حماتي كانت كل ما تيجي عندي
بعد ما مشيت، جلسنا أنا وجوزي في صمت طويل. هو كان حاسس بحرج، وأنا كنت حاسة بوجع أكبر من كلام. مش بس علشان حاجاتي راحت أو اتسرقت… لكن علشان اكتشفت إن نظرة الناس لي ولسنوات، وإن حماتي شايفة إن وجودي في حياتهم غصب عنهم، وإن كل ما أملك هو في الحقيقة ملك لهم لازم يرد. وإن كل ابتسامة كانت بتبدوها لي في السنين الفاتت كانت مجرد تمثيل، علشان تاخد بالها وتعمل جردها من غير ما أشك.
عدت يومين، وسماح جت ومعاها حاجاتي. كانت واقفة عند الباب وشها في الأرض، وقالت بصوت خافت: «سامحيني… ما كنتش أعرف إن ماما كاتبة كل ده. قالتلي إنك متبرعة بيها لي، وإنك مش محتاجاها. أنا… أنا آسفة.»
بصيتلها شوية، وشفت في عينها صدقًا غلبان. قلت لها: «الحاجة دي مش المشكلة يا سماح. المشكلة إن ماما تعتبر إن كل حاجة ليها حق تاخده. لو محتاجة حاجة في يوم، تعالي قولي لي وأنا هساعدك بكل قلبي. بس من غير سرقة ومن غير كلام ورا بعض. إحنا أهل، والأهل ما يخونوش بعض.»
دمعت عينها ومشيت. ورجعت لقيت جوزي مستنياني، وقال لي بصوت دافئ: «أنا آسف… آسف على كل حاجة حصلت. وأعدك إن ده مش هيتكرر تاني. من النهاردة باب بيتنا مفتوح لهم بس بحدود. واحترام خصوصيتك واجب، ولو على حساب أي حد.»
مرت الأيام، ورجعت حياتنا لطبيعتها شوية. بس شيء واحد اتغير: أنا كنت بقفل باب أوضتي بالمفتاح لما أخرج. وكنت بحط المفتاح في مكانه. وكنت عارفة إن مش كل اللي بيبتسم لنا هو معانا. وإن في ناس شايفة إن وجودنا غصب، وإن كل ما نملك هو حق لهم يجب أن يؤخذ.
وبعد شهر، جت حماتي زيارة. دخلت البيت، وسلمت عليا ببرود، وقعدت في الصالة. شويه وقامت تتحرك ناحية الأوضة زي ما كانت بتعمل دائمًا. لما وصلت للباب، لقيته مقفول. التفتت لي وقالت: «الباب مقفول ليه؟ ده بيت ابني، مش محتاجة تقفلي الأبواب.»
قلت لها بهدوء: «الأوضة بتاعتي يا ماما. وكل إنسان بيحب يبقى له مكان خاص بي، ومحد يدخله من غير إذنه. ده مش بيت ابنك بس… ده بيتي أنا كمان. وحقي أقفله لو حابّة.»
بصت لي طويلًا. شفت في عينها دهشة، وغضب، وشيء من الفهم كمان. أخيرًا قالت: «والله… كنتِ بتتعلمي.»
قلت بابتسامة هادية: «أتعلمت إن احترام الناس بيبدأ من احترام خصوصياتهم. وإني لو سكت مرة… هيتكرر الأمر مرات. وإن اللي شايف إن حاجاتي حاجاته… لازم يعرف إن لي كرامة وحقوق مش هتتنازل عنها.»