نجاه وكشف المستور ج١ منى السيد

شوية ناس كنت فاكرهم سترك وغطاك. طول عمري وأنا بدخل البيت ده وأنا حاسة بذنب ملوش آخر. كل ما أشوف أمي بتكح، كل ما أسمعها پتتوجع من صداع، كنت بټرعب لا أكون زعلتها أو خليتها تتكلم كلمة زيادة فيتحسب عليها تحذير رابع وتفارق روحي.
افتكرت يوم نتيجة الثانوية العامة. لما جبت مجموع يدخلني هندسة المنصورة، بعيد عن البيت، قعدت تبكي في الصالة وتلطم على خدودها وتقولي لو بعدتي عن عيني هشوف مصايب هتحصلك ومش هعرف أمنع نفسي من التحذير، وهتكون نهايتي على إيدك يا دنيا. ساعتها روحت بنفسي مكتب التنسيق وقدمت على كلية تجارة إنجليزي في جامعة عين شمس، عشان أفضل جنبها في العباسية، عشان أطبخ لها، وأشيل عنها، وأفضل الشماعة اللي بيعلقوا عليها كل قرف العيلة.
رجعت خطوة لورا على طراطيف صوابعي. السيراميك كان بيطلع تزييقة خفيفة تحت كعبي، فقلعت الشبشب وشيلته في إيدي، وبلعت ريقي اللي كان مر زي الحنظل. مشيت في الصالة الضلمة، عيني على باب الشقة الحديد. قفلته بمفتاحي براحة تامة، اللسان دخل في الكالون من غير صوت، كإني حرامي بيسرق بيته، أو روح مېتة بتتسحب من قپرها عشان تبعد عن اللي قتلوها.
نزلت السلم بتاع العمارة جري.
كانت الساعة اتنين ونص بالليل. شارعنا في مصر الجديدة، الشارع الهادي العريض اللي مليان شجر عتيق، كان ساكت تماماً إلا من صوت صفير الهوا السخن وصوت كلاب بتنبح في آخر الميدان. قعدت على الرصيف قدام البوابة، ضهري مسنود على شجرة جميز قديمة، وفتحت التليفون بإيدين بترجف زي ورقة شجر في مهب الريح.
وقفت التسجيل.
حجم الملف 12 ميجا. الصوت نقي جداً، مفيش فيه خروشة. صوت أمي وصوت أختي وصوت الحقيقة اللي طالعة تفضح سبع سنين من التزوير.
قعدت أعيط، بس عياط من غير صوت. الدموع كانت بتنزل دافية وسريعة، ټحرق خدي وتقع على بنطلوني الجينز. افتكرت طارق.
افتكرت طارق يوم ما اتقابلنا في الكافيه الصغير اللي ورا الكلية. كان الشتا داخل، ومطرة خفيفة بدأت تنزل، ورجلي الشمال كانت متشنجة كالعادة، بمشي عليها وأنا بعرج خفيف وبحاول أداري عشان محدش ياخد باله. هو مكنش يعرفني وقتها، كان زميل في الدفعة بيحضر نفس المادة. فجأة لقيته جاي ناحيتي، شادد كرسي حديد وحاطه في طريقي وقال بابتسامة هادية جداً اقعدي دقيقة يا دنيا، الرصيف هنا مبلول وممكن تتزحلقي، وأنا أصلاً طلبت اتنين قهوة بحليب ومحتاج حد يشرب التانية معايا بدل ما تبرد.
طارق عمره ما قالي رجلك مالها؟. عمره ما بص للأرض وهو ماشي جنبي بنظرة شفقة تقطع الخلف. كان لما يلاقيني بطأت في المشي، يقوم مطلع تليفونه فجأة ويقول يا ستي أنا تهت، تعالي نقعد هنا خمس دقائق أشوف الخريطة، وهو عارف الطريق صم، بس كان بيعمل كده عشان يديني فرصة أريح من غير ما يحسسني إني عاجزة.
وفي الآخر… جيت أنا بكل قسۏة الدنيا، قولتله أنا مش طيقاك يا طارق، ومشوفتكش غير زميل تافه.
يومها شفت راجل بېموت واقف على رجليه. عينيه اللي كانت بتلمع كل ما يشوفني، بهتت وبقت زي الرماد. لف وشه ومشي، ومسمعتش صوته بعدها غير في التليفون لما كان بيتصل يطمن عليا كصاحب العيلة، لحد ما دينا لفت حواليه زي التعبان، بتوجيهه من الست الوالدة.
مسحت وشي بضهر كمي، ووقفت.
هتعملي إيه يا دنيا؟ الصوت ده طلع من جوايا، صوت مړعوپ، متعود على الخضوع.
هتروحي تقولي لطارق؟ هيقول عليكي غيرانة من أختك وعايزة تبوظي جوازتها بعد ما خطوبتها قربت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *