في عيد ميلاد جدتي

اتولعتش.
قعدت جنب جدتي، ومسكت إيدها.
قلت لها
أنا آسفة يا تيتة. ما كنتش عايزاكي تعيشي يومك بالشكل ده.
ابتسمت وربتت على إيدي.
إنتِ ما عملتيش حاجة غلط يا بنتي. أنا اللي كنت محتاجة أقول الكلام ده من زمان.
سكتت لحظة، وبعدين سألتني
هو أنا ظلمتهم؟
السؤال وجعني.
لأن رغم كل اللي حصل، كانت لسه خايفة تكون جرحت ولادها.
قلت لها
لأ يا تيتة. إنتِ بس بطّلتي تخبي وجعك عشان تريحيهم.
غمضت عينيها، وفضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت
نفسي أشوفهم كلهم قاعدين مع بعض تاني، من غير ما حد يبص للتاني على إنه منافس.
ما وعدتهاش بحاجة ما أقدرش أضمنها.
كل اللي عملته إني حضنتها، وقلت
هنحاول يا تيتة. المرة دي بقى، على أساس إنك موجودة، مش عشان حد مستني حاجة منك.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن التسجيل اللي شغلناه، واللي كان بالنسبة لنا اعترافًا بالوجع، هيبقى بداية لاختبار أصعب لكل واحد في العيلة.
لأن تاني يوم الصبح، الساعة سبعة، تليفوني رن.
كان خالي محمود.
رديت، فقال من غير مقدمات
عايز أقابلك لوحدنا.
سألته
فيه إيه؟
قال
مش هينفع نتكلم في التليفون. أنا جاي لك.
وقفل.
بعد ساعة، كان واقف قدام باب بيتي، ماسك ملفًا أزرق.
دخل وقعد، ومن غير ما يشرب حتى كوباية المية اللي قدمتهاله، قال
أنا عايزك تساعديني.
بصيت له باستغراب.
أساعدك في إيه؟
فتح الملف وطلع منه مجموعة إيصالات وتحويلات بنكية قديمة.
قال بصوت منخفض
فيه فلوس أنا كنت واخدها من أمك من سنين، وكنت فاكر إني هقدر أرجعها. بعدين الدنيا اتعقدت، واتكسفت أقولها إني مش قادر. ولما شفت الورق امبارح، حسيت إن الموضوع بقى أكبر من مجرد فلوس.
فضل ساكت لحظة، ثم قال
أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني. أنا عايز أعرف إزاي أصلح اللي عملته.
ما وثقتش فيه على طول.
كان سهل جدًا إنه يكون بيحاول يكسبني في صفه، خصوصًا بعد ما عرف إن جدتي اختارتني أتابع شؤونها الخيرية.
فسألته
إنت عايز تصلح غلطك عشان ندمان، ولا عشان خايف على نصيبك من البيت؟
السؤال ضايقه، لكنه ما هربش منه.
قال
لو قلتلك إني مش خايف، هبقى بكدب. أنا طول عمري كنت بحسب كل حاجة بالمكسب والخسارة. حتى علاقتي بأمي. بس لما سمعت التسجيل، افتكرت يوم ما أبويا مات، وأمي كانت بتبيع آخر حاجة عندها عشان تخليني أكمل تعليمي. وساعتها حسيت إني بقيت الشخص اللي أبويا كان خايف منه.
ما سامحتوش في اللحظة دي.
لكن طلبت منه يعمل حاجة واحدة.
قلت
لو عايز تثبت إنك اتغيرت، ما تجيش لي أنا. روح لأمك، واقعد معاها، واعتذر لها من غير ما تجيب سيرة البيت ولا الورث.
هز راسه ومشي.
وما كنتش متأكدة إذا كان هينفذ كلامي ولا لأ.
بعد أسبوعين أول اعتذار حقيقي
يوم الجمعة، كنت عند جدتي، وفجأة سمعت صوت خالي محمود داخل من الباب.
كان جاي لوحده، من غير هدايا، ومن غير ما يتكلم عن البيت.
دخل المطبخ، لقى جدتي بتحاول تحط صينية الشاي على الترابيزة.
أسرع ناحيتها وشال الصينية من إيدها.
قال
سيبيها يا أمي، أنا أعمل الشاي.
جدتي بصت له باستغراب، لكنها ما علقتش.
قعدوا سوا في الصالة، وفضلوا يتكلموا عن حاجات قديمة. عن جدي، وعن أيام المدرسة، وعن أول مرتب قبضه محمود، وعن اليوم اللي جدتي باعت فيه دهبها عشان تساعده.
وفجأة، خالي حط راسه بين إيديه وعيط.
سامحيني يا أمي. أنا عارف إني وجعتك.
جدتي مدت إيدها ومسحت على شعره، زي ما كانت بتعمل وهو طفل.
قالت
أنا مسامحاك يا محمود. بس المسامحة مش معناها إننا نمسح اللي حصل من ذاكرتنا. معناها إننا ندي نفسنا فرصة نعيش أحسن من اللي فات.
من اليوم ده، بدأ محمود ييجي لها كل أسبوع.
مش كل مرة كان بييجي فيها يبقى مثالي، ومش كل خلاف قديم اختفى فجأة، لكنه بدأ يتعلم يسمع قبل ما يطالب، ويسأل عن احتياجات أمه قبل ما يسأل عن ممتلكاتها.
وبعده بشهر، عمتي سعاد بدأت تيجي هي كمان.
في الأول كانت بتقعد نص ساعة وتمشي، وبعد كده بقت تقعد لحد المغرب، وتساعد جدتي في المطبخ، وتحكيلها عن ولادها.
وماما اعترفت إنها كانت مقصرة هي كمان، وإنها كانت بتبرر لنفسها غيابها بأنها مشغولة.
أما باقي إخواتهم، فاحتاجوا وقتًا أطول.
واحد منهم فضل شايف إن اللي حصل إهانة ليه، ورفض يزور جدتي لشهور.
لكن جدتي ما جريتش وراه، ولا استخدمت البيت وسيلة للضغط عليه.
كانت تقول
الباب مفتوح للي عايز يدخل، لكن أنا مش هفضل واقفة على الباب أترجى حد يفتكرني.
والغريب إن الجملة دي كانت أقوى من أي تهديد.
لأنها كانت أول مرة جدتي تختار نفسها من غير ما تحس بالذنب.
المفاجأة الأخيرة البيت اللي اتخانقوا عليه بقى سبب في لمّ العيلة
بعد حوالي ست شهور، جدتي طلبت مني أروح معاها عند المحامية.
كانت عايزة تنظم أوراقها بشكل نهائي، وتتأكد إن كل حاجة هتتنفذ بطريقة قانونية وواضحة.
المحامية راجعت المستندات معاها، وشرحت لها الخيارات المتاحة، وساعدتها توثق رغباتها بالطريقة المناسبة.
جدتي قررت إنها تحتفظ بملكيتها وحقها الكامل في البيت طول حياتها، وإن أي تصرف في الممتلكات بعد وفاتها هيكون وفقًا
للمستندات القانونية الصحيحة، مع مراعاة حقوق الورثة المقررة قانونًا.
أما جزء من مدخراتها، فخصصته لدعم مشروع خيري صغير كانت بتحلم بيه من سنين مكان يقدم وجبات ومساعدة لكبار السن اللي عايشين لوحدهم في المنطقة.
ما كانش مشروع ضخم، ولا مؤسسة بملايين الجنيهات.
لكنه كان مشروعًا يشبهها.
بسيطًا، دافئًا، ومبنيًا على فكرة إن الإنسان ما ينفعش يفضل لوحده لمجرد إن سنه كبر أو إن ظروفه صعبت.
وأنا وافقت أساعدها في متابعة المشروع، مع وجود حسابات واضحة وتقارير منتظمة، زي ما المحامية نصحتنا.
لكن جدتي فاجأتني بحاجة تانية.
طلبت من كل أولادها الستة ييجوا البيت يوم الجمعة.
ولما اتجمعوا، قالت لهم
أنا مش هطلب منكم تتفقوا على كل حاجة. ولا هطلب منكم تنسوا الخلافات القديمة في يوم وليلة. لكن عندي طلب واحد.
كلهم بصوا لها.
قالت
عايزاكم تختاروا يوم في الأسبوع، تتجمعوا فيه هنا. مش عشان أنا عندي بيت، ولا عشان فيه فلوس، ولا عشان حد مستني ميراث. عايزاكم تيجوا عشان البيت ده يفضل بيت عيلة، طول ما أنا عايشة.
في البداية، ما حدش رد.
ثم خالي محمود قال
كل يوم جمعة يا أمي، هتلاقينا هنا.
عمتي سعاد ابتسمت وقالت
وأنا هجيب الأكل.
ماما ضحكت وسط دموعها
لأ، المرة دي كل واحد يجيب حاجة، عشان ما نتعبكيش.
جدتي ضحكت ضحكتها القديمة، اللي كنت فاكرة إنها اختفت للأبد.
وقالت
أهو ده الكلام اللي يفرّح القلب.
ومن الجمعة دي، البيت بدأ يرجع له صوته.
الأحفاد بقوا ييجوا بعد المدرسة والجامعة، والأولاد اتعودوا يقعدوا سوا، وحتى اللي كان رافض يزور جدتي بدأ يظهر بالتدريج، بعد ما فهم إن مفيش حد بيحاول يحرمه من حقه، وإن المشكلة من البداية ما كانتش في البيت، لكن في الطريقة اللي تعاملوا بيها مع أمهم.
والمهم إن جدتي ما رجعتش تديهم كل حاجة زي زمان لمجرد إنهم رجعوا.
بقت تساعد اللي محتاج فعلًا، وتقول لأ لما تكون مش قادرة، وتطلب منهم يساعدوها من غير ما تحس إنها بتتقل عليهم.
ولأول مرة في حياتها، بقت هي كمان تتدلّع على ولادها.
تطلب من محمود يوديها للدكتور، ومن سعاد تعمل لها أكلة بتحبها، ومن ماما تقعد جنبها شوية بدل ما تمسك التليفون.
وكانت بتفرح بالحاجات الصغيرة دي أكتر من أي هدية غالية.
بعد سنة احتفلنا بعيد ميلادها ال
في عيد ميلاد جدتي الواحد بعد المية، اتجمعنا كلنا في نفس البيت.
نفس السفرة.
نفس الكراسي.
ونفس التورتة اللي كنا نسينا نقطعها في عيد ميلادها اللي فات.
لكن المرة دي، ما كانش فيه حد بيتكلم عن الميراث.
خالي محمود كان واقف بيصب الشاي، وعمتي سعاد بتوزع الأكل، وماما قاعدة جنب جدتي بتظبط لها الشال على كتفها.
أما أنا، فكنت واقفة بعيد شوية، ببص للمشهد وقلبي مليان امتنان.
جدتي نادتني.
تعالي يا بنتي، اقعدي جنبي.
قعدت، فمسكت إيدي وسألتني
فاكرة العلبة اللي حطيتيها على السفرة السنة اللي فاتت؟
ضحكت وقلت
أنساها إزاي يا تيتة؟ دي كانت هتخليني أخرج من البيت مطرودة!
ضحكت من قلبها، وبعدين بصت لأولادها اللي كانوا قاعدين حواليها.
قالت
أنا كنت
فاكرة إن العلبة دي هتكشف لي مين الطماع فيكم، لكن اكتشفت حاجة أهم.
سألتها
إيه هي؟
ردت
إن الناس ممكن تتغير، بس لازم تبقى مستعدة تواجه نفسها الأول. والبيت لوحده ما يقدرش يلمّ العيلة، لو القلوب مش عايزة تتلمّ.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أنا مش عايزة حد فيكم يفتكر إني نسيت اللي حصل. أنا فاكرة كل كلمة. بس مش هفضل أعيش عمري كله أسيرة للي وجعني. أنا عندي مية سنة وواحد، ولسه عندي أيام عايزة أفرح بيها.
في اللحظة دي، خالي محمود قرب منها، وباس راسها وقال
حقك علينا يا أمي.
واحد ورا التاني، كلهم قربوا منها.
حتى اللي كانوا أقل ناس في الزيارة، بقوا حريصين إنهم ييجوا ويقعدوا معاها.
مش لأنهم بقوا ملائكة، ولا لأن خلافاتهم اختفت تمامًا، لكن لأنهم أخيرًا فهموا إن الوقت اللي بيضيع مع شخص بتحبه، مش دايمًا بيكون فيه فرصة تعوضه.
بعد ما قطعنا التورتة، جدتي طلبت مني أجيب العلبة الكبيرة.
جبتها وحطيتها قدامها.
بصت لأولادها الستة، وبعدين قالت
النهارده بقى، أنا عايزة كل واحد فيكم يحط جواها ورقة.
خالي محمود سألها
نكتب إيه يا أمي؟
قالت
اكتبوا حاجة واحدة نفسكم تعملوها معايا قبل ما العمر يجري أكتر. مش حاجة تشترُوها، ولا فلوس تدفعوها. وقت، أو مشوار، أو ذكرى عايزين نعيشها سوا.
بدأوا يكتبوا.
واحد كتب إنه نفسه يخرج معاها على النيل.
والتانية كتبت إنها عايزة تعمل معاها وصفة الأكل اللي كانت بتعملها زمان.
وماما كتبت إنها عايزة تقضي معاها يومًا كاملًا من غير موبايل ولا شغل.
أما خالي محمود، فكتب إنه نفسه يسمع حكايات جدي كلها، من أول يوم اتجوزوا فيه لحد آخر يوم عاشه.
جدتي كانت بتقرأ الأوراق، وتضحك وتعيط في نفس الوقت.
وبعدين طلبت مني أكتب أنا كمان.
مسكت القلم، وكتبت
نفسي أفضل أسمع صوتك وإنتِ بتناديني يا بنتي.
لما قرأت الورقة، ضمتني لحضنها وقالت
طول ما أنا عايشة، هتفضلي تسمعيها.
ما كنتش أعرف إن اللحظة دي هتفضل محفورة في ذاكرتي أكتر من أي حاجة تانية حصلت في البيت.
لأن بعد شهور طويلة، وفي صباح هادي من أيام الشتاء، جدتي فاطمة نامت نومها الأخير.
كانت محاطة بأولادها وأحفادها، بعد ما قضت أيامها الأخيرة في بيتها، وسط الناس اللي بتحبهم، ومن غير ما تضطر تسأل نفسها إذا كان حد هيفتكر يزورها.
رحلت عن عمر 101 سنة، بعد حياة طويلة مليانة تعب وتضحيات، لكن نهايتها كانت أهدى وأحنّ مما كنت أخاف.
وفي يوم العزاء، البيت كان مليان ناس، والكل بيحكي موقفًا من مواقفها، أو يفتكر كلمة قالتها له في وقت كان محتاجها فيه.
ما حدش فتح موضوع الميراث.
ولما جه وقت إنهاء الإجراءات القانونية الخاصة بتركتها، اتعاملنا مع الأمر بهدوء، عن طريق المحامية، وبما يتفق مع القانون والحقوق المقررة لكل طرف.
ما كانش فيه انتقام سري، ولا حرمان تعسفي، ولا معركة جديدة.
كان فيه أوراق واضحة، وحقوق اتحددت، ومشروع خيري كمل طريقه بدعم العيلة.
أما البيت، ففضل موجودًا، واتفقنا إن ذكرياته تفضل جزءًا من حياة أحفادها، وإن أي قرار يخص مستقبله يتاخد بالطرق القانونية الصحيحة، بعيدًا عن الخناقات والضغوط.
وبعد العزاء بأسبوع، رجعت البيت لوحدي.
دخلت الصالة، وبصيت على الكرسي اللي كانت جدتي بتقعد عليه.
كان فاضي.
قعدت مكانها، وفتحت العلبة للمرة الأخيرة.
لقيت تحت الملفات ورقة صغيرة ما كنتش شفتها قبل كده.
كانت بخط جدتي، ومكتوب فيها
يا بنتي، لو وصلتي للورقة دي بعد ما أمشي، افتكري إن أغلى حاجة سبتها لكم مش البيت، ولا الفلوس، ولا الأوراق. أغلى حاجة هي إنكم عرفتوا إن الوقت اللي بنقضيه مع اللي بنحبهم أغلى من أي ميراث.
ولو في يوم اختلفتوا تاني، افتحوا العلبة، واقروا الكلام ده قبل ما ترفعوا صوتكم على بعض.
أنا مش عايزاكم تفتكروني يوم ما تتخانقوا على حقي.
عايزاكم تفتكروني يوم ما تتجمعوا عشان بتحبوا بعض.
ضممت الورقة لصدري، وفضلت قاعدة شوية في هدوء.
وبعدين قفلت العلبة، وحطيتها في مكانها.
ومن يومها، كل ما حد يسألني إيه اللي كان جوه الصندوق وخلى ولاد جدتي يصرخوا في وشي يوم عيد ميلادها المية، بقول له
ما كانش سرًّا عن ثروة مخفية، ولا كنزًا تحت الأرض. كان مرآة خلت كل واحد فيهم يشوف نفسه على حقيقتها.
واللي اتغير فيهم ما كانش بسبب الخوف من خسارة البيت، لكن
بسبب إنهم أخيرًا فهموا إن أمهم كانت عايشة وسطهم، ومع ذلك كانت حاسة إنها لوحدها.
أما أنا، فتعلمت من جدتي فاطمة درسًا عمري ما هنساه
ما تستنّاش لحد ما الشخص اللي بتحبه يمشي من الدنيا عشان تكتشف إنك كنت تقدر تزوره، وتسمع صوته، وتقعد جنبه عشر دقايق زيادة.
لأن البيوت ممكن تتقسم، والفلوس ممكن تخلص، والأوراق ممكن تضيع
لكن الحضن اللي اتأخرت عليه، والكلمة الحلوة اللي ما قلتهاش، والزيارة اللي فضلت تأجلها
ممكن ييجوا يوم، وما تلاقيش فرصة تعوضهم أبدًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *