عايزك تتحممي
عايزاكي تحمّمي الست دي في البانيو بتاعنا. وماتناديش حد من الخدم إنتِ اللي تعملي ده.
بصيت لجوزي كأني مش مصدقة اللي سمعته.
أنا اسمي مريم، عندي 36 سنة، ومتجوزة كريم بقالنا 15 سنة. وكنت لحد اليوم ده فاكرة إني عارفة جوزي كويس جدًا.
كريم كان صاحب كذا شركة مقاولات كبيرة في القاهرة، وفلوسه كتير لدرجة إن عمرنا ما كنا بنفكر في تمن أي حاجة. لكن كان عنده عيب بيجنني
لما يحط حاجة في دماغه، محدش يقدر يغيّر رأيه.
الأسبوع ده كان قرر يشارك في مبادرة لإطعام الغلابة حوالين محطة رمسيس. وقال إنه زهق من إنه يتبرع بفلوس وخلاص عشان يتصوروا معاه كام صورة، وإنه عايز ينزل بنفسه ويشوف الناس اللي بيساعدهم.
أنا بصراحة ماكنتش متحمسة.
قلت له وقتها
ماشي، في ناس فعلًا محتاجة مساعدة بس برضه في ناس بتختار تعيش في الشارع.
ماكنتش أعرف إن الجملة دي هتفضل تطاردني بعد كده.
كان سهل جدًا أقول الكلام ده وأنا قاعدة في بيتي المكيف، والخدامة بتحضرلي الفطار، والسواق مستنيني تحت.
ماكنتش فاهمة حاجة.
لحد ما رجعت من الغدا مع صحابي في نفس اليوم، وفتحت باب البيت
ولقيت كريم واقف في الصالة جنب ست شكلها عايشة في الشارع بقالها سنين.
شعرها كان منكوش ومتلبك، وشها مليان تراب، وهدومها القديمة كانت طالعة منها ريحة قوية لدرجة إني من غير ما أحس
حطيت إيدي على مناخيري.
بصيت لكريم باستغراب
هي بتعمل إيه هنا؟
الست وطّت راسها في الأرض.
كريم رد بمنتهى الهدوء
اسمها نور.
بصيت له بحدة.
اسمها نور فعلًا؟ ولا إنت اللي سميتها كده؟
سكت لحظة وقال
هي نفسها مش فاكرة اسمها الحقيقي.
افتكرت إنه بيهزر.
لكن الست بدأت تحكي بصوت واطي إنها من حوالي عشرين سنة وهي بتتنقل من مكان لمكان مرة تنام في محطة، ومرة في جنينة، ومرة في مبنى مهجور.
كل اللي فاكرينه إنها في يوم صحيت وسط أنقاض مبنى تحت الإنشاء.
ومن ساعتها
ولا فاكرة أهلها.
ولا اسمها.
ولا عنوانها.
ولا حتى عندها ورقة تثبت هي مين.
ولا أي حاجة.
كريم كان قابلها وهي بتساعد في توزيع الأكل.
وقال لي
أنا عايز أطلع لها ورق، وأعرف أهلها لو ليها حد، وألاقي لها مكان تعيش فيه. ولحد ما نعرف نعمل ده هتقعد هنا.
اتخضيت.
هنا؟! في بيتنا؟!
أيوه.
وبعد كده إيه؟ نحول أوض الضيوف دار إيواء كمان؟
أول ما سمعت الست كلامي، اتحركت ناحية الباب.
خلاص أنا همشي. مش عايزة أعمل لكم مشاكل.
لكن كريم وقفها.
حضرتك مش هتروحي في حتة.
وبعدين بص لي.
مريم، كنت داخل أجهز لها الحمام. ساعديها تستحمى.
فتحت بوقي من الصدمة.
أنا؟!
أيوه، إنتِ.
ما إحنا عندنا ناس شغالة في البيت!
بص لي بثبات وقال
بالظبط. لو فعلًا شايفة إن مساعدة الناس حاجة مهمة، ابدئي إنك تعامليها كبني آدمة مش حاجة مقرفة تخلي حد تاني ينضفها مكانك.
كلامه وجعني.
لأني عارفة إنه كان قاصدني أنا.
طلعت معاها فوق وأنا بتمتم بيني وبين نفسي.
وأول ما دخلنا الحمام، لبست جوانتي تنظيف قبل ما أقرب منها.
وقلت لها
اخلعي الهدوم دي وحطيها في الكيس. دي هنرميها.
بصت لي بهدوء وقالت
أنا ممكن أستحمى لوحدي.
رديت ببرود
أنا أفضل أبقى معاكي عشان أتأكد إن مفيش حاجة هتبوظ.
لحد النهارده، كل ما أفتكر الطريقة اللي كلمتها بيها، بحس إني عايزة أرجع بالزمن وأضرب نفسي.
دخلت نور البانيو.
والمية بدأت تتغير لونها تدريجيًا.
أنا مسكت الإسفنجة، وحاولت على قد ما أقدر أخبي اشمئزازي، وبدأت أنضف كتفها.
وفجأة
ظهر شيء تحت طبقة التراب.
علامة صغيرة على شكل هلال.
الإسفنجة وقعت من إيدي.
حسيت إن نفسي اتقطع.
استني لفي.
بصت لي باستغراب.
في إيه؟
مسكت وشها وبدأت أمسح التراب عنه بسرعة، كأني خايفة أشوف اللي بدأ يظهر قدامي.
ومع كل طبقة تراب كانت بتتشال
وش الست العجوز بدأ يتغير.
كانت ست تعبانة، مرهقة، الزمن أكل من ملامحها كتير
لكن أنا كنت عارفاها.
مش عارفاها من قريب.
ولا من صورة شفتها صدفة.
أنا كنت عارفاها من عشرين سنة.
جسمي كله بدأ يترعش.
جريت ناحية التسريحة، فتحت درج قديم، وطلعت دلاية صغيرة كنت مخبياها من يوم ما كنت طفلة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها.
جواها كانت صورة قديمة جدًا
صورة لست شابة بتضحك وهي حضنة بنت صغيرة عندها عشر سنين.
البنت دي كانت
أنا.
بصيت لنور، وبعدين للصورة، وبعدين للعلامة اللي على كتفها.
نفس العلامة.
نفس الهلال.
شهقت، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
ماما
الست ثبتت مكانها.
إنتِ قلتي إيه؟
قربت منها وأنا بعيط.
اسمك الحقيقي مش نور.
سكتت.
مسكت إيديها.
وبصوت مكسور قلت
اسمك نورا إنتِ أمي.
فضلت تبص لي كأنها مش فاهمة أنا بقول إيه.
وبعدين قربت الصورة من عينيها.
أول ما شافتها
إيديها بدأت تترعش.
وشها اتغير.
وفجأة حطت إيدها على رأسها وصرخت
أنا أنا كنت أم!
لكن اللي اكتشفته بعدها بدقايق عن سبب اختفائها من عشرين سنة
خلاني أتمنى لو إني ما عرفت الحقيقة أبدًا.
لأن اختفاء أمي ماكانش حادثة عشوائية
حد كان متعمد يمحيها من حياتي.
الجزء الثاني الحقيقة اللي اتدفنت عشرين سنة
فضلت واقفة قدامها مش قادرة أتكلم.
أمي.
الست اللي قضيت عشرين سنة أفتكر إنها ماتت.
الست اللي كل ما أسأل أبويا عنها، كان يرد بجملة واحدة
أمك ماتت في حادثة وإحنا لازم ننسى.
لكنها كانت واقفة قدامي.
عايشة.
ومش بس عايشة
دي كانت بتبص لي بعينين مليانين خوف كأنها شافت شبح.
مسكت إيدي.
مريم؟
اتجمدت.
إنتِ فاكرة اسمي؟
هزت راسها ببطء.
فاكرة كنتِ صغيرة أوي. كنتِ بتحبي تنامي وإنتِ ماسكة صباعي.
انهرت في حضنها.
فضلنا نعيط كأن العشرين سنة اللي فاتوا اختفوا في لحظة واحدة.
لكن فجأة، أمي
لمحة نيوز