همسه في الظلام ج٤ شروق خالد

اقتربتُ منه خطوتين، ورفعتُ نبرتي لتصبح حادة كالموس: “الإدارة دي هي اللي حمت ضهري وهي اللي كشفت خيانتك… قدامك خمس دقائق توقع على التنازل بالسعر اللي حددته الأنسة خديجة، أو تطلع برة وتستنى أول إحضار من النيابة الصبح.”

ساد الصمت المكتب لثوانٍ شاقة. تجمدت أنفاس طاهر، ثم أخرج قلمه ويده ترتجف، ووقع على وثيقة التنازل وهو يلعن اللحظة التي فكر فيها بالتآمر على “النيل للوجستيات”.

أخذت خديجة الورق الموقع، وحفظته في الحقيبة الخاصة بثقة مطلقة.

خرج طاهر يجر أذيال الخيبة، وأغلق علي الباب خلفه.

التفتُّ إلى خديجة، ووجدتها تنظر إليّ والابتسامة تملأ وجهها الصافي.

“شغل ممتاز يا سيادة النائب،” قلتُ بنبرة يملؤها الفخر والعاطفة.

أخذت خديجة نفساً عميقاً، وقالت بصوت هادئ ومحيّر: “كنت خايفة أكون زودتها…”

اقتربتُ منها حتى غدت فاصلة الأنفاس بيننا معدومة، وأمسكتُ بيديها الاثنين بين يديّ: “أنتِ أثبتّي للكل إن المكان ده بتاعك، وإنك مش بس شريكتي في شغل المرفأ…”

توقفتُ وهززتُ رأسي ونظرتُ في عمق عينيها اللامعتين: “… أنتِ شريكة حياتي يا خديجة، من الليلة اللي دخلتِ فيها أوضتي وغطيتك فيها بالكشمير.”

اتسعت عينها خجلاً وفرحاً، وانحنت رأسها قليلاً وهي تبتسم ابتسامة شمسية أضاءت كل ما تبقى من ظلال في حياتي.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد شركة “النيل للوجستيات” مجرد اسم في عالم الشحن والمعارك… بل أصبحت الحصن الذي بنيناه معاً، بدايةً من كلمة همست بها وهي نائمة، وحتى القمة التي وقفنا عليها يداً بيد.

مرت عدة أشهر.

لم تكن “النيل للوجستيات” مجرد شركة شحن نجحت في توسيع نفوذها، بل أصبحت صرحاً هادئاً وقوياً يُحسب له ألف حساب. واكتملت الصورة بالكامل عندما أُقيم حفل زفافنا في إحدى المزارع الهادئة أطراف القاهرة؛ حفلٌ بعيدٌ عن أعين الإعلام والفضوليين، اقتصر فقط على الأقارب والرجال المقربين جداً ممن أثبتوا ولاءهم.

في تلك الليلة، كانت خديجة ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً وأنيقاً للغاية، يبتعد عن كل تكلف. وحين نظرتُ إليها وهي تسير نحوي، شعرتُ ولأول مرة في حياتي أنني لا أحتاج لرفع حذري أو وضع يدي على مسدسي المخبأ… كانت تلك هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالأمان الكامل.

بعد انتهاء الحفل وعودتنا إلى القصر، صعدنا السلم الداخلي. كان البيت هادئاً يلفه عبق الخزامى والهدوء الصافي.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *