رجعت بعد سنتين غربه وشقى
رجعت بعد سنتين غربة وشقا، وفاكر إن عيالي مستنييني في حضن أمهم.. بس لقيتهم لوحدهم في البيت، التلاجة فاضية ومفيش لقمة، وكلب بلدي حارس الباب بيموت من الجوع.. بنتي الصغيرة قالت لي بدموع ماما مشيت وأنا اللي خدت بالي من أخويا الصغير، ولما فتحت جواب البنك اللي تحت الباب، عرفت إن المصيبة الكبيرة لسه جاية في السكة!
أمك سابتكم وقالت إنها مش قادرة تشيل شيلتكم أكتر من كده!.. دي كانت أول كلمة خبطت في ودان القائد جلال وهو لسه حاطط رجله في بيته بعد غياب قارب السنتين، سنتين قضاهم في مأموريات صعبة وعمليات خطيرة في سيناء، مكنش فيه أحضان ولا لقمة سخنة مستنياه، ولا لمة عيلة تفتح النفس في الصالة.. مكنش فيه غير بنته مريم اللي عندها ١٠ سنين، واقفة عند المدخل وبعيون كحلها التعب والكسرة، ومتبتة في أخوها الصغير يوسف كأنها أمه مش أخته، وجنبهم رعد، كلب الحراسة القديم بتاع البيت، كان جسمه خاسس وجلد على عظم بس واقف بيحرسهم وبيرر بضعف، كأنه لسه بيدافع عن بيت الدنيا كلها نسيته وهجرته.
جلال رمى شنطة الميري من إيده وصوته اترعش من الخضة مريم.. أمال أمك فين يا بنتي؟!، البنت وطت رأسها في الأرض ودموعها نزلت مشيت يا بابا.. سابتنا من شهور، قالت إنها رايحة تبدأ حياتها من جديد.. أنا قلت هترجع تاني بس مرجعتش خالص.
جلال حس إن الأرض بتلف
بيه وبتتشق تحت رجليه؛ هو اللي عاش ليالي ضلمة من غير نوم، وشاف الخوف والموت بعينه واستحمل البرد والأوامر الصعبة في الخدمة.. بس مفيش رصاصة هزته زي منظر بنته الصغيرة وإيديها الناشفة ومريلة مدرستها المتقطعة، والوجع الأكبر كان علامات الكبر والعجز اللي في وشها، وهو سن مش سنها خالص! خطى جوة البيت براحة، ريحة المكان كانت كتمة ورطوبة وتراب، في المطبخ كان فيه طبقين وحلة فيها شوية رز شايطين وناشفين، والتلاجة مفيهاش حتى بق مياه، وعلى الترابيزة لقى كشكول مريم بتاع المدرسة، ومكتوب فيه موضوع تعبير بعنوان عيلتي.. كانت راسم فيه أبوها بعيد وعليه لبس الجيش، وطفل صغير، وكلب كبير، ورسمت نفسها في النص ومادة إيديها كأنها هي اللي شايلة البيت كله فوق كتافها!
حط إيده على بقه وعينه دمعت بس حبس الكسرة عشان ميتكسروش قدامه، وسألها وصوته مخنوق مين كان بيأكلكم يا مريم؟!، مريم حضنت أخوها الصغير يوسف أكتر وقالت ساعات طنط صباح جارتنا كانت بتجيب لنا شوية فول، وساعات كنت ببيع أكياس غزل بنات في المدرسة، ورعد كان بيوقف على الباب ويخوف أي حد غريب يجي يخبط عشان عاوز فلوس.. يوسف الصغير اللي لسه مش بيعرف يجمع الكلام، استخبى ورا رجل أخته وهمس ببراءة قطعت قلب أبوه ماما قالت مريم بقت كبيرة خلاص تشيلك.
غمض عينه والكلمة دي كانت أصعب من طعنة خنجر، الليلة دي حما عياله وعمل لهم شوية بيض باللي لقاه، ونام قاعد جنب سريرهم لأن يوسف كان بيصرخ ويمسك فيه لو سابه ثانية واحدة، ورعد نام عند عتبة الأوضة كأنه أخيراً اطمن إن فيه راجل في البيت وهيحرسهم، الصبح راح جلال على المدرسة، مديرة المدرسة قابلته بنظرة كلها لوم وعتاب وراحة في نفس الوقت يا سيادة القائد، بنتك كانت بتيجي بقالها شهور وهي سحبة أخوها في إيدها، تدخله حضانة المدرسة وبعدين تروح فصلها، ومكنتش بتشتكي ولا تطلب حاجة، كانت دايماً تقول ماما مشغولة، المدرسة طلعت له كشكول قطع قلبه مية حتة؛ تقارير كتير مش ممضية، ومصاريف متأخرة، وورقة صغيرة مريم كاتبة فيها بخط إيدها محدش يقول لبابا عشان بابا بيحمي الناس برة.
خرج من المدرسة وهو كازز على سنانه وإيديه متكتلة، وحلف بحق الأيام المفترجة إن عياله مش هيجوعوا ولا يخافوا تاني طول ما هو عايش، بس أول ما وصل باب البيت، لقى الصدمة اللي وقفت عقله تماماً؛ ظرف بنكي أصفر محطوط تحت الباب ومكتوب عليه اسمه.. ولما فتحه لقى إخطار بطرد العيلة من البيت فوراً بسبب ديون وقروض هو معمرهاش ما مضى عليها ولا يعرف عنها حاجة!
والكابوس الحقيقي لسه هيبدأ حالا والسر الأسود على وشك إنه ينكشف..
يا ترى فريدة أم العيال راحت فين وسابتهم يواجهوا الموت والجوع لوحدهم؟ وإيه حكاية الديون والورق اللي في البنك اللي هيدمر مستقبل القائد جلال وعياله؟ ومين الراجل اللي أمهم مشيت معاه وإيه علاقته باللي بيحصل؟