طفلي لم يضحك 10 شهور

«مرحبًا يا بُنيّ»، همس، وصوته يرتجف كما لم يرتجف يومًا أمام مجلس إدارة، ولا في غرفة تفاوض، ولا في لحظة توقيع صفقة مصيريّة كان مصير مئات الأشخاص معلّقًا بها. ارتجف هذه المرّة لأنّه لم يكن يملك السيطرة.

تأمّل إيثان وجهه بحذر، كما لو كان يراه بعينٍ جديدة، لا بعين الطفل الذي اعتاد وجوهًا تمرّ أمامه دون أن تترك أثرًا. كانت هناك مسافة صغيرة، هشّة، معلّقة بينهما… مسافة لم تكن موجودة في المكان، بل في السنوات العشرة الماضية، في الليالي الصامتة، في الأيّام التي كان ألكسندر فيها حاضرًا جسدًا، غائبًا روحًا.

ثم، ببطءٍ شديد، وبحركةٍ غير واثقة، مدّ إيثان يده.
وضعت كفّه الصغيرة على خدّ ألكسندر.

كانت يدًا دافئة، خفيفة، لا تعرف شيئًا عن الأسهم ولا الجداول ولا التوقّعات. لم تكن اللمسة قويّة، ولا ثابتة، لكنّها كانت كافية لتكسر آخر جدارٍ داخليّ بناه ألكسندر دون أن يدري أنّه كان يحتمي به… لا من العالم، بل من الألم.

وانهار.
غمرت الدموع عينيه—ساخنة، ثقيلة، لا تطلب إذنًا ولا تعترف بالقوّة ولا بالسمعة. دموع لم يعرفها في يومٍ وقّع فيه صفقاتٍ
بمليارات الدولارات دون أن ترتجف يده، ولم يعرفها حين وقف بجانب قبر زوجته، متماسكًا، صامتًا، يؤدي دور الأرمل القويّ كما يُتوقّع منه.

لكن هذا…
هذا لم يكن حزنًا يمكن احتواؤه.
لم يكن خسارةً يمكن إدارتها.
كان اكتشافًا متأخّرًا لفراغٍ عاش فيه طويلًا دون أن يسمّيه، فراغ حاول ملأه بالإنجاز، فزاد اتّساعًا.

«كنت أظنّ أنّني أفعل كلّ شيءٍ على نحوٍ صحيح»، قال بصوتٍ مبحوح وهو ينظر إلى كلارا، لا بوصفها عاملة، بل بوصفها شاهدًا على فشله ونجاته معًا.
«كنت أظنّ أنّ حبّه يعني إصلاحه… أن أجعله طبيعيًّا، قويًّا، جاهزًا للعالم قبل أن يؤذيه.»

هزّت كلارا رأسها برفق، لا اعتراضًا، بل تفهّمًا. كانت تعرف هذا الصوت؛ صوت الكبار حين يخافون، حين يخلطون بين الحماية والسيطرة، وبين الحبّ والخوف من الخسارة.

«أحيانًا لا يحتاج الأطفال إلى إصلاح»، قالت بهدوءٍ يشبه الطمأنينة التي لا تُدرَّس.
«بل يحتاجون إلى تواصل. إلى أمان. إلى شخصٍ يبقى، حتى حين لا يحدث شيء. إلى شخصٍ لا يخاف أن يبدو سخيفًا، أو ضعيفًا، أو غير مثاليّ… من أجلهم.»

ظلّ ألكسندر صامتًا طويلًا. الكلمات لم تصدمه؛ كانت تضع أسماءً لأشياء شعر بها ولم يعترف بها يومًا. أدرك فجأة أنّه لم يكن يخشى على ابنه من التأخّر، بل كان يخشى أن يعكس إيثان فشله هو، عجزه عن حماية ما لا يُقاس بالأرقام ولا يُعرض في تقارير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *