حماتي والعروض

حكايات توتا

إني أرجع أثق في أحمد.
لكن اكتشفت إن الأصعب كان إني أرجع أثق في إحساسي أنا.
لأني طوال الفترة اللي فاتت كنت كل ما أحس إن فيه حاجة غلط، أقول لنفسي
يمكن أنا مكبرة الموضوع.
يمكن حماتي عندها حق.
يمكن أحمد فاهم أكتر مني.
يمكن أنا اللي بخيلة.
يمكن العروض فعلًا فرصة.
لكن بعد كل اللي حصل، فهمت إن الإحساس اللي بيقول لك إن حاجة مش منطقية، يستاهل إنك تسمعه.
مش معناه إن إحساسك دايمًا صح.
لكن معناه إنك تسأل.
وتتأكد.
وما تسمحش لحد يخليك تشك في نفسك لمجرد إنه مش عايز يجاوب.
أحمد اتغير.
مش تغيير مفاجئ.
ولا تغيير مثالي.
كان تغيير بطيء.
كل شهر كان بيحط مبلغ ثابت عشان يرجع باقي الفلوس.
وكان كل حساب واضح قدامي.
مفيش حسابات سرية.
مفيش أوراق مستخبية.
مفيش مصاريف متقوليش لحد.
حتى مصاريف ليان بقت معروفة.
وأنا وافقت أشارك فيها.
مش لأن ده واجب عليا.
لكن لأن ليان ما كانتش السبب في أي حاجة.
كانت طفلة اتولدت وسط مشاكل كبار.
ومش ذنبها إنها احتاجت أبوها.
في أول عيد ميلاد ليها بعد ما عرفت الحقيقة، عملنا لها حفلة صغيرة.
حماتي كانت موجودة.
ومحمود كان موجود.
حتى كريم جه بعد ما خلص الإجراءات القانونية الخاصة بيه.
وقف بعيد شوية.
أنا اللي روحت له.
قلت
إزيك؟
قال
كويس.
قلت
ليان عايزة تقول لك حاجة.
اتوتر.
ليان قربت منه.
وقالت
أنا مش زعلانة منك.
كريم نزل لمستواها.
أنا آسف.
قالت
بابا قال إنك غلطت.
أيوه.
بس أنا كمان غلطت لما كسرت اللعبة بتاعتك.
ضحك.
إنتي كنتي طفلة.
قالت
وإنت كنت كبير.
ضحكنا كلنا.
لحظة بسيطة.
لكنها كانت بداية جديدة.
أما حماتي، فكانت أكتر واحدة اتغيرت.
بقت لما تشوف أي عرض، تمسك الموبايل وتبعت لي
العرض ده محتاجينه؟
وأنا أقول
لأ.
فترد
تمام.
وبس.
من غير ضغط.
من غير تبرير.
من غير ما تاخدني معاها.
وفي يوم، كنت قاعدة معاها في المطبخ.
قالت لي
عايزة أقولك حاجة.
قلت
قولي.
قالت
أنا كنت خايفة منك.
ضحكت.
مني أنا؟
أيوه.
ليه؟
قالت
كنت خايفة لما تعرفي الحقيقة، تبعدي عن أحمد وعن ليان.
سكت.
قالت
فبدل ما أواجهك بالحقيقة، حاولت أتصرف لوحدي.
قلت
وده اللي خرب كل حاجة.
عارفة.
بس أنا كنت هقدر أفهم.
دلوقتي عرفت.
أيوه.
قالت
لو الزمن رجع، كنت هقولك كل حاجة من أول يوم.
ابتسمت.
وأنا لو الزمن رجع، كنت هسأل من أول فاتورة.
ضحكت.
وبعدها سكتنا.
لكن كان فيه شيء اتغير.
بقينا بنتكلم.
بجد.
من غير أدوار.
من غير خوف.
من غير محاولة نخبي حاجة عشان نحافظ على شكل العيلة.
لأن شكل العيلة مش أهم من حقيقتها.
وفي يوم، وأنا برتب المطبخ، لقيت درج الفواتير القديم.
فتحته.
لقيت آخر فاتورة.
فاتورة من السنة اللي حصل فيها كل شيء.
مسكتها.
