سر الاب الغائب ج1 منى السيد
أولادي الأربعة كبروا وهم فاكرين إن أبوهم هرب وسابنا، لكني عمري ما جاوبت لما كانوا بيسألوني: «يا ماما، بابا مين؟» وبعد سبعتاشر سنة، جمعت العيلة كلها، وحطيت ملف من المستشفى على الترابيزة، واستنيت في صمت… لأن الراجل اللي رجع ماجاش يطلب السماح، لكنه كان جاي يكشف ليه كان فاكر إنه هيموت.
الجزء الأول
—لو ما قولتيش مين اللي عمل فيكي كده، والله لأطلع روحك من جسمك!
صرخ أبويا وهو ماسك الحزام في إيده وواقف قدامي.
كنت وقتها عندي عشرين سنة، وفي السنة التالتة في كلية التجارة بجامعة عين شمس، وكنت بالنسبة لأهلي البنت اللي شايلين فيها أمل كبير.
أبويا، محمود، كان سواق تاكسي بيخرج من البيت قبل الفجر، ويرجع آخر الليل وهو شايل همّ البيت كله فوق كتافه. وأمي، سعاد، كانت بتشتغل في ورشة خياطة صغيرة طول النهار، وترجع البيت تكمل شغل لحد نص الليل عشان تساعده في مصاريفنا.
سنين طويلة وهما بيحسبوا كل جنيه عشان يدفعوا مصاريف الجامعة، ويجيبوا لي الكتب والمذكرات، ويوفروا لي كل حاجة تمنعني إني أسيب دراستي.
وعشان كده، لما التحليل ظهر فيه خطين، ماكانش الخبر بالنسبة لهم مجرد حمل.
كان كأنه انهيار لكل الأحلام اللي بنوها عشاني.
—مين أبو الطفل؟!
كرر أبويا السؤال، وصوته كان بيرتعش من الغضب.
نزلت على الأرض، وضميت إيدي لبعض، وشفايفي كانت مقفولة تمامًا.
—مش هقول.
في اللحظة دي، نزل الحزام على ضهري.
أمي جريت عليه ومسكت دراعه وهي بتعيط:
—حرام عليك يا محمود! هتموت البنت في إيدك!
لكن أبويا كان فاقد السيطرة.
وأنا، رغم كل الألم، ما نطقتش باسم أحمد.
أحمد كان شاب يتيم، بيشتغل سواق على تاكسي، وأهلي كانوا يعرفوه من سنين. كانوا بيعتبروه واحد من ولادهم، ويدخل بيتنا من غير استئذان، ويقعد مع أبويا بالساعات.
لكن قبل ما أعرف إني حامل بشهر تقريبًا، أحمد اختفى فجأة.
ساب الشغل.
فضّى الأوضة الصغيرة اللي كان ساكن فيها.
واختفى من غير ما يقول لحد رايح فين.
وأنا كنت متأكدة إن فيه حاجة خطيرة حصلت له.
لكن كنت عارفة كمان إن لو أبويا عرف إني حبيت أحمد، عمره ما هيسامحني.
تاني يوم الصبح، وأنا قاعدة في البيت، الدنيا لفت بيا وفقدت الوعي.
أمي أخدتني على أقرب مستشفى، وبعد الكشف والتحاليل، الدكتورة طلبت تعمل لي سونار.
فضلت تحرك الجهاز على بطني ثواني طويلة، وبعدها بصت لأمي، وبعدين لي.