مكالمه اخر الليل ج٢ مشيره محمد
فضلت باصة للشاشة، وقلبي بدأ يدق بنفس الطريقة اللي دق بيها يوم سمعت إن جوزي مـ,ـات. الرقم كان مجهولًا. كنت على وشك أرفض المكالمة، لكن حاجة جوايا قالت لي أرد.— ألو؟سمعت صوت راجل كبير في السن، هادي ومتعب.
— آنا هاريس؟ تجمدت.— أيوه، مين معايا؟سكت ثواني، وبعدها قال: — أنا مش عارف إذا كنتِ هتسامحيني على إني اتأخرت كل السنين دي، لكن لازم أقول لك حاجة. إيدي بدأت ترتعش.— حضرتك مين؟جالي الرد بصوت مبحوح: — أنا جون… أبوكي. ما قدرتش أنطق.
سمعت صوت تنفسه في الطرف التاني، وبعدها قال: — أنا عارف إن عندك أسئلة كتير، وعارف إنك ممكن ما تصدقيش كلامي. لكن لو عايزة تتأكدي، اسألي توماس عن الرسالة اللي سابها ليكي من عشر سنين. هو ما سلّمهالكش لأن الوقت ما كانش مناسب. دموعي نزلت.— إنت فين؟ إنت عايش فعلًا؟
— إنت فين؟ إنت عايش فعلًا؟رد: — أيوه يا بنتي، أنا عايش. لكن فيه ناس لسه بتدور عليّا، ومش هقدر أشرح لك كل حاجة في التليفون. غمضت عيني، وحاولت أستوعب إن الصوت اللي كنت بتمنى أسمعه من وأنا طفلة، بقى حقيقة قدامي.
قلت له: — أنا مش هقدر أعيش وسط أسرار تاني يا بابا. لو هترجع لحياتي، لازم تكون مستعد تقول لي الحقيقة كاملة. سمعته بيتنهد.— عندك حق. وأنا المرة دي مش هطلب منك تثقي فيّ من غير دليل.
اتفقنا إنه يتواصل مع المحامي، وإن أي مقابلة تحصل تحت إشراف الشرطة، عشان نتأكد من هويته ونحافظ على سلامتنا. قبل ما يقفل، قال: — آنا؟— أيوه؟— أنا آسف إني سيبتك تكبري وإنتِ فاكرة إني مت. كان نفسي أرجع لك من سنين.
بصيت لصورة أمي اللي حطيتها على الرف جنب صورتي وأنا صغيرة. وقلت بصوت متقطع: — وأنا كان نفسي أعرف إنك عايش. قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة في مكاني لحد ما بدأ نور الصبح يدخل من الشباك. المرة دي، رنة التليفون ما كانتش إعلانًا عن مـ,ـوت حد.
كانت بداية فرصة جديدة، لكن من غير وعود سهلة، ومن غير ثقة عمياء. لأنني أخيرًا فهمت إن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أرحم من حياة كاملة مبنية على الكذب. وإن الإنسان مش لازم يختار بين إنه يحب حد وبين إنه يحمي نفسه. أنا حبيت مارك، لكني اخترت نفسي.
وسامحت أمي في قلبي، لكني ما نسيتش إن السكوت كان ممكن يضيعني. أما أبويا، فقررت أدي له فرصة يثبت إنه يستحق يرجع لحياتي، مش لمجرد إنه أبويا، لكن لأنه لازم يتحمل مسؤولية اختفائه. وفي اللحظة اللي حطيت فيها التليفون على الكومودينو، بصيت للساعة.