الشباك مش بتاعي

شركة المقاولات! لكن الضابط كمل عنده شركة مقاولات صغيرة، والأغرب إن عنده تحويل بنكي من حساب شركة مرتبطة بكريم. ندى بصت لي خلاص، بقى عندنا خيط واضح. لكن أنا سألت وإدارة العقارات؟ قال لسه بنحقق معاه.
في اللحظة دي.. الموبايل رن، كان رقم غير مسجل. رديت، مافيش صوت ألو؟ ثانيتين، وبعدين صوت راجل قال إنتِ مريم؟ قلت أيوه. قال لو عايزة الموضوع يخلص، ادفعي نص المبلغ ونقفل كل حاجة. سكت، ندى قربت من الموبايل. قلت مين؟ قال إنتِ فاهمة كويس. قلت لأ، أنا عايزة أفهم. قال تسعة مليون مش مبلغ كبير بالنسبة لك. قلت بالعكس، بس السجن أكبر. ضحك آخر فرصة. قلت تمام، ابعتلي الحساب. سكت، وبعدين قفل.
ندى بصت لي إنتِ عملتي إيه؟ قلت خليته يطلب فلوس، المكالمة دي ممكن تكون مهمة. وفعلًا كانت مسجلة، لكن الرقم كان مخفي. الشرطة حاولت تحدده، وبعد أقل من ساعة عرفوا إنه رقم تابع لشركة اتصالات وتم استخدامه من جهاز موجود داخل الكومبوند.
الموضوع بدأ يضيق عليهم، وبعد التحقيق مع العمال واحد منهم انهار واعترف قال إن كريم طلب منهم يفكوا الشباك، وإن مدير الإدارة قال لهم يرموا الشباك ناحية الجراج، لكنهم قالوا إنهم ما كانواش متوقعين إنه يضرب العربيات.
وهنا ظهر شيء أخطر كريم كان عايز يعمل حادث، مش حادث عشوائي.. كان عايز يضرب العربيات تحديدًا لأن العربيات كانت مأمنة، وكان عنده حسابات إنه يحصل على تعويض التأمين، وبعدها يحاول يحصل على مبلغ إضافي من شخص تاني. لكن ليه اختار شقتي؟ لأنها كانت فوق المكان، ولأنها كانت خام، ولأن أغلب الناس في العمارة ما يعرفوش تفاصيلها، ولأن اسمي موجود على الوحدة.. يعني بالنسبة له كانت الضحية المثالية. لكن اللي ما حسبوش إنني كنت محتفظة بكل ورقة، وكل صورة، وكل تفصيلة.
وبعد ساعات من التحقيق، اتطلب كريم للتحقيق. دخل المكتب متوتر، في الأول أنكر كل حاجة وقال إنه كان في الصالة وقت الحادث، لكن الضابط واجهه بتسجيل الكاميرا، فأنكر.. واجهه بشهادة العامل، فأنكر.. واجهه بالفاتورة، فأنكر.. وبعدين واجهه بتحويل بنكي لشركة شريف، هنا سكت!
وبعد فترة طويلة.. اعترف، لكن اعترافه كان أغرب مما توقعت، قال أنا كنت مديون، عندي مشاكل مالية، العربيات دي كانت مأمنة، كنت محتاج فلوس.. لكن مكنتش ناوي أقتل حد. قال الضابط وإيه علاقة مريم؟ بص لي مدير الإدارة هو اللي اقترح اسمها.
اتجهت كل الأنظار ناحية سامح. سامح كان واقف في الخارج، ولما دخل كان وشه أبيض. الضابط قال أنت اللي اقترحت اسم مريم؟ سكت، وبعدين قال أيوه. ليه؟ قال لأن الشقة بتاعتها كانت أسهل شقة نحط عليها المسؤولية. وإيه اللي كنت هتستفيده؟ سكت، لكن الشرطة كانت لقت تحويلات مالية بينه وبين كريم، فاعترف. كان فيه اتفاق بينهم كريم يعمل الحادث، وسامح يوجه الاتهام ليا، وبعدين أصحاب العربيات يطالبوني بالمبلغ، ولو خفت ودفعت الفلوس تتقسم، ولو رفضت كانوا هيستخدموا علاقاتهم ومحاولات الضغط عشان يخلوني أقبل تسوية.
لكن فيه تفصيلة أخيرة كانت هي الأهم التسعة مليون جنيه اللي طلبوهم مني لم يكونوش قيمة الخسائر الحقيقية! تقرير الإصلاح النهائي أثبت إن إجمالي التلفيات الفعلية كان أقل من ثلاثة مليون جنيه، يعني حتى مبلغ التسعة مليون كان متضخم، وكان الهدف ياخدوا أكبر مبلغ ممكن.
وبعد ما خلص التحقيق خرجت من قسم الشرطة. ندى كانت ماشية جنبي، قالت مبروك. ضحكت على إيه؟ إنك خلصتي. بصيت لها لأ، لسه ما خلصتش. قالت هتعملي إيه؟ قلت عندي حاجة لازم أعملها.
رجعنا الكومبوند تاني، دخلت شقتي ووقفت في نص الصالة. المكان كان لسه زي ما هو أسمنت، حيطان فاضية، فتحات شبابيك من غير شبابيك. ندى وقفت جنبي وقالت عارفة إيه أكتر حاجة مضحكة في الموضوع كله؟ إيه؟ إنهم بنوا خطتهم كلها على حاجة مش موجودة. ضحكت شباك مش موجود! بالضبط.
بعد أسبوع، صدر قرار بحبس كريم ومدير الإدارة والعمال المشاركين في الواقعة على ذمة التحقيق، وتم توجيه اتهامات مرتبطة بالاحتيال والإتلاف والبلاغ الكاذب ومحاولة ابتزازي، مع استمرار التحقيق في الجزء الخاص بالتأمين.
أما أنا، فقدمت تسجيل المكالمة الأولى، وتسجيل التهديد، وصور الشقة، ومحضر الاستلام، وشهادة العامل، وتسجيلات الكاميرات.. كل قطعة من الأدلة كانت بتقفل عليهم باب. وبعد فترة تم حفظ أي مطالبة مالية ضدي، بل بالعكس، أصبحت أنا الطرف المتضرر قانونيًا، وطالبت بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بي بسبب الاتهامات الكاذبة والضغط والتهديد.
أما شركة إدارة العقارات، فتم إنهاء التعاقد مع المدير المسؤول، وفتح تحقيق داخلي في طريقة إدارة المبنى والتعامل مع السكان.
لكن المفاجأة الأخيرة حصلت بعد شهر؛ كنت قاعدة في مكتبي، دخلت عليا ندى وحطت ملف على المكتب. قلت إيه ده؟ قالت آخر تقرير. فتحته، كان تقرير الخبير الهندسي. الخبير فحص الشباك اللي وقع، وقال إن الشباك تم فكه من مكانه بأدوات ميكانيكية، يعني ما وقعش بسبب الرياح، ولا بسبب عيب مفاجئ، ولا بسبب إهمال.. اتشال عمدًا!
بصيت لندى، قالت عارفة؟ إيه؟ لو ما كانش عندك صور الشقة القديمة ومحضر الاستلام، كان ممكن الموضوع ياخد اتجاه تاني تمامًا. قلت أنا كنت متأكدة من حاجة واحدة. إيه؟ إن الحقيقة مش محتاجة تصرخ.. محتاجة بس تفضل موجودة. ضحكت، وبعدين قفلت الملف.
لكن قبل ما ندى تمشي سألتني طب والشقة؟ هتعملي فيها إيه؟ بصيت ناحية باب المكتب وقلت هبدأ أشطبها، وهركب شبابيك جديدة. ضحكت بعد اللي حصل ده كله ولسه عايزة شبابيك؟ قلت طبعًا، بس المرة دي.. أنا اللي هختارهم. ابتسمت.
وبعد شهور خلص تشطيب البنتهاوس؛ ركبت شبابيك جديدة كبيرة، آمنة، ومثبتة بطريقة مستحيل حد يقدر يفكها بسهولة. وفي أول يوم دخلت فيه البيت بعد التشطيب، وقفت قدام أكبر شباك وبصيت للشارع تحت. افتكرت المكالمة الأولى شباك بيتك وقع.. هتدفعي تسعة مليون.. هتدخلي السجن.. وضحكت، لأنهم كانوا متأكدين إنهم اختاروا أسهل ضحية، لكنهم ارتكبوا غلطة واحدة إنهم حاولوا يبنوا قضية كاملة على شباك ما كانش موجود أصلًا!
ومن يومها، كل ما حد يحاول يخوفني أو يضغط عليَّ، بفتكر نفس الجملة أكتر فخ محكم ممكن يقع فيه صاحبه.. هو الفخ اللي مبني على كدبة بسيطة، والحقيقة تقدر تثبتها بصورة واحدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *