حماتي والعروض

حكايات توتا

كنت فاكرة إن حماتي مهووسة بالعروض لدرجة إنها كل يوم تقريبًا تاخدني معاها السوبر ماركت عشان نلحق العروض اللي مش هتتكرر.
مرة جبن وألبان، ومرة لحوم وفراخ، ومرة منظفات وأدوات منزلية ومفيش حاجة تقريبًا كانت بتسيبها من غير ما تشتري منها كميات.
والأغرب؟
إني أنا اللي كنت بدفع كل ده.
كل مرة كنت أقول لها
يا ماما، إحنا كده بنشتري أكتر من احتياجاتنا بكتير.
كانت تبتسم وترد بمنتهى الثقة
بنتي، إحنا بنخزن قبل الأسعار ما تغلى في رمضان. بكرة هتشكريني.
ولما المصاريف زادت بشكل مبالغ فيه، روحت أتكلم مع جوزي.
قلت له
يا أحمد، أنا مش فاهمة إحنا بنصرف ليه كل الفلوس دي؟ أنا بقيت بدفع أضعاف اللي كنا بندفعه زمان.
ضحك وقال
وفيها إيه؟ ما إنتِ مرتبك حلو أهو وبعدين أنا اللي شايل مصاريف البيت الأساسية. وأمي ست كبيرة وعارفة مصلحتنا أكتر مننا.
سكت.
وعدّيتها.
لحد اليوم اللي رجعت فيه من الشغل بدري، وسمعت صوت حماتي في الصالة بتقول لحد في التليفون
أيوه يا حبيبتي، ابعتي حد ياخد الحاجة أنا حوشتلك كرتونة الجبن وكرتونة اللبن واللحمة اللي في الفريزر.
وقفت مكاني.
قربت من باب الصالة من غير ما تحس بيا.
وفجأة فهمت ليه كانت مصممة كل يوم نروح السوبر ماركت.
هي ما كانتش بتخزن لمصلحتنا
كانت بتشتري من فلوسي، وتبعت نص المشتريات لبنتها.
لكن دي ما كانتش المصيبة الحقيقية.
المصيبة كانت إن اللي اكتشفته بعدها خلاني أبص لجوزي نفسه بطريقة مختلفة تمامًا
لأني لما فتحت درج المطبخ بالصدفة، لقيت فواتير الشهور اللي فاتت كلها متخبّية
ولما جمعت الأرقام، اكتشفت إن المبلغ اللي كنت بدفعه في العروض كل شهر كان أكبر بكتير من اللي حماتي كانت بتبعته لبنتها.
وساعتها بدأت أسأل نفسي
هو باقي الفلوس كان بيروح فين؟
وليه حماتي كانت محتفظة بالفواتير كلها؟
وليه في آخر كل فاتورة كان فيه اسم شخص مكتوب بخط إيدها؟
اسم ماكنتش متوقعة أشوفه أبدًا
الفصل الأول الاسم اللي في آخر الفاتورة
فضلت واقفة قدام درج المطبخ وأنا ماسكة الفاتورة بإيدي، وببص للاسم المكتوب في آخرها كأني مستنية الحروف تتحرك وتقول لي إن اللي أنا شايفاه مش حقيقي.
محمود.
بس محمود مين؟
أنا معرفش حد بالاسم ده قريب من حماتي، ولا عمر أحمد جوزي جاب سيرته قدامي.
قعدت على الكرسي اللي جنب السفرة، وحطيت الفواتير كلها قدامي.
واحدة.
اتنين.
عشرة.
عشرين.
كل فاتورة كان عليها تاريخ مختلف، وكلهم تقريبًا نفس الحكاية.
جبن، لبن، لحوم، فراخ، منظفات، زيت، سكر، مكرونة، مناديل، شامبو، صابون، حاجات كتير جدًا.
وفي آخر كل فاتورة، بعد ما حماتي كانت بتراجع الأرقام بالقلم، كانت بتكتب اسم محمود.
مرة كتبت
محمود ١٢٠٠.
ومرة
محمود ١٨٥٠.
ومرة
محمود ٩٧٠.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أنا كنت فاكرة إن كل اللي بنشتريه بيتحط في بيتنا.
وكنت طول الوقت بسمع نفس الجملة
إحنا بنخزن يا بنتي.
الأسعار بتغلى.
العرض ده مش هيتكرر.
خليكي ذكية.
وكنت بحس إني أنا اللي بخيلة.
أنا اللي مش مقدرة إن حماتي ست كبيرة وعندها خبرة.
أنا اللي مش فاهمة الدنيا.
لكن فجأة كل حاجة بدأت تركب على بعض.
رفعت الفاتورة الأخيرة وبصيت للتاريخ.
كانت من يومين.
في اليوم ده بالذات، حماتي كانت أصرت نروح سوبر ماركت بعيد جدًا عن بيتنا.
قالتلي
العرض هناك أقوى، والجبنة عليها خصم جامد.
وأنا كنت راجعة من الشغل تعبانة، لكن وافقت.
اشترينا حاجات بحوالي أربعة آلاف جنيه.
أنا دفعت بالكارت.
حماتي كانت واقفة جنبي وهي بتقول
شايفة؟ لو كنا اشتريناهم من أي مكان تاني كنا دفعنا خمسة آلاف.
وقتها ابتسمت وقلت لها
ربنا يخليكي لينا.
دلوقتي وأنا ببص للفواتير، حسيت إني كنت عبيطة.
مش بس عبيطة.
أنا كنت بتمول حاجة مش فاهمة هي إيه.
سمعت صوت مفتاح بيتحط في الباب.
اتخضيت.
لميت الفواتير بسرعة، وحطيتها مكانها.
ودخل أحمد.
أول ما شافني قال
إنتي رجعتي بدري؟
قلت
أيوه.
قرب مني وباسني على راسي.
مالك؟ شكلك مش طبيعي.
حاولت أبتسم.
مفيش.
بصلي شوية.
متأكدة؟
قلت
آه.
وبعدين سألته فجأة
أحمد، إنت تعرف حد اسمه محمود؟
اتغيرت ملامحه للحظة.
لحظة صغيرة جدًا.
لكن أنا شفتها.
وبعدها ضحك وقال
محمود مين؟
قلت
معرفش. بس الاسم ده مكتوب على شوية فواتير.
قال بسرعة
يمكن اسم عامل التوصيل.
هزيت راسي.
ممكن.
لكنه ما سألشني الفواتير فين.
ولا سألني أنا لقيتها إزاي.
بس دخل أوضته وغيّر هدومه.
وأنا فضلت واقفة في مكاني.
في اللحظة دي فهمت إن السؤال مش هو المشكلة.
المشكلة إن أحمد كان عارف حاجة.
يمكن مش كل حاجة.
لكن أكيد عارف أكتر مني.
بالليل، حماتي اتصلت.
أحمد رد.
سمعته بيقول
أيوه يا أمي.
سكت.
وبعدين قال
لا، هي مش واخدة بالها.
جسمي كله اتجمد.
هو بيتكلم عني؟
قربت من باب الأوضة.
صوته واطي.
ما تقلقيش… أنا هتصرف.
سكت شوية.
بس محمود قال إن الموضوع لازم يخلص قبل آخر الشهر.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
محمود.
نفس الاسم.
قفل المكالمة ودخل الصالة.
أول ما شافني قال
إنتي واقفة هنا ليه؟
قلت بهدوء
مين محمود؟
وشه اتغير.
المرة دي التغيير كان واضح.
محمود مين؟
قلت
اللي كنت بتتكلم عنه مع والدتك.
سكت.
قرب مني وقال
إنتي سمعتي المكالمة؟
قلت
أيوه.
اتنهد.
كان كلام عادي.
ضحكت.
عادي؟
آه.
هو إيه اللي عادي في إن أمك تقول لي إننا بنشتري عروض، وإنت تقول لها إن أنا مش واخدة بالي، وبعدين تقول إن محمود لازم يخلص الموضوع قبل آخر الشهر؟
فضل ساكت.
قلت
أنا عايزة أعرف الحقيقة.
قال
مفيش حاجة.
يبقى ليه مخبيها؟
مش مخبي.
أمال إيه؟
اتعصب.
إنتي ليه بتكبري الموضوع؟
الكلمة دي وجعتني.
لأني فجأة حسيت إني بقيت أنا المشكلة.
أنا اللي بسأل.
أنا اللي شايفة حاجة غلط.
أنا اللي لازم أسكت.
دخل الأوضة وقفل الباب.
وأنا فضلت في الصالة لوحدي.
لكن المرة دي ما نمتش.
استنيت.
وبعد حوالي ساعة، سمعت صوت الباب الخارجي.
فتحت عيني.
أحمد خرج بهدوء.
لبس جاكيت.
مسك المفاتيح.
وخرج.
قمت من مكاني بسرعة.
مشيت وراه من غير ما يحس.
وقفت ورا الستارة وبصيت من الشباك.
ركب عربيته.
لكن بدل ما يمشي، وقف قدام البيت.
وبعد دقايق عربية تانية وقفت جنبه.
نزل منها راجل في الخمسينات تقريبًا.
طويل شوية.
لابس قميص أزرق.
أحمد سلم عليه.
والراجل اداله ظرف بني.
أحمد فتح الظرف وبص جواه.
وبعدين الراجل قال له حاجة.
أحمد هز راسه.
بعدها الاتنين ركبوا العربية.
فضلت واقفة مكاني.
قلبي بيقول لي إن الموضوع أكبر من الجبن واللبن والعروض.
وفي نفس اللحظة، موبايلي رن.
رسالة من حماتي.
بكرة لازم ننزل بدري. في عرض مهم جدًا.
بصيت للرسالة.
وبعدين بصيت من الشباك للعربية اللي اختفت في آخر الشارع.
وابتسمت غصب عني.
أول مرة من شهور.
لكن ابتسامتي ما كانتش عشان العرض.
كانت عشان قرار واحد أخدته.
بكرة…
هروح مع حماتي.
لكن المرة دي مش عشان أشتري.
هروح عشان أعرف.
مين محمود؟
وفين بتروح فلوسي؟
وليه جوزي وأمه مصممين يخلوني فاكرة إن كل اللي بيحصل مجرد عروض؟
تاني يوم الصبح، صحيت قبل حماتي.
لبست بسرعة.
وحطيت موبايلي في جيبي.
وقبل ما أنزل، فتحت تطبيق البنك.
راجعت العمليات.
لقيت إن فيه تحويلات شهرية بتطلع من حسابي لمتجر كبير باسم شركة مش فاكرة إني اتعاملت معاها.
رجعت بالتاريخ.
التحويلات بدأت من ست شهور.
كل شهر تقريبًا نفس المبلغ.
والأغرب إن التحويلات كانت بتحصل في نفس الأيام اللي حماتي كانت بتقول فيها
يلا ننزل نلحق العرض.
حسيت بقشعريرة.
يعني ممكن تكون المشتريات أصلًا مجرد جزء من الموضوع.
لبست.
ولما حماتي وصلت، كانت مبتسمة.
جاهزة يا بنتي؟
قلت
جاهزة.
قالت
النهارده هنجيب حاجات كتير.
ابتسمت وقلت
أنا متأكدة.
وإحنا نازلين، بصيت لها من طرف عيني.
كانت ماسكة شنطتها بقوة.
وكأنها هي كمان عارفة إن اليوم ده مختلف.
وصلنا السوبر ماركت.
بدأت تختار.
جبنة.
لبن.
زيت.
منظفات.
لحوم.
وأنا كنت ساكتة.
لحد ما وصلت للكاشير.
طلعت الكارت.
لكن قبل ما أدفع، قلت
ماما، هو إحنا بنجيب كل الكمية دي ليه؟
ابتسمت.
عشان نوفر.
قلت
ونوفر لمين؟
ضحكت.
يعني إيه؟
قلت
قصدي… إحنا بنستهلك قد إيه من الحاجات دي؟
وشها اتشد.
إنتي مالك النهارده؟
قلت
مفيش.
دفعت.
لكن قبل ما نخرج، أخدت الفاتورة.
وبصيت لآخرها.
مفيش اسم محمود.
لكن كان فيه رقم مكتوب بالقلم.
نفس الرقم اللي شفته على الفاتورة القديمة.
بصيت لحماتي.
وقلت
ماما، الرقم ده بتاع مين؟
اتجمدت.
وبصتلي في عيني.
وبعدين قالت
إنتي شوفتي إيه؟
لأول مرة، ما جاوبتش.
وقلت
أنا بس بسأل.
مسكت إيدي.
وسحبتني بعيد عن الناس.
وقالت بصوت واطي
اسمعيني كويس… اللي هتعرفيه النهارده ممكن يغير حياتك كلها.
سكت.
وبعدين كملت
بس لو بتحبي أحمد، متسأليش أكتر.
الكلمة وقعت عليا كأنها صفعة.
قلت
يعني إيه؟
سابِت إيدي.
وبصت حواليها.
وبعدين قالت
أحمد مش زي ما إنتي فاكرة.
وقبل ما أقدر أسألها، موبايلها رن.
بصت للشاشة.
وشها اصفر.
قالت
محمود.
وبعدها مشت بعيد عشان ترد.
وأنا واقفة مكاني.
لأول مرة، بدأت أخاف من الإجابة أكتر من خوفي من السؤال.
لأن واضح إن محمود مش مجرد اسم على فاتورة.
محمود كان مفتاح لحاجة أكبر.
وحاجة أكبر بكتير من فلوس العروض.
وبينما حماتي كانت بتتكلم في التليفون، لمحته.
نفس الراجل اللي شوفته بالليل مع أحمد.
واقف عند باب السوبر ماركت.
بيبص ناحيتي.
ولما عينينا اتقابلت…
لف ومشي بسرعة.
جريت وراه.
لكن لما خرجت، ما لقيتوش.
بس لقيت ظرف بني صغير واقع جنب

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *