حماتي كانت بتخليني اطبخ لبنتها وجوزها وعيتلها ج٣ منى السيد
الجزء الاخير
قعدت في بيت أبويا أسبوع كامل، وكان الأسبوع ده بالنسبة لي أطول من السنين اللي قضيتها في بيت حماتي. كنت قاعدة في أوضتي، لا بكلم حد ولا بطلع للناس، حاسة بۏجع في قلبي وكسرة نفس، بس في نفس الوقت كنت حاسة براحة غريبة.. راحة إن محدش بيزعق لي الصبح بدري، ومحدش بيطلب مني أخدم حد، ومحدش بيديني طبق عضم وبواقي أكل!
أبوي ربنا يديه الصحة كان سند ليا، كان كل ما يدخل يطبطب عليّ يقولي ارفعي راسك لفوق يا بنتي، الكرامة أثمن حاجة في الوجود، واللي ما يقدرش مراته ما يستاهلهاش. وأمي كانت حاطة إيدها على قلبها وخاېفة ليكون
الطلاق هو النهاية، ومصطفى أخويا كان كل يوم يحلف ويقول والله لو رجع حتى حبى على رجله ما يدخلها، أختي مش لعبة في إيد أمه!
في الناحية التانية، الدنيا كانت مقلوبة تحت راس حماتي. عماد بعد ما مشيت، الصدمة فوقته شوية. هو كان فاكر إنها زعلة رجالة هتروق بكلمتين، وإن كبريائه كراجل هيخليني أسمع الكلام وأرجع زي الخاتم في الصباع. لكن لما لقى الموضوع وصل لبيت الأهل والشنطة، بدأ يفكر بعقله مش بعقل أمه.
في يوم التامن، وأنا قاعدة في الصالة مع أمي، سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت، وبعدها صوت خبط على الباب. أمي فتحت، ولقته عماد.. كان
شكله تعبان، ووشه أصفر، وعيونه حمرا من قلة النوم.
دخل بهدوء، وباس راس أبويا وقال بصوت فيه كسرة ازيك يا عمي.. أنا جاي أخد مرتي بيتها.
أبويا بص له ببرود وقال بيتها اللي طردتها منه أمك؟ ولا بيتها اللي كانت بتتعامل فيه خدامة يا عماد؟ جاي دلوقتي تاخدها بعد ما شربت المر؟!
عماد نزل رأسه في الأرض وقال بندم ظاهر حقك عليا يا عمي، وحقك عليا يا منى.. أنا عارف إني غلطت، وعارف إني سمعت من طرف واحد وفتحت أذن لامي من غير ما أسمع مراتي ۏجع قلبها.. بس والله العظيم ما كنت أعرف إن أمي بتعمل كده بجد، أنا افتكرته دلع ستات!
طلعت من الأوضة
وقفت
قدامه، وبصيت في عيونه وقلت بصوت حاسم دلع ستات يا عماد؟! يعني سنين وأنا بقولك تعبانة، وسنين وأنا بشتكي من طريقتها وجحودها، وفي الآخر تقول دلع ستات؟ أنت عمرك ما حميتني، وعمرك ما كنت ليا ضهر.. أنت جيت لقيتني بلم هدومي، لو كنت جيت لقيتني ساكتة كنت كملت في نفس الچحيم لحد ما أموت!
عماد قرب مني خطوة وقال برجاء والله يا منى ما هيحصل تاني.. أنا كلمت أمي، وقعدت معها وقفة رجالة، وقلت لها بالحرف مرتي خط أحمر، ولازم تتفصل في شقتها لوحدها بعيد عن الدوشة دي كلها، ومحدش ليه دعوة بلي تطبخه ولا تعمل ايه في بيتها.. أنا أجّرت شقة تانية يا منى.. شقة بعيدة عن بيت أمي خالص، وعايزك تيجي تبدأي معايا حياة جديدة، أنا وأنتي وبس!
الكلمة دي نزلت على قلبي زي السحر.. شقة تانية لوحدنا؟! بعيد عن سيطرة حماتي وطلبات بنتها وبواقي الأكل؟
بس قبل ما أوافق، بصيت لأبويا وأخويا مصطفى، كأني بستشيرهم بنظرات عيوني. مصطفى قال بحزم لو هو ده قراره، وركّبها شقة لوحدها، وسابها تدير بيتها بنفسها من غير تدخلات، يبقى تروح.. إنما لو رجعت لنفس البيت، اعتبر أن الجوازة دي اتنهت من سكتنا!
عماد رد بسرعة وقال والله العظيم شقة لوحدنا، وكل العفش اتنقل فيها، ومش هخلي أمي تتدخل في حياتنا بحرف واحد.. أنا عرفت قيمة مراتي لما لقيت البيت فاضي عليا ومش طايق أقعد دقيقة فيه.
وافقت.. بس بشرط واحد إن كرامتي تتصان، وإن مفيش مخلوق يقدر يهني تاني.
مرت شهور على النقلة الجديدة. الحياة اتفكت واتحولت لجنة! بقيت أصحي الصبح على ريحة القهوة مع جوزي، نزل هو شغله وأنا في شقتي، أطبخ بمزاج، وأكل أنا وهو في طبق واحد، طبق محترم مفيش فيه عضم ولا بواقي، طبق ينطق بالحب والتقدير.
وحماتي؟ في الأول قاطعتنا تماماً، وقالت لبنتها إن ابنها اتخطف سحره، وبقت تبعث لنا كلام سم عن طريق الجيران. بس عماد كان حاسم، بقى يزورها لوحده كل أسبوع مرة، ويقعد معاها ساعة ويمشي، ومنع أي حد يتدخل
في بيتنا. ومع الوقت، لما شافت إن ابنها متمسك بيا وإني بقيت بعيدة ومحترمة نفسي، بدأت تهدي وتلم نفسها، لأنها خاڤت تخسر ابنها خالص.
في يوم من الأيام، واحنا قاعدين في شقتنا الجديدة الهادية، سمعت خبط على الباب. فتحت، ولقيتها بنتها سلفتي أو أخت جوزي.. كانت واقفة مكسوفة، وماسكة في إيدها طبق حلويات، وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي ازيك يا منى.. أنا جيت أزوركم، وعماد قال لي إنكم هنا، فقلت أطلع أسلم وأقول لك حقك عليا لو في يوم زعلتك بقصد أو بدون قصد.. أمي بتسلم عليكي وبتقول لك حقك علينا.
بصيت لها بابتسامة هادية، وحسيت إن النصر الكامل جه لحد عندي مش بالاڼتقام، ولا بالصوت العالي، بل بالثبات وحفظ الكرامة. استقبلتها ودخلتها، وشربنا الشاي مع بعض، ومن يومها رجعت العلاقات في الحدود الرسمية الجميلة، لا هي بتذلني، ولا أنا باخد بواقي أكلها.
علمتني التجربة دي درس عمري ما هنساه أبدا.. الست اللي ترضى بالذل من أول يوم، بتفضل تذل نفسها العمر كله، والساكت عن حقه كالشيطان الأخرس، بس مش شيطان ضد الناس، ده شيطان في حق نفسه. الكرامة مش بهرجة ولا تكبر، الكرامة هي إنك تعرفي قدر نفسك كويس، وماتخليش حد يقلل منك، حتى لو كانت حماتك.
خلصت حكايتي.. حكاية مني السيد، اللي بدأت بخضّة باب شقة وانتهت بإنها بقت سيّدة بيتها وقرارها. ولو في يوم حماتك فكرت تقلك اطبخي لعيالي وخذي البواقي، تفتكري حكايتي وتقولي لها بكل ثقة لأ يا حماتي.. أنا بيتي فوق، وعزة نفسي فوق الكل!
حكايات_مني_السيد النهاية