليلة.
احتاج لأسابيع من المتابعة والتأهيل، وبعض الذكريات فضلت ناقصة، والصداع احتاج وقتًا عشان يتحسن.
ومع ذلك، كانت فيه حاجة اتغيرت للأبد.
بقى عارف إن اللي حصل له مش جنون، وإن شكوكه ما كانتش مجرد أوهام، وإن فيه حد استغل ثقته عشان يسلبه حقه في الاختيار.
ولأول مرة من تلات سنين، بقى قادر يواجه مستقبله من غير ما يستنى حد يقوله إيه الحقيقة.
بعد ستة شهور… الطفلة اللي غيّرت مصير إمبراطورية
في صباح يوم شتوي هادي، كانت ليلى قاعدة في حديقة قصر المنشاوي، بتلوّن رسمة كبيرة.
سلمى ما بقتش شغالة في القصر؛ آدم ساعدها تبدأ مشروعًا صغيرًا كانت بتحلم بيه من سنين، من غير ما يربط مساعدته ليها بأي التزام أو خدمة.
لكن علاقتها بآدم ما انتهتش.
كان بيزورهم باستمرار، وبيسأل عن ليلى، وبيجيب لها كتب تلوين وألعاب تعليمية، وكل مرة كان بيشوفها، كانت بتسأله السؤال نفسه
رقبتك وجعتك تاني يا عمو؟
وكان يرد
لأ يا دكتورة ليلى، الحمد لله.
في اليوم ده، وصل آدم ومعاه صندوق صغير.
ليلى جريت ناحيته.
جبتلي إيه؟
قعد على الكرسي جنبها، وفتح الصندوق.
جواه كان فيه مجسم صغير من الفضة على شكل حشرة، لكنه مصنوع كقطعة فنية، مش جهازًا إلكترونيًا.
ليلى فتحت عينيها بفرحة.
دي الحشرة الحديد!
آدم ضحك.
أيوه. بس دي حشرة ميتة، ما بتتحركش، وما بتوجعش حد.
ليلى مسكت المجسم بحذر، وبعدها رفعت عينيها له.
طب إنت ليه جايبها لي؟
آدم سكت لحظة.
وبعدين قال
عشان ما أنساش إن أصغر حد في المكان ممكن يشوف حاجة الكبار كلهم مش شايفينها.
ليلى ابتسمت، ورجعت لرسمة التلوين بتاعتها.
آدم فضل يبصلها، وافتكر اللي حصل في المكتبة، والباب اللي اتقفل عليهم، والسر اللي كان ممكن يدفنه طول عمره.
وبعدين قال لسلمى
أنا كنت فاكر إن القوة معناها إن محدش يقدر يقرب مني. وإن الفلوس والحرس والناس اللي بتخاف مني كفاية عشان تحميني.
سلمى ردت بهدوء
ساعات يا بيه، الواحد بيبقى محاط بناس كتير، ومع ذلك محدش بيحميه من اللي جنبه.
آدم هز راسه.
وده اللي اتعلمته بالطريقة الصعبة.
بعدها بأشهر، أُحيل مروان الديب للمحاكمة، وواجه اتهامات تتعلق بالاعتداء والتزوير والاحتيال والجرائم المرتبطة بالمشروع السري، بينما استمرت التحقيقات في تحديد مسؤولية بقية المتورطين.
وأُغلقت الشركة الوهمية، واستردت مجموعة المنشاوي أصولًا كانت قد نُقلت بطرق غير قانونية، بعد إجراءات قضائية طويلة.
أما آدم، فبدأ يعيد بناء حياته من جديد.
غيّر فريقه الطبي، وأبعد كل شخص ثبت تورطه في إخفاء الحقيقة، وأعاد ترتيب إدارة شركاته بحيث ما يبقاش مصير إمبراطوريته متعلقًا بشخص واحد مهما كانت ثقته فيه.
والأهم، إنه قرر يتوقف عن إدارة حياته بالخوف.
ما بقاش محتاج يثبت إنه أخطر راجل في القاهرة.
بقى محتاج يثبت لنفسه إنه قادر يكون إنسانًا يثق في عقله، ويتحمل مسؤولية قراراته، ويعترف لما يكون محتاج مساعدة.
وفي آخر زيارة له لبيت سلمى، كانت ليلى واقفة عند الباب، ماسكة رسمة جديدة.
جريت عليه وقالت
يا عمو آدم، رسمتلك حاجة!
أخد الرسمة منها.
كان فيها راجل طويل، وبنت صغيرة ماسكة إيده، وفوق رقبته علامة حمراء كبيرة،