بصيت للاسم المكتوب تحت.
محمود.
ضحكت.
لكن المرة دي ما خفتش.
مزقتها.
ورميتها.
أحمد دخل.
قال
بتعملي إيه؟
قلت
بنهي آخر حاجة من الماضي.
بص للفواتير.
لسه محتفظة بيهم؟
قلت
كنت محتفظة بيهم عشان أفتكر.
وتفتكري إيه؟
قلت
إن اللي بيتخبى بيكبر.
سكت.
وإن الصراحة حتى لو وجعت، أرحم من الكذبة.
قرب مني.
وأنا؟
بصيت له.
إنت اتعلمت؟
قال
اتعلمت.
إيه؟
قال
إن الخوف مش مبرر للكذب.
وبعدين؟
وإنك لو بتحب حد، ما ينفعش تحميه من الحقيقة.
ابتسمت.
كويس.
وبعدين سأل
إنتي زعلانة لسه؟
فكرت شوية.
منك؟
هز راسه.
لا.
ابتسم.
طب من أمي؟
قلت
زعلانة من اللي عملته، بس مش شايلة منها.
ومحمود؟
ضحكت.
ده موضوع لوحده.
ضحك.
وبعدين قال
ليان مستنياكي.
خرجت.
لقيتها قاعدة على السلم.
قالت
ماما.
وقفت.
هي نفسها كانت بتقولها من فترة.
لكن المرة دي الكلمة ما كانتش بتخضني.
كانت بتدفيني.
قربت منها.
نعم يا حبيبتي؟
قالت
هنروح فين النهارده؟
قلت
السوبر ماركت.
عينيها لمعت.
هنجيب عروض؟
ضحكت.
هنجيب احتياجاتنا.
قالت
طب لو لقينا عرض كويس؟
هنبص عليه.
ولو كان أرخص؟
نشتريه.
ولو مش محتاجينه؟
قلت
نسيبه.
هزت راسها.
تمام.
ومسكنا إيد بعض.
أحمد كان مستنينا عند الباب.
حماتي خرجت وراه.
وقالت
استنوا، أنا جاية.
بصيت لها.
هتجيبي إيه؟
ضحكت.
ولا حاجة.
أمال جاية ليه؟
قالت
عشان أغير جو.
ضحكنا.
ونزلنا كلنا.
وأنا ماشية، افتكرت أول يوم.
افتكرت إزاي كنت بدفع وأنا ساكتة.
إزاي كنت فاكرة إن حماتي مهووسة بالعروض.
إزاي كنت شايفة إن المشكلة كلها في كرتونة جبنة، أو كرتونة لبن، أو شوية منظفات.
لكن الحقيقة كانت أكبر.
كانت المشكلة في أسرار.
وفي خوف.
وفي ناس حاولت تحمي اللي بتحبه بالطريقة الغلط.
وفي فلوس اتاخدت من غير إذن.
وفي ثقة اتكسرت.
لكن في النهاية، اتعلمت إن العيلة مش معناها إنك تسكت على الغلط.
العيلة معناها إنكم تواجهوا الغلط مع بعض.
وإن اللي اتكسر يتصلح، لو كل واحد مستعد يتحمل مسؤوليته.
دخلنا السوبر ماركت.
حماتي وقفت قدام رف الجبن.
مسكت علبة.
وقالت
دي عليها خصم.
بصيت لها.
ماما.
قالت
والله ما هشتري.
ضحكت.
ليه؟
قالت
عشان إحنا مش محتاجينها.
قلت
طب لو محتاجينها؟
قالت
ساعتها نشتريها.
أحمد ضحك.
وليان بدأت تضحك.
وأنا لأول مرة حسيت إن السوبر ماركت نفسه بقى مكان عادي.
مش مكان للخداع.
مش مكان للفواتير المستخبية.
مش مكان للفلوس اللي بتختفي.
مجرد سوبر ماركت.
ناس داخلة تشتري حاجاتها.
وإحنا منهم.
لكن الفرق إن المرة دي، كل حاجة بنشتريها كانت لينا فعلًا.
وفي طريق الرجوع، ليان سألتني
ماما؟
نعم؟
إنتي زعلانة إن بابا كان عنده بنت قبلك؟
بصيت لها.
ابتسمت.
لأ.
ليه؟
قلت
عشان إنتي مش حاجة حصلت قبلي.
أمال إيه؟
إنتي حاجة بقت جزء من حياتنا.
ابتسمت.
وحطت راسها على كتفي.
وأنا بصيت لأحمد.
هو فهم.
ما احتاجش أسأله.
ولا احتاج يشرح.
لأن المرة دي مفيش أسرار.
وفي البيت، حطينا المشتريات مكانها.
حماتي كانت بتطلع الحاجة من الأكياس.
ولما خلصنا، قالت
ناقص حاجة؟
قلت
لأ.
بصت لنا.
متأكدين؟
ضحكت.
متأكدين.
قعدنا كلنا على السفرة.
ليان بدأت تحكي عن المدرسة.
أحمد كان بيسمعها.
حماتي كانت بتضحك.
وأنا كنت ببص لهم.
وفجأة افتكرت الفاتورة القديمة.
الفاتورة اللي بدأت منها كل الحكاية.
لو كنت يومها ما فتحتش الدرج، كان ممكن كل حاجة تكمل.
ولو ما سمعتش المكالمة، كان ممكن أعيش سنين وأنا فاكرة إن المشكلة مجرد عروض.
ولو ما سألتش، كان ممكن أفضل ألوم نفسي.
لكن الحقيقة إن السؤال أحيانًا بيغير حياة كاملة.
والإجابة، مهما كانت موجعة، بتديك فرصة تختار على أساس الحقيقة.
ومن يومها، كل ما حماتي تشوف عرض وتضحك وتقول
ده عرض مش هيتكرر.
أقول لها
خليه ما يتكرر، إحنا مش محتاجينه.
فتضحك وترد
عندك حق.
وبقت الجملة دي بينا زي نكتة قديمة.
لكن أنا عمري ما نسيت الدرس.
لأن الحكاية ما كانتش عن العروض.
ولا عن السوبر ماركت.
ولا حتى عن الفلوس.
كانت عن حاجة أبسط وأخطر
إنك ممكن تفتكر إن حد بيعمل حاجة من أجلك، بينما هو بيقرر بدل منك.
وممكن تفتكر إن السكوت بيحافظ على البيت، بينما هو بيبني جواه حيطان.
وممكن تخاف من الحقيقة، وبعد ما تعرفها تكتشف إن الخوف نفسه كان أسوأ منها.
أنا كنت فاكرة إن حماتي مهووسة بالعروض.
لكن في النهاية عرفت إن اللي كان مهووس فعلًا هو الخوف.
خوفها على ابنها.
خوف أحمد من خسارتي.
خوف محمود من الديون.
خوف كريم من الفضيحة.
وخوفي أنا من إني أكون ظلمت الناس لما شكيت.
وكل واحد حاول يهرب من خوفه بطريقة غلط.
لكن الحقيقة لما ظهرت، ما دمرتش البيت.
هي بس هدت البيت القديم اللي كان مبني على الكذب.
وساعدتنا نبني بيت تاني.
بيت مفيهوش فواتير مستخبية.
ولا حسابات سرية.
ولا أسماء غريبة مكتوبة في آخر الورق.
ولا عروض لازم نلحقها قبل ما تخلص.
وبقيت كل ما أشتري حاجة، أسأل نفسي سؤال واحد
إحنا محتاجينها فعلًا؟
ولو الإجابة كانت لأ…
كنت بسيبها.
لأن أغلى حاجة اتعلمتها ما كانتش إزاي أوفر فلوس.
كانت إزاي ما أسمحش لأي حد يقرر عني.
وإزاي أطلب الحقيقة حتى لو كانت هتوجعني.
وإزاي أعرف إن الثقة مش معناها إنك تقفل عينيك.
الثقة الحقيقية إنك تقدر تفتح عينيك…
وتلاقي اللي قدامك لسه واقف مكانه.
وده كان آخر عرض في الحكاية.
مش عرض جبنة.
ولا لبن.
ولا منظفات.
كان عرض من الحياة نفسها
يا إما نفضل عايشين في أسرار مريحة…
يا إما نواجه الحقيقة، ونبدأ من جديد.
وإحنا اخترنا الحقيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *