في عيد ميلاد جدتي
بصتلها بحزن.
أنا ما فتحتش الموضوع ده عشان الفلوس يا سعاد. أنا عمري ما استنيت منك فلوس. أنا كنت مستنية بس تيجي تقعدي معايا ساعة من غير ما تبصي في الساعة كل شوية عشان تمشي.
الجملة دي كانت أقسى من أي مستند.
لأنها كانت الحقيقة اللي ما حدش يقدر ينكرها.
لكن خالي محمود ما استسلمش.
قام من مكانه، وشاور على الأوراق وقال
حتى لو كل ده حصل، ده ماضي! ما ينفعش تستخدموا حاجات قديمة عشان تحرمونا من حقنا.
وقتها، جدتي رفعت عينيها ليه وقالت
مين قال إني هحرمكم من حقكم؟
كلنا بصينا لها.
ابتسمت ابتسامة حزينة، ثم أشارت إلى العلبة.
لسه ما شفتوش أهم حاجة.
المفاجأة التالتة ليه جدتي اختارتني أنا؟
مدت جدتي إيدها، وطلعت من جيب فستانها مفتاحًا صغيرًا.
حطته قدامي.
وقالت
افتحي الصندوق الصغير اللي تحت الورق.
ما كنتش واخدة بالي إن فيه درجًا مخفيًا جوه العلبة الكبيرة.
فتحت الدرج بالمفتاح، ولقيت جواه فلاشة صغيرة، وصورة لجدتي مع جدي قدام البيت، وخطاب مختوم من محامية.
خالي محمود مد إيده تاني، لكن المرة دي جدتي نفسها زعقت فيه
قلتلك ما تلمسش حاجة!
اتراجع في مكانه.
أنا طلعت الخطاب وبدأت أقرأ.
كان عبارة عن إفادة من المحامية بتقول إن جدتي عملت توكيلات وإجراءات قانونية لتنظيم شؤون البيت ومدخراتها، وإن فيه مستندات إضافية بتحدد رغبتها في استخدام جزء من أموالها لرعاية نفسها وتأمين احتياجاتها في كبر سنها.
وكان فيه كمان مستندات تخص جمعية خيرية محلية، كانت جدتي بتدعمها من سنين من غير ما حد يعرف.
رفعت عيني بدهشة.
تيتة إنتِ بتتبرعي بفلوس كل شهر؟
ابتسمت.
أيوه يا بنتي. من زمان.
سألتها
طب ليه ما قولتيش لحد؟
قالت
عشان الخير لما بيتعمل عشان الناس تتكلم عنه، بيبقى فيه حاجة ناقصة. أنا كنت بشوف أطفال أيتام محتاجين لبس ومدارس، وستات كبار قاعدين لوحدهم زيي، ومش لاقيين حد يسأل عليهم. فكنت بساعد على قد ما أقدر.
ثم بصت لأولادها الستة.
كنت أتمنى أشوفكم بتعملوا كده من نفسكم، مش عشان أقولكم.
رجعت بصيت للمستندات، ولاحظت إن فيه خطابًا منفصلًا خاصًا بيا.
كان مكتوب فيه إن جدتي اختارتني أكون الشخص المسؤول عن متابعة تنفيذ رغباتها الخيرية، بالتنسيق مع المحامية، لو أنا وافقت.
ما كانش فيه وعد ببيت، ولا مبلغ ضخم، ولا ميراث سري هينقلني من الفقر للثراء في لحظة.
كان فيه مسؤولية.
مسؤولية كبيرة.
ومش عارفة ليه، حسيت إنها أغلى من أي ميراث ممكن آخده.
خالي محمود سخر من الموقف وقال
يعني كل ده عشان تديها هي مسؤولية فلوسك؟ إحنا ولادك يا أمي!
جدتي ردت من غير ما تتردد
أيوه، إنتوا ولادي. وعشان كده أنا بحبكم، رغم كل اللي وجعني منكم. لكن أنا اخترتها لأنها الوحيدة اللي كانت بتيجي لي من غير ما تحتاج مني حاجة.
ثم سكتت لحظة، وأضافت
أنا مش بكافئها عشان بتحبني، ولا بعاقبكم عشان قصرتوا. أنا بس بختار الشخص اللي أثق إنه هينفذ اللي أنا عايزاه، من غير ما يحوّل الموضوع لمعركة على الفلوس.
ماما غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.
أما أنا، فكنت حاسة إن قلبي بيتعصر.
لأن الحقيقة إنني ما كنتش عايزة أي حاجة من جدتي.
كنت أتمنى بس تفضل موجودة، ونقعد سوا نشرب الشاي، ونختلف على حكاياتها القديمة، وأرجع أسمع صوتها وهي بتناديني من أوضتها.
لكن قبل ما أقول أي كلمة، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
الفلاشة اللي قلبت الليلة كلها
المحامية وصلت بعد حوالي عشر دقايق، بناءً على اتفاق سابق مع جدتي.
دخلت وهي شايلة ملفًا أسود، وسلمت على الموجودين، وبعدين قعدت جنب جدتي.
خالي محمود سألها بحدة
حضرتك جاية ليه؟ وإيه كل الورق ده؟
ردت بهدوء
أنا موجودة بناءً على طلب موكلتي. وهي طلبت مني أحضر احتفال النهارده تحسبًا لأي أسئلة بخصوص ممتلكاتها ورغباتها القانونية.
عمتي نجلاء سألت
يعني ماما كتبت البيت للبنت دي؟
المحامية ردت بحزم
لازم نفرّق بين الملكية الحالية، وأي وصية صحيحة، وأي تعليمات تخص إدارة الأموال. مش هينفع أقول إن البيت انتقل لحد من غير ما نراجع المستندات والإجراءات المطلوبة. لكن أقدر أؤكد لكم إن مدام فاطمة صاحبة القرار في شؤونها طالما متمتعة بأهليتها القانونية، وإن مفيش حد منكم يملك حق يجبرها على بيع بيتها وهي عايشة.
خالي محمود حاول يقاطعها، لكنها كملت
وكمان هي طلبت مني أوضح إن أي تصرف في ممتلكاتها هيكون وفقًا للقانون، وإن محدش يقدر يضغط عليها أو يهددها عشان يغيّر قرارها.
هنا، بصيت لجدتي.
كانت قاعدة مستقيمة، ووشها هادي بشكل غريب.
وبعدين أشارت للفلاشة.
شغّليها يا بنتي.
وصلت الفلاشة بالتلفزيون الصغير الموجود في الصالة.
ظهرت صورة جدتي على الشاشة، قاعدة في نفس الكرسي اللي كانت قاعدة عليه قبل الحفلة بأيام.
كانت بتتكلم بهدوء، وبتبص مباشرة للكاميرا.
قالت في التسجيل
أنا فاطمة عبدالسلام، عندي مية سنة، وعايزة أقول كلمتين لولادي الستة، وأحفادي كلهم.
الكل سكت.
حتى محمود اللي كان طول الوقت بيعترض، قعد وبص للشاشة.
جدتي في التسجيل كملت
أنا عارفة إن عمري كبير، وإنكم بتفكروا في اليوم اللي همشي فيه من الدنيا. وده حقكم، لأن الموت حقيقة على كل بني آدم. لكن اللي مش حقكم إنكم تتعاملوا معايا كأني متّ بالفعل، وأنا لسه قاعدة قدامكم.
عمتي سعاد بدأت تعيط.
أنا قضيت عمري أربيكم، وكل واحد فيكم كان له مكان في قلبي. لما كنتوا صغيرين، كنتوا بتخافوا من المرض، وكنتوا تيجوا تستخبوا في حضني. ولما كبرتوا، بقيتوا تخافوا من الفقر، فكنتوا تيجوا تطلبوا مني المساعدة. وأنا ما رديتش حد فيكم.
سكتت جدتي في التسجيل، ومسحت عينيها بمنديل.
ثم قالت
لكن لما كبرت أنا، وبقيت أنا اللي محتاجة حضن وكلمة حلوة وزيارة، لقيت البيت بقى واسع أوي عليّا. بقيت أستنى رنة التليفون، وأفرح لما حد يسألني أكلتي ولا لأ. وأوقات كنت أجهز الأكل من بدري، على أمل إن واحد فيكم ييجي يفطر معايا، وبعدين ألاقي النهار
خلص وأنا قاعدة لوحدي.
ماما انفجرت في البكاء.
وخالي محمود غطى وشه بإيده.
أما جدتي، ففضلت تتكلم
أنا مش عايزة أحرج حد، ولا أقول إنكم ولاد وحشين. أنا عارفة إن الدنيا صعبة، وكل واحد عنده شغل ومسؤوليات. لكن الزيارة مش محتاجة فلوس، والمكالمة مش محتاجة مجهود كبير. أنا كنت محتاجة أحس إني لسه أمكم، مش مجرد اسم في شهادة الميلاد.
ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة لجدتي مع أولادها الستة، وهما أطفال، قاعدين قدام البيت.
وقالت
عشان كده، قررت إن البيت يفضل طول ما أنا عايشة مكاني الآمن. محدش يبيع، ومحدش يضغط عليّا، ومحدش يقرر بدالي. وأي قرار بعد وفاتي هيتنفذ وفقًا للقانون والمستندات الصحيحة، مش حسب مين صوته أعلى.
وبعدين ابتسمت.
أما بالنسبة للبنت اللي كانت بتيجي لي كل أسبوع، فهي عارفة إني مش محتاجة منها حاجة غير إنها تفضل بنت أصول. وأنا اخترتها تساعدني في متابعة شغلي الخيري، لأنها أثبتت بالفعل إنها قد المسؤولية.
وقبل ما التسجيل يخلص، جدتي قالت جملة خلتني أعيط زي طفلة
يا ولادي، أنا مش مستنية منكم تتخانقوا عشان البيت. أنا مستنياكم تتجمعوا فيه وأنا لسه موجودة.
وانتهى التسجيل.
التلفزيون رجع للشاشة السوداء.
وما حدش اتكلم.
لأول مرة من ساعة ما الحفلة بدأت، ما كانش فيه صوت غير البكاء الخافت.
لكن الصمت ما استمرش طويلًا.
لأن خالي محمود قام فجأة، وقال بصوت متوتر
أنا مش مقتنع بكل ده. ومش هسيب حقي يضيع.
المحامية بصت له وقالت
حقك القانوني محفوظ، لكن مفيش حق في إجبار والدتك على بيع بيتها أو التصرف في أموالها وهي على قيد الحياة. ولو عندك اعتراض محدد، تقدر تسلك الطرق القانونية.
بص لخالاتي وأخوالي، مستني حد يقف في صفه.
لكن محدش اتحرك.
حتى عمتي سعاد اللي كانت أول واحدة تطالب بالبيت، كانت قاعدة بتعيط ومش قادرة ترفع عينيها.
خالي بصلي وقال
إنتِ السبب في كل اللي حصل ده.
كنت هرد، لكن جدتي سبقتني.
لأ يا محمود. السبب مش هي. السبب إنكوا نسيتوا أنا مين.
لكن اللي حصل بعد كده كان أصعب من أي خناقة
بعد ما الضيوف مشيوا، فضلت أنا وجدتي وماما والمحامية قاعدين في الصالة.
كان المفروض نحتفل بعيد ميلادها ونقطع التورتة، لكن التورتة فضلت مكانها، والشموع ما