في عيد ميلاد جدتي

لمحة نيوز

أكتر حاجة لفتت نظري كانت ست ورقات، كل ورقة عليها اسم واحد من أولاد جدتي الستة.
ست ورقات، وستة أظرف، وكل ظرف مقفول بالشمع الأحمر.
رفعت عيني لخالي محمود وسألته بهدوء
إنت خايف من إيه يا خالي؟ هو إنت تعرف إيه عن الورق ده؟
صرخ في وشي
إنتِ مالكيش دعوة! دي حاجات عائلية تخصنا إحنا، مش من حقك تطلعيها قدام الناس!
ضحكت ضحكة صغيرة من كتر ما كنت مصدومة.
حاجات تخصكم؟ طب ما إنتوا من شوية كنتوا بتتكلموا عن بيت جدتي كأنه شقة فاضية في مزاد، وهي قاعدة قدامكم! دلوقتي بقى لما ظهر ورق مش على مزاجكم، افتكرتوا إنها ليها خصوصية؟
ماما بصتلي بحدة وقالت
إنتِ بتعملي إيه يا بنتي؟ اقفلي العلبة وخلي الليلة تعدي على خير.
لكن قبل ما أقدر أرد، جدتي فاطمة رفعت إيدها ببطء.
مجرد ما رفعتها، سكتوا كلهم.
رغم إنها كانت أكبر واحدة موجودة في البيت، ورغم إن جسمها بقى ضعيف، كان لسه في صوتها حاجة تخلي الكل يسمعها.
قالت
سيبوها تتكلم. أنا اللي طلبت منها تجيب العلبة دي.
ساد الصمت.
بصيت لجدتي بعدم تصديق.
هي فعلًا اللي طلبت مني؟
أيوه.
قبل الحفلة بأسبوع، كنت قاعدة معاها في أوضتها، وبساعدها ترتب دولاب قديم. وقتها فتحت درجًا سريًا في مكتب جدي، وطلعت المفتاح الصغير اللي كان بيفتح الصندوق ده.
قالتلي يومها
يا بنتي، لو في يوم لقيتي ولادي نسوا أنا مين، وفكروني مجرد بيت وفلوس، هاتي الصندوق ده قدامهم كلهم. بس أوعي تفتحيه قبل ما أطلب منك.
وساعتها، ما سألتهاش عن السبب.
كنت فاكرة إنها مجرد أوراق قديمة تخص البيت.
لكن اللي اكتشفته بعد كده كان أكبر بكتير من تصوري.
رجعت للحظة الحالية، وفتحت الملف الأول.
قلت
بما إنكم قررتوا تتكلموا عن تقسيم البيت، يبقى لازم تعرفوا الأول البيت ده اتبنى إزاي، ومين اللي ضحّى عشانه.
طلعت صورة قديمة لجدي وجدتي وهما واقفين قدام البيت، وكان لسه في بداية بنائه.
وتحت الصورة، كان فيه عقد قديم مكتوب فيه إن الأرض اتشرت بفلوس جدي، وإن البناء اكتمل بعد وفاته بسنين، من دخل جدتي اللي كانت بتشتغل ليل ونهار.
قلت وأنا ببص لخالي محمود
إنت قلت إنك ساعدت ماما كتير، وإنك أولى واحد بالبيت عشان إنت الابن الأكبر. طب فاكر لما كنت في الجامعة، وماما باعت دهبها عشان تدفعلك المصاريف؟
وشه اتغير.
كملت
وفاكر لما اتجوزت، وهي استدانت عشان تساعدك تفرش شقتك؟
اتنحنح وقال
ما هو ده الطبيعي. دي أمي، وكانت بتساعدني.
تمام. طب وعمتي سعاد، فاكرة لما ماما باعت ماكينة الخياطة اللي كانت مصدر رزقها عشان تدفع مقدم الشقة اللي إنتِ كنتِ عايزاها؟
عمتي بصت في الأرض.
بصيت لباقي إخواتهم، وبدأت أذكر مواقف تانية، مش عشان أفضحهم، لكن عشان أفكرهم إن البيت ده ما كانش مجرد طوب وأسمنت.
كان ثمنه عمر ست كاملة.
وفجأة، خالي محمود خبط بإيده على الترابيزة.
كفاية بقى! إحنا مش جايين نحاسب بعض على زمان. افتحي الظرف بتاعي، ونشوف فيه إيه بدل المسرحية دي كلها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
براحتك يا خالي.
مسكت الظرف اللي عليه اسمه، لكن قبل ما أفتحه، جدتي قالت
استنى يا محمود. قبل ما تسمع اللي جواه، عايزاك تجاوبني على سؤال واحد.
بصلها بتوتر.
اتفضلي يا أمي.
قالت
لو كنت عرفت إن البيت مش هيتباع، وإنك مش هتاخد منه جنيه واحد، كنت هتيجي عيد ميلادي النهارده برضه؟
السؤال كان بسيط.
لكن محدش عرف يرد.
محمود فتح بقه، وقفله تاني، وبعدين قال
إنتِ عارفة إني بحبك يا أمي.
جدتي هزت راسها ببطء.
أنا سألتك كنت هتيجي ولا لأ، ما سألتكش بتحبني ولا لأ.
نزلت عينيها، وسكتت.
والصمت اللي نزل على السفرة المرة دي كان أقسى من أي خناقة.
لأن كل واحد فيهم كان عارف الإجابة الحقيقية، حتى لو مش قادر يقولها بصوت عالي.
أول مفاجأة البيت اللي كانوا بيتخانقوا عليه ما كانش ملكهم أصلًا!
فتحت الملف التاني، وطلعت منه صورة رسمية من عقد مسجل في الشهر العقاري.
قلت
قبل ما حد يفتح ظرفه، فيه معلومة لازم تعرفوها. البيت ده، قانونيًا، مش ملك مشاع بينكم الستة، ومش من حق أي حد يطالب ببيعه لمجرد إنه ابن صاحبة البيت.
خالي محمود ضحك بسخرية.
أهو الكلام القانوني بقى! إنتِ محامية يعني؟
قلت
لأ، بس معايا مستندات رسمية، ومحامية جدتي موجودة بره ومستنية ندخلها لو احتجناها.
في اللحظة دي، عمتي نجلاء، اللي كانت ساكتة من أول الخناقة، سألت بقلق
يعني إيه مش ملكنا؟ البيت باسم مين؟
بصيت لجدتي، وهي أومأتلي إني أكمل.
قلت
البيت مسجل باسم جدتي فاطمة وحدها. وجدي، الله يرحمه، كان كاتب ده في أوراقه من زمان، بعد ما اتفقوا إن البيت يفضل مأوى ليها طول عمرها.
خالي محمود رد بسرعة
حتى لو باسمها، إحنا ورثتها بعد عمر طويل!
قلت
بعد عمر طويل، كل حاجة هتمشي بالقانون والوصية الصحيحة، مش بالصوت العالي. لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفوها.
طلعت ورقة تانية.
من حوالي تلاتين سنة، جدتي رفضت تبيع البيت لمستثمر كان عايز يهدمه ويبني مكانه عمارة. المستثمر عرض عليها مبلغ ضخم بالنسبة للوقت ده. كانت تقدر تبيع وتعيش مرتاحة، لكنها رفضت عشان قالت إن ده بيت العيلة، وإنها مش عايزة أحفادها يلاقوا نفسهم يوم من الأيام من غير مكان يجمعهم.
ماما بدأت تعيط بهدوء.
أما خالي محمود، فكان بيقلب في الورق بعصبية، وكأنه بيدور على ثغرة ينقذ بيها نفسه من الموقف.
وفجأة، مد إيده ناحية العقد.
لكن جدتي قالت بصوت حاسم
إيدك يا محمود.
وقف مكانه.
دي أوراقي، وأنا اللي هقرر مين يشوفها ومين لأ.
رجع إيده ببطء.
ولأول مرة في الليلة دي، حسيت إن ولادها بدأوا يستوعبوا إن الست اللي اتعودوا يشوفوها ضعيفة وساكتة، لسه قادرة تحط حدود ما حدش يتخطاها.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
السر اللي اتخبّى تلاتين سنة
فتحت الظرف البني الكبير اللي عليه اسم جدتي.
جواه خطاب بخط جدي، مكتوب من أكتر من أربعين سنة.
كان موجهًا لجدتي، ومكتوب على أول صفحة
لفاطمة، لو جه يوم وولادنا اتخانقوا على البيت، افتحي الرسالة دي قدامهم.
إيدي اترعشت وأنا بقرأ.
كان جدي كاتب إنه كان عارف إن الحياة ممكن تغيّر الناس، وإن الفقر والتعب مش دايمًا بيطلعوا أحسن ما في الإنسان.
لكنه كان عنده خوف واحد.
إن ولاده بعد ما يكبروا، ينسوا إن أمهم ضحّت بكل حاجة عشانهم.
وفي آخر الخطاب، كتب
لو نسوا يومًا إن البيت ده اتبنى على تعبك، ما تعاقبيهمش بالفقر ولا بالحرمان. لكن ما تسمحيش لحد فيهم يحوّل حبك ليه إلى حق مكتسب. خليهم يعرفوا إن اللي ييجي لك طمعان، مش زي اللي ييجي لك مشتاق.
ما قدرتش أكمل من غير ما
دموعي تنزل.
حتى جدتي كانت بتبكي.
أما أولادها، فبعضهم كان باصص للأرض، وبعضهم كان متضايق من إن الخطاب بيتقري قدام الجميع.
لكن خالي محمود قال فجأة
حلو الكلام ده، بس إحنا لسه ما عرفناش إيه حكاية الأظرف الستة!
رفعت راسي.
حاضر. دي بقى الحكاية اللي كنتوا خايفين منها.
فتحت الظرف الأول، وكان جواه صورة لإيصال بنكي قديم، وورقة مكتوبة بخط جدتي.
ثم فتحت الظرف الثاني، فوجدت مستندات مشابهة.
كل ظرف كان بيحكي قصة مختلفة عن واحد من أولادها.
لكن القاسم المشترك بينهم كان صادمًا.
كل واحد من الستة كان له موقف قديم، اتسبّب فيه من غير ما يقصد أو عن قصد، في ضياع مبلغ كبير من فلوس جدتي أو تعريض البيت للخطر.
واحد منهم كان اقترض منها مبلغًا كبيرًا ووعد يرجعه، لكنه ما رجعوش أبدًا.
والتاني كان أقنعها تمضي على ضمان مالي لقريب ليه، وبعدها اختفى من المسؤولية لما ظهرت المشكلة.
والتالت كانت جدتي قد دفعت ديونًا متراكمة عنه من مدخراتها، من غير ما تقول لباقي إخواته.
أما عمتي سعاد، فكانت قد طلبت منها بيع جزء من أرض صغيرة ورثتها عن أهلها عشان تنقذ مشروع جوزها من الإفلاس.
جدتي ساعدتهم كلهم.
ما فضحتش حد.
ما وقفتش يومًا قدام باقي إخواتهم وقالت إن واحد فيهم استغلها.
لكنها احتفظت بالأوراق.
مش عشان تنتقم.
عشان لو جه يوم واتهموها إنها ما ساعدتش حد، تقدر تفتكر الحقيقة.
عمتي سعاد بدأت تبكي وتقول
أنا كنت هرجعلك الفلوس يا ماما، والله كنت ناوية أرجعها.
جدتي

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *