سر الام ج٢ منال علي
صوت أنفاس سامي كان طالع بالعافية، وعينيه كانت مبرقة في الباب كأنه شاف شبح.
أما حماتي، فوقفت متصلبة في مكانها، الصينية كادت تقع من إيديها، والضحكة اللي كانت مالية وشها اختفت واتبدلت پخوف حقيقي.
فضلت باصة لأمي ومش فاهمة حاجة.
أمي اتحركت بكل هدوء، شالت إيدي من على كتفها، وراحت ناحية الباب بخطوات ثابتة.
فتحت الباب…
وهنا ظهر الراجل اللي خلى الصالة كلها تتجمد.
بابا…
همست بالكلمة وأنا دموعي نزلت تلقائي.
الحاج عاصم.
أبويا… الراجل اللي هيبته بتسبقه في أي مكان يروحه، وصاحب الشركة والمصانع اللي سامي شغال فيها بقاله سنين، واللي لولاه مكانش سامي بقى له اسم ولا وضع في السوق.
كان واقف بهيبته
المعتادة، بدلته الأنيقة، وعينيه الحادة اللي بتبص لكل ركن في الشقة كأنه بيمسح المكان.
وجنبه كان واقف أخويا الكبير طارق، وملامحه مفيهاش ذرة رحمة.
حماتي أول ما شافتهم، حاولت تجمع شتات نفسها بسرعة، وابتسمت ابتسامة صفرا مرتعشة بقلم منال علي
يا ألف نهار أبيض! الحاج عاصم بنفسه منورنا! أهلاً يا حاج، اتفضل يا خويا اتفضل… يا سامي، وسّع لحماك!
سامي بلع ريقه بصعوبة، وخطى خطوة لقدام وإيده بتترعش
يا مرحب يا حاج… والله البيت نور… لو كنت أعرف إنك جاي كنت نزلت استنيتك تحت!
لكن بابا ما مدش إيده ولا حتى رد السلام.
عينيه نزلت على السفرة المليانة أكل…
وبعدين بص لأمي.
أمي كانت لسه لابسة مريلة
المطبخ، وإيديها مبلولة مية وصابون.
بابا سأل بصوت هادي، بس الصوت ده كان يرعب أكتر من أي زعيق
خير يا أم طارق؟ بتعملي إيه في المطبخ؟
أمي ابتسمت بهدوء وقالت
أبدًا يا حاج… كنت بغسل المواعين لحمات بنتك وسامي بيه، أصل الحاجة سنية قالتلي إني شاطرة في شغل البيت، وطلبت مني بعد ما أخلص أعملها الشاي.
الكلمة نزلت على سامي وأمه زي الصاعقة.
حماتي وشها اصفر وبدأت تلعثم
لا يا حاج… محصلش! دي الست أم طارق هي اللي دخلت من نفسها والله… إحنا بنعتبرها زي أختنا، وده هزار… مجرد هزار!
طارق أخويا قرب خطوة، وصوته كان مليان ڠضب
هزار؟! أمي أنا يتقالها ادخلي اغسلي المواعين واعملي الشاي؟! وهي سايباكي تاكلي وتكرعي
على السفرة وتضحكي؟!
سامي بص
لي بيترجاني بعينيه
ياسمين… فهمي والدك وأخوكي… مكنش قصدنا حاجة، ده سوء تفاهم!
أنا وقفت مستقيمة لأول مرة من شهور.
بصيت في عينيه ومردتش عليه، بصيت لبابا وقولت
أنا راجعة من الصبح بابني التعبان من المستشفى… ولا سألوا عنه، ولا حد فيهم سألني أكلت ولا لأ. أمي جات تطمن عليا، لقيتهم مخلينها تخدمهم كأنها شغالة عندهم… وأنا ساكتة ومستحملة الإهانة بقالي سنة يا بابا.
بابا فضل ساكت لثواني.
السكوت ده كان بيقطع في أعصاب سامي.
وبعدين بابا بص لسامي وقال بهدوء مخيف
الشقة دي… مين اللي شاريها من أول حجر لحد الفرش؟
سامي نكس راسه في الأرض
حضرتك يا حاج…
العربية اللي إنت راكبها وبتتباهى بيها قدام أهلك… باسم مين؟
صوت سامي كان طالع مېت
باسم الشركة…
المنصب اللي إنت ماسكه، والمرتب الكبير اللي بتاخده كل أول شهر عشان تعيش في المستوى ده… مين اللي ائتمنك عليه؟
سامي ماردش، وبدأ جسمه كله يرتجف.
بابا كمل وهو باصص في عينيه بقوة
أنا اديتك بنتي أمانة،
وحطيت في إيدك النعمة دي كلها عشان تصونها وتشيلها في عينيك. ما اديتهالكش عشان تدوس على كرامتها، ولا عشان تيجي حماتها تفتكر إنها تقدر تعامل أمها زي الخدامة.
حماتي حاولت تتدخل وهي بټعيط تمثيل
يا حاج عاصم… حقك عليا، أنا ست كبيرة ومقصدش…
أمي قاطعتها بصرامة
الست الكبيرة تحترم كرامة الناس عشان الناس تحترم شيبتها. إنتي فكرتي إن سكوت بنتي ضعف، وافتكرتي إن طيابة أصلنا قلة حيلة… وأنا سيبتك تفرشي كل اللي في بطنك عشان لما أقطع، أقطع بالدليل.
بابا بص لطارق وقال كلمة واحدة
اطلب المحامي.
سامي ركع تقريبًا على ركبه
أبوس إيدك يا حاج! بلاش المحامي… متخربش بيتي! ياسمين، قولي كلمة عشان خاطر ابننا!
بصيت لآدم اللي كان نايم في حضڼي ببرود غريب عليا.
الخۏف اللي كان في قلبي اتبدل بقوة أول ما حسيت بضهر يحميني.
قولت له
ابني هيكبر ويعرف إن أمه متهانتش… وإن كرامتها أغلى من أي بيت مزيف.
بابا بص لسامي وقاله بنبرة حاسمة مفهاش رجعة
قدامك إنت وأمك نص ساعة.