كيكه الدهبي ج٢ منى السيد

الفصل الثالث
ألو! كريم! رد عليا في إيه؟ كريم!
لكن الخط كان قطع تماماً.
وقفت في مكان بصلابة كأني اتجمدت، والتليفون لسه على ودني. صوته وهو بينهج، والصرخات اللي كانت طالعة من وراه، وصوت الهبد والزعيق.. كل ده كان بيدور في دماغي زي الإعصار. حاولت أتصل بيه تاني فوراً، لكن التليفون كان بيدي جرس طويل ومحدش بيرد. طلبته تاني، وتالت، ورابع.. وفي المرة الخامسة التليفون اتقفل وبقى يعطي غير متاح.
الخوف بدأ يتسلل لجلدي، ورجليا مقتش قادرة تشيلني. قعدت على السرير وأنا بفرك إيدي ببعض بقلة حيلة. يا ربي، إيه اللي حصل؟ وإيه الكارثة اللي بيتكلم عنها دي؟ وهل ليها علاقة بالتورتة ولا بحاجة تانية؟
في وسط حيرتي وقلقي، الباب بتاع أوضتي اتفتح براحة. كانت ماما واقفة وبتبصلي بنظرات كلها ترقب وشك. شكلها مكانتش نايمة وهي كمان حاسة بيا و بحركتي الكتير وقلقي اللي باين عليا بقاله يومين. قربت مني وقعدت جنبي على السرير، وحطت إيدها على كتفي وقالت بنبرة حنينة بس حازمة:
* في إيه يا سارة؟ إنتِ مش على بعضك خالص من وقت ما كريم مشي الصبح. ورجعتيلي الـ ٢٠٠ جنيه وشكلك باين عليه الهم. في إيه يا بنتي؟ مخبية عليا إيه؟
بصيت لماما وحسيت بغصة في حلقي. كنت عايزة أرمي نفسي في حضنها وأحكيلها على كل حاجة، على استغلال كريم ليا، وعلى طريقته البايخة معايا، وعلى السبعمية جنيه اللي طلعوا بطلوع الروح، وعلى الخوف اللي أنا فيه دلوقتي بسبب مكالمته الأخيرة. بس كبريائي وخوفي من إنها تقول لي أنا مش قولتلك من الأول، خلاني أسكت. بلعت ريقي وصنعت ابتسامة باهتة وقلت:
* مفيش يا ماما.. تلاقيني بس متوترة عشان تورتة خطوبة ابن خالته اللي طلبها مني، الوقت ضيق جداً ومكنتش عايزة أعملها بصراحة بس هو صمم.
ماما هزت راسها بعدم رضا وقالت:
* وعلشان تورتة تقومي تتنفضي وتترعشي بالشكل ده؟ سارة، أنا عارفاكِ كويس وحافظة ملامحك.. الزعيق اللي طالع من تليفونك من شوية ده مكنش كلام عادي.. قوليلي يا بنتي، كريم ماله؟
قبل ما أرد على ماما وأخترع كدبة جديدة أداري بيها، تليفوني رن في إيدي. اتنفضت وبصيت على الشاشة بلهفة، بس الرقم مكانش كريم.. كان رقم أخته الكبيرة، نهى.
بصيت لماما بخوف، وشاورتلها بـ ثواني، وفتحت الخط بسرعة:
* ألو.. أيوة يا نهى؟ في إيه؟ كريم ماله؟
جالي صوت نهى وهي بتعيط بهستيريا، وصوتها كله رعب وبتقول بوشوشة كأنها مستخبية في مكان:
* سارة.. إلحقينا يا سارة.. البيت عندنا مقلوب، وعمي وعمتي وأجوازهم هنا، وخناقة كبيرة جداً والشرطة كانت هتيجي.. كريم عمل مصيبة سودة وضيعنا كلنا!
جسمي كله سقع، ووقفت من على السرير غصب عني وماما بتبصلي بـ فزع. قلت بصوت مرعوب:
* مصيبة إيه يا نهى؟ فهميني في إيه؟ كريم كلمني من شوية والخط قطع وسامعة صوت صراخ!
نهى شهقت وهي بتعيط وقالت:
* كريم خد من خالتي ١٥ ألف جنيه! قالها إن دي تكلفة التورتة الدورين والمصاريف بتاعة البوفيه والحاجات اللي إنتِ هتعمليها لخطوبة ابنها، وفهمها إنك اتفقتي مع شيفات تانين وجبتي خامات غالية جداً مستوردة عشان تطلع حاجة تشرف.. وخالتي وثقت فيه وأديتله المبلغ كله عشان يخلصلها الليلة دي بما إنه خطيبك وإنتِ اللي هتعملي الشغل.. المصيبة إن كريم مأداكيش غير ٥٠٠ جنيه بس وقالِك إن ده العربون، والـ ١٤ ألف ونص الباقيين خدهم ودفعهم لواحد كان كاتب عليه شيكات ومهدده بالحبس!
حسيت إن الأرض بتلف بيا، وصوت نهى بدأ يبعد ويقرب كأني في حلم مرعب. ١٥ ألف جنيه؟ كريم خد من خالته ١٥ ألف جنيه باسمي أنا؟ وشغل تورتة وبوفيه أنا معرفش عنه أي حاجة؟
قلت بصراخ غصب عني وماما برقت عينيها برعب:
* إنتِ بتقولي إيه يا نهى؟ بوفيه إيه وتكلفتة إيه؟ أنا مالي بكل ده؟ هو قالي تورتة دورين بس وأداني ٥٠٠ جنيه خامات! هو إزاي يعمل كدة ويشيلني ذنب حاجة ماليش علاقة بيها؟
نهى كملت عياط بصوت واطي:
* يا سارة اسمعيني بس.. الكارثة الأكبر إن جوز خالتي بالصدفة سأل واحد صاحب محل خامات حلويات كبير بيثق فيه، وقاله على المواصفات والأسعار، وصاحب المحل قاله إن الأسعار دي فلكية ومستحيل توصل لكدة حتى لو الشغل من أكبر مكان في مصر. فـ جوز خالتي شك، وجه بيتنا من شوية وواجه كريم، وكريم فضل يلف ويدور لحد ما اتزنق واعترف بكل حاجة.. خالتي وجوزها مبهدلين الدنيا دلوقتي وطالبين الفلوس فوراً يا إما هيبلغوا عنه ويسجنوه، وأبويا ضغطه علي ونقلناه المستشفى من كتر الفضيحة.. كريم ساب البيت وجري ومحدش عارف هو فين، بس قبل ما يجري قالهم إن الفلوس معاكِ إنتِ وإنه سلمهالك كلها عشان الخامات!
هنا ومقدرتش أتحكم في أعصابي، صرخت في التليفون:
* كداب! كداب وحرامي! أنا مأخدتش منه مليم غير الـ ٥٠٠ جنيه وعندهوملي في الأوضة وكنت هرفض التورتة أصلاً! هو إزاي بالبشاعة دي؟ عايز يرمي بلاه عليا ويطلعني أنا النصابة قدام أهله وعيلته عشان يحمي نفسه؟
نهى قالت بضعف:
* أنا عارفة يا سارة، والله عارفة إنك مالكيش ذنب وإنه كداب.. بس أبوس إيدك لو كلمك أو جالك اتصرفي معاه.. إحنا بنتدمر.. أبويا بيموت في المستشفى بسبب الفضيحة دي..
قفلت الخط وأنا بنهج ونفسي مقطوع. رميت التليفون على السرير وقعدت ألطم على وشي من كتر الصدمة والذهول. ماما قربت مني بسرعة وجسدت كتافي بقوة وهي بتصرخ فيا:
* في إيه يا سارة؟ انطقي! مين اللي كداب ومين الحرامي؟ كريم عمل إيه؟ والـ ١٥ ألف جنيه دول بتوع إيه؟ انطقي يا بنتي ركبي هتسيب!
بصيت لماما وعيني مليانة دموع، مكنش ينفع أداري أكتر من كدة. الفاس وقعت في الراس والموضوع دخل فيه شرطة وفضيحة وسجن. حكيت لماما كل حاجة من طقطق لسلام عليكم.. حكتلها عن تورتة أخته والـ ٢٠٠ جنيه اللي استلفتهم منها عشان أكمل تمن الخامات وهو واخد التورتة وماشي من غير ما يدفع مليم، وحكتلها عن كدبي عليها وعن تورتة ابن خالته والـ ١٥ ألف جنيه اللي نصب بيهم على خالته باسمي أنا وشغلي.
ماما كانت بتسمعني ووشها بيتحول من اللون الأصفر للأحمر من كتر الغضب والذهول. وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت بصوت يرعش من الغضب الشديد:
* بقى الحرامي ابن الحرامي ده يعمل فيكي كدة؟ يستغلك ويشغلِك سخرة عنده وعند أهله، ولمّا يزنقه القرش يسرق وينصب باسمك ويشيلك الفضيحة؟ ده أنا اللي هوديه في داهية بـ إيدي! أنا من الأول قلبي مكنش مستريحله ولا لأمه الحرباية.. يغور هو وتغور الخطوبة دي في ستين داهية.. اطلبيلي أمه حالاً!
قلتلها وأنا بعيط وبترجاها:
* يا ماما استني بس، أمه ملهاش ذنب دلوقتي، ده خالتهم وجوز خالتهم هما اللي قالبين الدنيا.. والناس فاكرين إن الفلوس معايا أنا! أنا خايفة ييجوا يتبلوا عليا هنا أو ييجوا يتخانقوا معانا قدام الجيران والمنطقة كلها وتفضح!
ماما قالت بقوة وعزة نفس:
* ييجوا! خليهم ييجوا ورجلهم فوق رقبتهم.. إحنا ناس شرفا ومبناكلش حرام، والـ ٥٠٠ جنيه بتوعه تفضلي شايلاهم في إيدك عشان لو حد عتب باب البيت ده نرميهم في وشه ونعرفهم حقيقة ابنهم النصاب!
وفجأة.. في وسط كلامنا وزعيقنا.. سمعنا خبط غريب وجامد جداً على باب الشقة.
الخبط مكانش طبيعي، ده كان هبد قوي وسريع وراه نهجان وصوت حد بيلحق نفسه.
أنا وماما اتجمدنا في مكاننا. بصينا لبعض برعب. هل هما أهله؟ هل جوز خالته جه يطالب بالفلوس ويفضحنا؟
ماما مشيت بخطوات ثابتة ووراها أنا وأنا بترعش وساندة عليها. قربنا من الباب، وماما سألت بصوت قوي وعالي:
* مين على الباب؟
جالنا صوت من برة، صوت ضعيف ومرعوب ومكتوم كأنه بيموت:
* افتحي يا طنط.. أبوس إيدك افتحي.. أنا كريم.. إلحقيني يا سارة هيموتوني!
ماما بصتلي ونظراتها كلها غل وغضب، وقبل ما تنطق بكلمة، أنا شاورتلها بـ لاء وخوف. بس الخبط زاد وبقى بهستيريا وكريم عمال يترجى برة وصوته مليان رعب بجد كأن حد بيجري وراه في السلم.
ماما وبدون تفكير، مدت إيدها وفتحت الباب.
دخل كريم بسرعة البرق وقفل الباب وراه وراه بضهره وبدأ يقفل الترباس وهو بينهج ونفسه خارج بصعوبة شديدة. شكله كان يقطع القلب بس يثير الاشمئزاز في نفس الوقت؛ هدومه مقطعة شوية، وشه عليه آثار ضرب وخربشة، وتراب السلم مالي جزمته وبنطلونه.
بصلنا وعينه مليانة دموع ورعب حقيقي، وجري عليا ومسك إيدي وبدأ يبوسها قدام ماما وهو بيقول بـ ذل:
* سارة.. أبوس رجلك أنقذيني.. جوز خالتي جاب بلطجية وبيجروا ورايا تحت، هما عرفوا إني هربت وجيت عليكي هنا.. هيموتوني بجد أو هيحبسوني.. سارة، قولي لـ جوز خالتي لما ييجي إنك أخدتي الـ ١٥ ألف جنيه بجد وإنك ضيعتيهم أو جبتي بيهم حاجات تانية.. أبوس إيدك أنقذي مستقبلي وحياتي!
ماما نفضت إيده من عليا بكل قوتها وصوتها هز البيت:
* ابعد إيدك النجسة دي عنها يا نصاب يا حرامي! إنت بجد جاي لحد بيتنا وعايز تشيل بنتي مصيبتك وسرقتك؟ اطلع برة بيتنا حالاً قبل ما أطلبلك البوليس أنا بـ إيدي وألم عليك أمة لا إله إلا الله!
كريم وقع على ركبه في الأرض وبكى بحرقة:
* يا طنط والنعمة هيموتوني.. هما تحت في الشارع ويسألوا عليا.. لو طلعت هيمسكوني يفرموني.. أنا غلطت والله غلطت وشيطاني وزني عشان أسدد الشيكات اللي عليا.. سارة إنتِ بتهوني عليكي كرامتي؟ هيهون عليكي خطيبك يتضرب ويتهان في الشارع قدام الناس ويتسجن؟
بصيتله وأنا حاسة بـ مزيج غريب من القرف والصعبانية. القرف من نذالته واستغلاله وكدبه، والصعبانية على منظره وهو مكسور وبيعيط تحت رجلينا بعد ما كان بيكلمني من يومين بكل كبرياء وبيتهم الخمسة غسالة وإني مادية.
وقبل ما أرد عليه أو ماما تطرده برة الشقة.. سمعنا صوت كلاكيس عربيات كتير تحت البيت، وصوت زعيق ناس في الشارع بتنده باسم كريم وباسم عيلتنا..
وبعدها بثواني.. الخبط رجع تاني على باب الشقة، بس المرة دي مكانش خبط إيدين.. ده كان رزع بالرجلين وصوت رجالة بتهدد بكسر الباب!
كريم اتنفض من الأرض وجري استخبى ورا ضهري وهو بيترعش ويقول بصوت واطي:
* هما.. هما يا سارة.. أبوس إيدك متفتحيش.. هيموتوني!
بصيت للباب وبصيت لماما اللي وشها اتخطف من الرعب، والصوت تحت في الشارع وزعيق الناس بدأ يعلى والكل بيسأل عن بيت سارة الشيف اللي نصبت على الست الغلبانة..
**تفتكري سارة هتعمل إيه في الموقف المرعب ده؟ هل هتفتح الباب وتكشف حقيقة كريم للناس وتنقذ سمعتها؟ ولا خوفها من الفضيحة ودموع كريم هيخلوها تضحي بنفسها وتغطيه؟**

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *