ورطه السعاده نورهان العشري

وليه بنتي اختارت تنام في ح. ضنك إنتِ بالذات؟……رفعت عيني فيه، وقلبي كان بيدق في صدري كأنه طبول. ريحة البن والخبز القديم اللي لازقة في هدومي من شغل الصبح كأنها دابت، ومبقتش شايف قدامي غير لمعة الحزن والذهول اللي في عين الراجل ده.

— اسمي مريم يا فندم… قلتها بصوت هادي ومرتجف شوية وأنا بحاول أثبت نفسي عشان الطفلة اللي نايمة دي ما تقلقش. ماجد مد إيده الكبيرة بحركة بطيئة جداً، كأنه خايف يلمس فص الماس مش بنته، وبأطراف صوابعه بحرص شديد، مسح خصلة شعر كيرلي كانت نازلة على وش ليلى.

— مريم… كرر الاسم ورايا وكأنه بيوزنه في دماغه، وبعدين كمل بنبرة أعمق: محدش قدر يقرب منها من تلات أيام. الدكتور اللي جبته البيت اتهز ومرضاش يكمل، وأنا… أنا أبوها وكنت همو. ت عشان تنام خمس دقايق على بعض. إزاي ارتاحت لك كده؟

هزيت راسي ببساطة وسط ذهول عم رجب اللي كان متابع من بعيد وواقف كأنه تمثال من الصدمة:— الأطفال بيحسوا باللي خايف عليهم بجد يا باشا… يمكن عشان أنا كمان تعبانة ودايبة من الشغل، فحست بوجعي زي ما أنا حست بوجعها.

ماجد سكت. ساب إيده تلمس كف إيدي الصغير اللي كان حاضن ضهر الطفلة، ونظرة عينيه اتغيرت تماماً من الهيبة والبرود لنظرة أب مكسور، ماشي على كف عفريت من كتر التفكير والخوف. وفجأة، وقف من على الكرسي. المطعم كله رجع يتنفس.

عم رجب بلع ريقه وتقدم خطوة كأنه رايح ينقذني من مأزق، بس ماجد مد إيده وقفه وهو بيبص لي أنا:— مريم… انتي خلصتي ورديتك هنا؟بصيت لساعتي وأنا مندهشة من السؤال المفاجئ:— آآه… لسه مخلصاها حالا، وكنت لسه هروّح.

ماجد طلع كارت أسود صغير من جيبه، محفور عليه بحروف دهبية، وحطه قدامي على الترابيزة ببطء، وقال جملة خلتني أقف مكاني:— تعالي معايا. ليلى مش هتنام إلا وأنتِ جنبها، وأنا مش هسيب بنتي تفوق وتنهار تاني. ولكِ الحساب اللي تطلبيه… مش مجرد أجر ليلتي، ده هيكون عمرك الجديد.

قبل ما أرد أو أرفض، ليلى اتحركت في ح. ضني وقالت بصوت ناعم وهي نايمة:— بابا… خدي معاكي. ماجد بص لبنته، وبعدين بص لي نظرة أخيرة حاسمة… ونظرة عم رجب من ورا ترابيزة الحساب كانت بتقولي: “وافقي فورًا… دا ماجد الشناوي، واللي يقوله بينفذه، واللي يرفضه بيتحفر قبره!

“……..رفعت راسي بصدمة وأنا باصة للكرت الأسود اللي قدامي، وبعدين بصيت لعم رجب اللي كان بيشاور لي بعينيه وبإيديه بإلحاح عصبي كأنه بيقولي “امشي معاه وإنتِ سكتة بدل ما الكارثة تحل علينا كلنا!”.حسيت بقلبي بيدق في ضلوعي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *