الزعيم اتنكر

زعيم أكبر عيلة في البلد تنكر في هدوم شحات عشان يعرف مين هيحبه بجد… لكن اللي حصل قلب حياته كلها
الناس كانت بتبصله باحتقار…
لحد ما بنت بسيطة وقفت قدامه.
وفي اللحظة دي، الراجل اللي البلد كلها بتهابه… نسي أصلًا ليه كان متنكر.
يا نهار إسود… هو المنظر ده واقف هنا ليه؟
قالتها واحدة لابسة فروة غالية بصوت عالي قدام مطعم فاخر في الزمالك، متعمدة إن كل اللي داخل واللي خارج يسمعها.
ماكانتش زلة لسان…
دي كانت عايزة تعمل شو قدام الناس.
كان الصبح بدري، ولسه الهوا فيه لسعة شتا، وريحت المطر اللي نزل بالليل مخلوطة بريحة القهوة الطازة والكرواسون اللي طالع من فرن المطعم. المكان من النوع اللي العربيات الفارهة واقفة قدامه صف، والجرسون يبص على اللبس والجزمة قبل ما يسألك عندك حجز ولا لأ.
جنب باب الخدمة وقف راجل هدومه مقطعة.
جاكته القديم متشقق من عند الكتف، دقنه طالعة بشكل عشوائي، شعره منكوش، وجزمته فاتحة من قدام كأنها هتتفك في أي لحظة. وإيده مكشوفة من البرد.
وقفت قدامه تلات بنات.
شنط ماركات…
برفانات تسبقهم…
وملامح كلها تكبر.
واحدة منهم قالت وهي طالعة موبايلها
حد يكلم الأمن… قبل ما يبدأ يشحت من الزباين.
التانية ضحكت بصوت عالي.
لكن الراجل ماطاطيش راسه.
وده كان أول غلطة في التنكر.
أي حد اتبهدل من الدنيا بجد بيتعلم يبص في الأرض… أو

يبص بعيد عن عيون الناس.
أما هو…
فكان واقف ثابت، باصص لقدامه، ولا كأن أي كلمة منهم لمسته.
هم كانوا شايفين هدوم مقطعة وبس.
مايعرفوش إن الراجل ده يقدر يشتري المطعم بكل اللي فيه، والعمارة اللي فوقيه كمان.
مايعرفوش إن صاحب المطعم نفسه بيبعتله كشف حساب كل تلات شهور.
ومايعرفوش إن الشخص اللي بيهينوه دلوقتي هو سليم الدمنهوري…
راجل عنده سبعة وتلاتين سنة…
اسمه لو اتقال في عالم رجال الأعمال أو عالم المافيا، ناس كتير بتسكت.
شركات…
فنادق…
أراضي…
مولات…
وسلطة تخلي أكبر رجال البلد يحسبوا كلامهم قبله.
لكن كل ده ماكانش فارق معاه.
لأنه اكتشف إن الناس كلها بتحبه عشان فلوسه.
خلع الساعة الغالية…
وساب العربية المصفحة…
وبعد الحرس…
ولبس هدوم واحد غلبان…
ونزل الشارع بنفسه.
كان نفسه يعرف…
هل فيه حد ممكن يشوف الإنسان اللي جواه… قبل ما يشوف رصيده في البنك؟
كان متوقع الإهانة.
ومتوقع التجاهل.
بس عمره ما توقع يقابل…
ملك.
كفاية.
الكلمة خرجت من باب المطعم.
هادية…
بس حاسمة.
بنت في آخر العشرينات خرجت لابسة يونيفورم الجرسونات، والمريلة البيضا عليها آثار شغل اليوم كله.
كعبها مهلوك…
إيديها محمرة من المواعين…
وخصلة شعر هربانة من الطرحة الصغيرة اللي رابطة بيها شعرها.
ريحة القهوة والصابون والعيش السخن كانت لسه فيها.
اسمها ملك الشاذلي.
عندها ستة وعشرين سنة.
التعب باين تحت عينيها…
بس فيه طيبة غريبة في وشها.
وقفت قدام سليم من غير تردد، كأنها بتحميه بجسمها.
البنت المتكبرة بصتلها من فوق لتحت وقالت بسخرية
آه… فهمت… واضح إن الزبالة بتدافع عن بعض.
ملك حتى ما رمشتش.
وقالت بهدوء
الريحة الوحشة الوحيدة هنا… هي طريقة كلامك.
الدنيا سكتت.
ناس بطلت تمشي.
عامل من جوه المطعم وقف يتفرج.
واحدة من البنات قالت بعصبية
إنتِ عارفة بتكلمي مين؟
ملك ردت
آه… أنا واحدة شغالة وبلقمة عيشي، وبعرف كويس أفرق بين ابن الأصول واللي الفلوس غطت على قلة تربيته.
البنت ضحكت باستخفاف.
إنتِ ماتفهميش الناس اللي زينا.
ابتسمت ملك ابتسامة خفيفة وقالت
ولا نفسي أفهم عالم بيقيس قيمة الإنسان باسم الماركة اللي لابسها. اللي يضحك على واحد جعان… يبقى أفقر واحد واقف هنا، مهما كان لابس دهب.
السكوت نزل على المكان كله.
مش سكوت احترام…
سكوت إحراج.
البنت مسكت شنطتها بعصبية وقالت
الموضوع مخلصش.
ملك بصتلها بثبات وقالت
اللي بيحرج نفسه… بيبقى هو اللي خلص.
لفوا التلاتة ودخلوا المطعم، والكعب بتاعهم بيخبط في الأرض بعصبية.
لما اختفوا…
لفت ملك ناحية الراجل.
كانت أول مرة تبصله كويس.
رغم هدومه المقطعة…
كان فيه هيبة غريبة في عينيه.
نظرة مش شبه أي حد شافته قبل كده.
وقفت ثانية…
وبعدين قالت بابتسامة بسيطة
استنى دقيقة.
دخلت المطعم.
وسليم فضل واقف مكانه.
حاسس بحاجة أول مرة يحسها.
مش خوف…
يمكن أمل.
بعد شوية رجعت.
في إيدها رغيف فينو طالع سخن، وكوباية قهوة سادة.
مدتهم له بإيديها.
وقالت
اتفضل… كل حاجة تدفيك. الجو أبرد مما الناس فاكرة.
بص للرغيف…
وبعدين بص لإيديها.
إيديها كانت مليانة آثار الشغل.
وفيها حرق صغير جنب صباعها.
سألها بهدوء
إنتِ دفعتي تمنهم من جيبك؟
ابتسمت وقالت
ما تكبرش الموضوع… ده مجرد رغيف وقهوة.
أخدهم منها.
دفا الكوباية وصل لإيده…
لكن الدفا الحقيقي وصل لقلبه.
هو مسك قبل كده عقود بمليارات…
ومفاتيح قصور…
وساعات تمنها يجيب عمارة.
ولا حاجة فيهم هزته…
زي رغيف عيش اشترته بنت غلبانة من مرتبها.
قال بصوت واطي
شكرًا.
هزت راسها وقالت
مافيش شكر على إنك تتعامل كبني آدم.
ولفت ودخلت المطعم تاني.
أما سليم…
ففضل واقف في مكانه، ماسك الرغيف والقهوة…
وبيسأل نفسه لأول مرة في حياته…
هو معقول يكون بعد كل السنين دي، لقى الحاجة الوحيدة اللي فلوسه كلها ماقدرتش تشتريها؟…. يتبع
وقفت في مكانها ثواني، ثم دخلت المطعم لتكمل عملها الشاق، بينما ظل سليم الدمنهوري واقفاً مكانه أمام الباب. شعرت أصابعه بسخونة القهوة، لكن قلبه كان هو الذي يغلي. لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر أن هناك شيئاً حقيقياً نقياً لا يمكن شراؤه بالمال.
وضع الكوباية والرغيف بعناية على طاولة حجرية قريبة، ورفع يده ليعدل جاكته المقطع، ثم أخرج هاتفه القديم الرخيص الذي وضعه في جيبه لهذا
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *