بعد شهرين بس من جوازي من رجل أعمال غني أكبر مني ب 15 سنة، الدكتورة لفت شاشة السونار ناحيتنا وقالت ب صوت واطي فيه كيسين حمل.. أنتِ حامل في توأم!.. السكوت عمّ الأوضة، لأني بقالي 3 سنين مقتنعة إني عقيم وم خلفش، ولحد اللحظة دي ب الظبط.. م كنتش أعرف إن جوزي هو كمان مخبي عليا نفس السر ومتقال له إنه م بيخلفش! عند سن ال 33، فكرة الإنجاب والخلِفة كانت اتبخرت تماماً من مستقبلي. قبلها ب 3 سنين، دكتور استشاري كبير كان اتكلم معايا عن انسداد، وتليف، وهرمونات ضعيفة، ونسب نجاح معدومة.. وفي الآخر، الحاجة الوحيدة اللي فهمتها إني مستحيل أحمل طبيعي! طارق، خطيبي اللي قعدت معاه 7 سنين، وعدني في الأول إن الموضوع مش فارق معاه. لحد ما أمه شرفتني في مكتب المحاسبة بتاعي ومعاها صينية كيكة معمول ب الإيد، حطتها على مكتبي وقالت لي ب لؤم ولطف مسموم إن ابنها الوحيد طول عمره بيحلم ب العيال أنتِ بتطلبي مني أسيبه يا طنط؟ لا يا حبيبتي.. همست وهي بتبص لي، أنا بطلب منكِ تفكري هو هينحرم من إيه بسببكِ! بعدها ب 3 أسابيع، أنا وطارق كنا انفصلنا وكل واحد راح لحاله. من بعد اليوم ده، بطلت أحلم ب أوضة أطفال، أو دباديب ولعب، أو صوت رجلين صغيرة بتجري في الصالة. ولحد ما ظهر طارق الألفي في حياتي لأن شركته كان عليها فلوس ومستحقات ل الشغل عندنا! مؤسسة الألفي ل التجارة كانت مالية برج كامل ب الإسكندرية بيطل على البحر. دخلت قاعة الاجتماعات ب كل قوة وأنا شايالة ملفين ومليانة غضب وهيئة تخوف. طارق كان عنده 48 سنة، شعره بادي فيه الشيب، معاه ثروة طائلة، وعند برود يستفز الصخر وأنا بشرح له تفاصيل 63 فاتورة متأخرة! بعد 3 ساعات، بصيت في الساعة ب نرفزة. حد مستنيكي يا مدام؟ سألني ب هدوء. أمي.. معاد دوا الروماتيزم بتاعها جه. قفل الملف فوراً وبص لي هنكمل بكرة. اللي شاغلني مش الفلوس اصلاً! زعقت فيه. رفع حواجبها ب اندهاش أومال إيه؟ الراجل اللي حابس الفلوس ومأخرها! طارق ضحك ب أعلى صوت عنده لدرجة إن السكرتيرة فتحت الباب تتطمن عليه! دفع كل الفواتير والمستحقات في خلال أسبوعين.. وبعدها عزمني على العشاء. رفضت مرتين ب كبرياء. المرة الثالثة، ظهر قدام مكتبي ومسك كوبايتين قهوة بدل الورد! عزومة واحدة بس.. ولو م طقتينيش بعدها، هنسحب ب أدب. بعد 8 شهور، طلب إيدي للجواز في كافيه على البحر. قلت له لا قبل ما يكمل كلامه! أنتَ مش فاهم حاجة يا طنط.. قصدي يا طارق! وحكيت له كل حاجة العلاج، التشخيص، خطيبي القديم، وحتى صينية الكيكة اللي سبتها تنشف عشان م كنتش قادرة أرميها! أنا غالباً مش هعرف أجيب لك عيال! طارق قطع حتة جبنة ب كل هدوء من الطبق اللي بيننا هو أنتِ فاكرة إني بطلب إيدكِ عشان يدور على داية ترضع لي عيال?! بصيت في عينيه ب صدمة.. ملامحه اتغيرت بجد وقتها، واعترف لي إن فيه أسباب وطبية في ملفه الصحي هو كمان فاهمها كويس أوي.. ومع ذلك، محدش فينا اتكلم في موضوع العيال ده تاني خالص. اتجوزنا ونحن مقتنعين إن الفصل ده اتقفل في حياتنا ل الأبد. بعد شهرين ب الظبط، كنت نايمة تحت الإضاءة البيضاء في العيادة، والدكتورة باصة ل شاشة السونار ل فترة طويلة خلت قلبي يقع في رجلَيّ! الدكتورة دخلت، كشفت على الملف، وبعدين بصت ل طارق ب اندهاش هو جوز حضرتكِ هو كمان عنده تاريخ طبي في عدم الخلفة والخصوبة?! لفيت راسي ناحيته ب خضة إيه?! طارق وشه اتخطف وبقى أبيض زي الملاية! الدكتورة لفت الشاشة ب بطء ناحيتنا.. وكان فيه نقطتين سود صغيرين طالعين. يا ندى.. قالت ب ابتسامة هادية، أنتِ حامل في الأسبوع الثامن! ريقي نشف وم بقيتش عارفة أتنفس.. بعدها شاورت على الشاشة وحامل في توأم كمان! طارق مسك في الكرسي ب كل قوته لدرجة إن عقل صوابعه بيضت من كتر الضغط! فضلت باصة له ب ذهول وصدمة.. مش بس من خبر الحمل والتوأم، بس من السر المرعب اللي كان مخبيه عليا وما قالهوش طول السنين دي! طارق.. همست ب صوت بيترعش، هو الدكاترة بتوعك قالوا لك إيه ب الظبط زمان?! بص لي.. والتعابير اللي كانت على وشه خلتني أفهم فوراً إن إجابته مخبية وراها سر أكبر بكتير وأخطر من مجرد عقم أو خصوبة!...... يا ترى إيه السر الكارثي اللي طارق كان مخبيه عن صحته، وليه الدكاترة قالوا له إنه م بيخلفش، وإزاي خبر التوأم ده هيفتح أبواب جهنم وأسرار من الماضي هتزلزل حياتهم؟ اللي جاي ضرب نار ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد! الجزء الثاني الصدمة المزدوجة والسر الذي هز الجدران طارق سكت.. نظراته تيهت في الفراغ، وشحوب وجهه زاد لدرجة إني خفت يقع من الكرسي. الدكتورة خرجت بهدوء وسابتنا لوحدنا في الأوضة، والصمت تقيل وموجوع بيلفّنا كأنه حبل بيلف على رقبتنا. طارق.. رجعت سألت بصوت خافت ومترجٍ. الدكاترة قالولك إيه بالظبط؟ ليه ما قلتليش؟ ليه خبيت عليا؟ تحرك ببطء، مسك إيدي اللي كانت بترتعش، وضغط عليها بضعف يا ندى.. اللي أنا كنت عايز أخبيه عنكِ مش عشان خداع ولا كذب.. ده عشان كنت خايف.. خايف أتأكد بنفسي الأول.. خايف أقولكِ وتتألمي زي ما أنا تألمت! إيه يا طارق؟! قلت بصوت بدأ يعلى من القلق. اتكلم! ارحمني! تنهد بعمق، كأنه بيخرج مع النفس كل همّ حمله سنين طويلة قبل ما أتجوزكِ بسنوات.. عملت تحاليل شاملة.. الدكاترة قالولي إن عندي مشكلة في الحيوانات المنوية.. ضعف شديد ونسبة صفر تقريباً.. قالولي إني مستحيل أكون أب طبيعي.. وأنه لو في أمل يبقى أمل ضعيف جداً وبيحتاج علاج طويل ومجهود كبير. قلبي اتعصر.. يعني هو كمان عانى نفس ما عانيتُ أنا؟ وكل ده كان مخبي بيننا؟! ولما عرفتي بحالتي.. قلتله ببطء. ما قلتليش إنك كمان عندك نفس المشكلة؟ ليه؟ عشان ما أزيدكِ ألم فوق ألمكِ! صرخ بوجع. شفتكِ مكسورة ومحطمة من كلام الدكاترة.. شفتكِ بتعاني كل يوم.. قلت لروحي لو قلتليش إني كمان مريض.. هتتحطّم بالكامل.. هتحسي إن باب الأمل اتقفل في وشنا للأبد! ففضلت ساكت.. قلت ربنا يستر.. وإن كان فيه أمل يبقى نعرفه مع بعض.. وإن ما كانش، يبقى حياتنا مع بعض أحلى من أي عيال! دموعي نزلت بغزارة.. كلامه كان صادق وبيوجع القلب.. بس السؤال الكبير اللي اتردد في دماغي فوراً طارق.. لو كلينا كنا مُعطّلين.. إزاي حصل الحمل ده؟ إزاي التوأم دول جوايا دلوقتي؟ طارق سكت تاني.. نظراته اتغيرت، وملامحه اتقفلت كأنه بيحبس جواها عاصفة الدكاترة بيغلطوا يا ندى.. التحاليل بتاعتنا ممكن تكون غلط.. أو الحالة اتحسّت من نفسها.. الطب مش كل حاجة.. وربنا قادر على كل حاجة! مش بالسهولة دي يا طارق! قلت بجدية. ده مستحيل طبياً! لازم يكون في سبب تاني! قام وقف باضطراب خلينا نروح البيت.. تعبانة ومحتاجة راحة.. ونروح لدكتور تاني نعمل تحاليل ونشوف.. الموضوع محتاج تأنٍ ومش نستعجل الحكم! حسيت إنه لمحة نيوز بيتهرب.. إنه مخبي حاجة تانيه ورا الكلام ده.. بس في اللحظة دي، وأنا حاسة بثقل في جسمي ومشاعري المضطربة، سكت ومشيت وراه. ركبنا العربية، والطريق للبيت كان طويل وصامت، كل واحد فينا بيفكر في اللي جاي.. وما كنتش عارفة إن الخبر السار ده كان بداية لكارثة هتقلب حياتنا كلها رأساً على عقب! في البيت، طارق بقى متغير.. كان سرحان، مش بياكل، مش بينام، كل ما أسأله بيقولي متقلقش.. كل حاجة هتتظبط. وبدأت أنا ألاحظ حاجات غريبة تليفونه بيتغير مكانه، بيصحى بالليل يكلم حد بصوت واطي، وبيخرج ساعات من غير ما يقولي رايح فين. وذات يوم، كنت قاعدة في الصالة بقرا كتب عن الحمل والتوأم، سمعته بيقول في التليفون في الجنينة .. الحمل اتأكد.. توأم.. أيوه.. لازم نعرف إزاي ده حصل.. متأكد إن التحاليل كانت صفر؟.. تمام.. أنا هروح بنفسي للمستشفى القديم.. متقولش لحد حاجة! قلبي نزل في رجليه.. يعني هو شاكّ إن فيه حاجة غلط؟ وبيبحث عن السبب؟ ليه ما يقولي؟ إيه اللي بيخاف منه؟ قررت أروح معاه من غير ما يعرف.. في اليوم التالي، لما قال إنه رايح الشغل، تبعتته من بعيد.. لقيته رايح لمستشفى خاص قديم في وسط المدينة، مش المستشفى اللي بنتعامل معاها عادةً. دخلت وراه بخطوات خافتة، وقفت بعيد عن الباب المفتوح قليل، وسمعت كلامه مع الدكتور ..يعني مستحيل طبياً يا دكتور؟ مفيش حالة زي دي حصلت قبل كده؟ يا أستاذ طارق.. الدليل قائم قدامك.. التحاليل بتاعتك من 4 سنين قالت صفر، والتحاليل اللي عملتها امبارح كمان بتقول نفس الكلام.. عندك انعدام تام للحيوانات المنوية.. وده معناه بشكل أكيد وقطعي.. إن التوأم مش ابنك! الكلمة وقعت عليّ كالصاعقة.. مش ابنك؟! يعني إيه؟ إزاي؟! الدنيا لفت بيّ.. اتكأت على الحيطة عشان ما أقع، ودموعي نزلت بلا صوت.. طارق سكت، وما ردش على الدكتور.. بس سمعته بيقول بصوت مهزوز ومكسور متأكد يا دكتور؟ مفيش أي خطأ ممكن؟ يا سيدي.. عملنا التحليل 3 مرات في معامل مختلفة.. النتيجة واحدة.. آسف جداً. خرج طارق من الأوضة، وشكله كان مدمّر بالكامل.. عيناه حمراء، وملامحه هابطة كأنه شال جبل على كتفيه. شافني واقفة قدامه متجمدة، اتسعت عيناه بصدمة ندى؟! كنتِ هنا من امتى؟ سمعت كل حاجة يا طارق.. همست بصوت ميت. يعني التوأم مش ابنك؟ فمين دول؟ ومنين جوايا؟! طارق قرب مني بسرعة وحاول يمسك إيدي ندى.. اسمعيني.. أنا مش عارف إزاي ده حصل.. بس أنا متأكد إنكِ ما عملتِش حاجة غلط.. أنا واثق فيكِ بكل كياني! لازم يكون في تفسير تاني.. غلط في التحاليل.. أو.. أو..! أو إيه يا طارق؟! صرخت بكل ألم وانهيار. الدكتور قال انعدام تام! يعني مستحيل! فمين اللي عمل كده؟ إزاي؟! في اللحظة دي، تذكرت حاجة غريبة حصلت قبل أشهر.. كنت مريضة جداً ونزلت في المستشفى بسبب نزيف حاد.. طلبوا تبرع دم وطارق كان متطابق.. وبعدين عملت عملية صغيرة.. و.. وفجأة.. فكرة مرعبة ضربت دماغي.. طارق.. أنا عملت عملية تلقيح صناعي من غير ما أعرف؟ أنتَ عملت العملية دي بدلي؟! طارق تردد قليلاً، وبعدين هز راسه ببطء لا.. ما عملتش حاجة من دي.. أنا كنت فاكر إن الحمل ده معجزة.. بس لما الدكتور قال كده.. بقيت مش عارف أفسر حاجة! يعني إيه؟! أنا هنا في وضع مستحيل؟! أنا حامل في توأم من غير ما أعرف مين الأب؟! صرخت وانهارت وبكيت بكل ما فيا من قوة. حرام عليك يا رب.. ليه؟ بعد كل الصبر ده كله.. ليه؟! طارق حضنني بقوة، وهو كمان بيعيط متخافيش يا ندى.. مهما حصل.. أنا معاكي.. مهما كان اللي جاي، هنعدّيه مع بعض.. هنعرف الحقيقة.. وهنحمي التوأم.. وهنكمل طريقنا! بس ما كنتش عارفة إن اللي جاي كان أضعاف أضعاف اللي تخيلته.. وإن السر الحقيقي لم يكن مجرد خطأ طبي.. بل كان مؤامرة حاكت من سنين، وبدأت تتكشف خيوطها واحدة ورا التانية لتزلزل حياتنا من الجذور! الجزء الثالث الماضي يعود بخيوط سوداء ومفاجأة تُقلب الموازين مر أسبوع كامل وأنا عايشة في دوامة من الشك والخوف والقلق.. كل ما أشوف التوأم في السونار، بفرح وبخاف في نفس الوقت.. فرحانة بيهم، وخايفة من الحقيقة اللي هتطلع تدمّر كل حاجة. طارق كان بيتصرف بطريقة غريبة جداً.. بيصرف عليّ بكل حب ورعاية، بيقعد جنبي ساعات طويلة، بيحكي لهم قبل ما يولدو.. بس كنت شايفة في عينيه نظرة غريبة.. نظرة شخص مخبي عليه سر كبير وبيحاول يتحمّله لوحده. وذات يوم، كنت برتب أغراض قديمة في الدولاب العلوي، لقيت ملف ورقي سميك مخبي جوا بطانية قديمة.. كان مكتوب عليه اسم المستشفى نفسها اللي رحتلها قبل كده.. فتحت الفضول يأكلني.. لقيت فيه تحاليل طبية قديمة.. وبصيت على الاسم.. قلبي اتوقف.. كان اسم طارق.. بس التاريخ كان من سنة ما قبل ما نتعرف! قرأت التفاصيل بترقب ورعب.. التحاليل بتقول إن عنده انعدام تام للحيوانات المنوية.. وآخر ورقة كانت موقعة من الدكتور نفسه، ومكتوب بخط اليد حالة ميؤوس منها.. لا يوجد أمل في الإنجاب الطبيعي. بس اللي فاجأني وخلاني أتجمد مكاني.. كان هناك ورقة تانية ملحقة بالملف، بتاريخ قريب جداً.. قبل شهرين بالظبط من الحمل! كانت نتيجة تحليل جديد.. ومكتوب بوضوح نسبة بسيطة جداً ولكنها موجودة.. 2.. قد تكون نتيجة علاج جديد أو تحسن تلقائي.. يُنصح بالتأكد بعد شهر. يعني هو كان عنده أمل! يعني ممكن يكون هو الأب! ليه ما قاليش؟ ليه خبي عليا؟! مسكت الملف ونزلت بسرعة لقيته قاعد في الصالة. قفت قدامه ورميت الملف على الطاولة إيه ده يا طارق؟ ليه خبيت عليك إن حالتك اتحسنت؟ ليه قلتلي إنك متأكد إنك مش الأب؟! طارق شاف الورق، وشحوب وجهه رجع تاني كنت خايف يا ندى.. خايف أعلّقكِ أمل وتتكسّر تاني.. النسبة كانت ضعيفة جداً.. 2 بس.. الدكتور قال إنها ممكن تكون غلط.. فما حبيت أقولكِ حاجة لحد ما أتأكد! وده مبرر تخليني أتألم وأعاني وأحس إني خاينة وأنا معملتش حاجة؟! صرخت بكل غضب. ليه يا طارق؟ ليه الصدق بيكون آخر حاجة نفكر فيها دايماً؟! آسف يا ندى.. آسف من كل قلبي.. قام وقف قدامي ومسك كتفي. بس صدقيني.. ما كنتش عايز أجرحكِ.. كنت عايز أحميكِ! الحماية مش بالكذب يا طارق! الحماية بالصدق! رديت ودموعي نزلت. دلوقتي أنا مش عارفة أصدق إيه.. ممكن يكونوا أبنائك.. وممكن يكونوا لأ.. وأنا عايشة في حالة عدم يقين تقتلني كل يوم! في تلك اللحظة، رن جرس الباب.. فتح طارق، ودخل رجل في الخمسينات، بملابس رسمية، وبوجهه جدية واضحة. الأستاذ طارق الألفي؟ أنا المحامي كمال.. عندي بلاغ وصل لنا من جهات أمنية، ونعتذر عن الإزعاج بس لازم نستفسر من حضرتك عن بعض التفاصيل. طارق اتوتر تفضل.. اتفضل بالجلوس. المحامي قعد، وبص لي ثم لطارق الموضوع يتعلق بشركة سابقة كان لزميلكِ الشريك فيها.. سيد رؤوف.. وصلتنا معلومات بتقول إنه كان بيستخدم اسم الشركة في عمليات تخصيب صناعي وزراعة أجنة بدون إذن أصحابها.. وبيبيع الأجنة لنساء عاجزات عن الإنجاب بمبالغ طائلة! قلبي دق بسرعة جنونية.. تخصيب صناعي؟ أجنة؟! المحامي كمل بجدية والغريب يا سيد طارق.. إن السجلات بتاعت المعمل بتاعه بتظهر اسم حضرتكِ مسجلاً كمتبرع بالحيوانات المنوية.. وبالتاريخ نفسه تقريباً اللي كانت السيدة حامل! طارق اتخطف لونه بالكامل أنا؟ متبرع؟ مستحيل! أنا عمري ما عملت كده! بالظبط.. وده اللي لفت انتباهنا.. لأن التوقيع مش بتاعك.. واسمك اتكتب بخط شخص تاني.. يعني حد استغل اسمك وبياناتك! الدنيا كلها اتقلبت قدامي.. يعني ممكن يكون فيه حد استغل حالتنا؟ استغل مرضنا وعوزنا للعيال؟ وعمل كده من ورانا؟! ومين اللي عمل كده؟ سألت بصوت بالكاد بيطلع. لسه بنبحث.. رد المحامي. بس اللي وصلنا ليه إن السيد رؤوف كان عنده وصول كامل لبيانات المرضى.. وكان بيستغل الحالات اللي مفيش أمل فيها عشان يقنعهم بالعمليات دي.. وبياخد منهم فلوس كتير جداً! طارق قام بغضب شديد رؤوف؟ ده كان صديقي من سنين! ده اللي ساعدني لما مرضت! ده اللي كان معايا في المستشفى! يعني هو اللي خد بياناتي؟ هو اللي لعب بيا وبمراتي؟! يبدو كده يا سيدي.. والتحقيقات مستمرة. خرج المحامي وبقينا أنا وطارق لوحدنا.. بس الصمت دي المرة كان مختلف.. كان فيه أمل جديد مختلط بالخوف.. ممكن يكون التوأم أبنائنا؟ ممكن يكونوا نتيجة خطأ أو خداع من شخص آخر؟ ممكن ربنا كرمهم بطريقة ما نعرفش نحسبها؟! طارق قرب مني، وعيناه لمعان أمل لم أشوفه من زمان ندى.. لو ده صحيح.. لو هو استغل اسمي وعمل كده من ورايا.. يبقى التوأم ممكن يكونوا أبنائي فعلاً! بس إزاي؟ سألت مترددة. الدكاترة قالوا إن حالتك كانت صفر! ممكن يكونوا غلطوا.. ممكن يكونوا استخدموا عينة قديمة.. ممكن يكون فيه ألف سبب! قال بلهفة. المهم.. إن فيه أمل يا ندى! أمل حقيقي! بس في نفس الوقت، كنت خايفة.. لو كان رؤوف هو السبب.. يبقى في خطر قادم ناحيتنا.. ليه عمل كده؟ إيه اللي بيستفيده؟ وهل سيسكت عن كده؟ ولا هيجي يطالب بحقوقه؟! الجزء الرابع المطاردة والخطر الذي يطرق الباب الأيام التالية كانت مشتعلة.. طارق بدأ يبحث في كل ورقة وكل ملف قديم، وكل ما يوصل لمعلومة جديدة، يتأكد إن رؤوف كان ورا كل حاجة. اتضح إنه كان شريك طارق في الشركة القديمة، وإنه اللي كان بيتواصل مع الأطباء والمعامل، وبياخد البيانات كلها.. وكل ما طارق كان بيقول إنه مستحيل ينجب، رؤوف كان بيقول له اصبر.. ربنا يفرجها، وهو في الحقيقة بيخطط لشيء ما كنا نعرفه! وذات ليلة، الساعة 2 بعد منتصف الليل، سمعنا صوت تكسير في الشارع.. طارق قام بسرعة، وفتح الشباك، ولقي العربية بتاعتنا متكسرة الزجاج ومكتوب عليها بخط كبير بالرش ارجعلي حقي.. أو أخدته بنفسي! طارق قفل الشباك بسرعة وقفل الأبواب كلها بالمفتاح ندى.. الباب اتفتح.. هو عايز يخوفنا! مين؟ رؤوف؟ سألت وأنا قلبي بيدق بسرعة جنونية. إيه اللي عاوزه منا؟! الفلوس.. والحقوق.. رد طارق بقلق. هو عايز يبتزّنا.. عايز يقول إنه هو سبب الحمل.. فالتوأم لازم يكونوا ملكه! وإننا لازم ندفع له مقابل الخدمة دي! مجنون! صرخت. إزاي يجرى يقول كده؟ دول ولادي! دمي ولحمي! هو ما يهمهوش يا ندى.. هو بيفكر في الفلوس بس.. وده أخطر ما يكون! من اليوم ده، بدأت رحلة الخوف والترقب.. طارق جاب حراسة للبيت، وغيّر كل الأقفال، واتواصل مع المحامي عشان يقدم بلاغ رسمي. بس رؤوف كان اختفى.. ما حدش يعرف فين هو، ولا إزاي يوصل ليه.. وكأنه اختفى في الهواء! وذات يوم، وأنا رايحة العيادة للمتابعة الدورية، لقيت شخص غريب واقف بيشوفني من بعيد.. طويل، بملابس سوداء، ونظراته مخيفة.. لما حاولت أتأكد، اختفى فجأة. رجعت البيت مرعوبة، وقلت لطارق حد كان بيراقبني.. شفت حد غريب! طارق اتغضب جداً من النهاردة مفيش خروج من غيري.. أو من غير الحراس.. فاهم؟ حياتكِ وحياة التوأم أمانة في رقبتي.. ومش هسمح لحد يقرب منكم! مر شهر والخطر بيزيد كل يوم.. رسائل تهديد بتوصل على التليفون، مكالمات مجهولة، وأحياناً حد بيفتح الباب بالمفتاح غلط.. كنا عايشين في حالة حرب، وكل يوم بيمر بيكون التأكيد إن رؤوف مش هيسكت بسهولة! في نفس الوقت، كنت بروح للدكتور بانتظام، والتوأم كانوا ينموا بصحة ممتازة.. كل ما أشوفهم على الشاشة، أحس بقوة غريبة بتجيلي.. دول قلبي اللي اتقسم نصين وحيا من جديد.. ومش ممكن أسلمهم لحد ولا أخلي حد يأذيهم! وذات يوم، الدكتور قال لي حاجة غريبة يا مدام ندى.. التوأم شكلهما متشابهان جداً.. لدرجة إنني مش فارقة بينهما.. وده معناه إنهما متطابقان.. يعني ناتجان من بويضة واحدة ملقحة بحيوان منوي واحد.. يعني أبوهما واحد بنسبة 100! الكلام ده خلى قلبي يطير من الفرحة.. يعني ممكن يكونوا أبناء طارق؟ لو كان رؤوف هو اللي لعب بالعينة، يبقى الأب هو صاحب العينة.. يعني طارق! رجعت البيت فرحانة جداً، وقولت لطارق الكلام ده.. هو كمان فرح، بس حزن في نفس الوقت يعني لو هو استخدم عينتي.. يبقى دول أبنائي فعلاً.. بس بطرق ملتوية ومشروعة! المهم إنهم ولادنا يا طارق! قلت بحب. الباقي نعالجه مع الوقت! بس ما كنا نعرفه إن رؤوف كان بيستنى اللحظة المناسبة بالظبط.. اللحظة اللي يتولدوا فيها التوأم.. وهناك هيكون مستعد لينفذ خطته الأخيرة والأقسى! الجزء الخامس الولادة واللحظة التي تقرر المصير الشهر التاسع جاء ومعاه كل الثقل والقلق.. كنت مستعدة للولادة في أي لحظة، وطارق كان ما بيفارقني خطوة واحدة.. كل حاجة جهّزناها في المستشفى، الحراسة حولنا، والأبواب مقفلة، والكل متأهب لأي طارئ. في ليلة من ليالي الشهر التاسع، الساعة 11 بليل، بدأت الآلام تضربني بقوة.. صرخت لطارق جالهم وقت يا طارق! التوأم عايزين يطلعوا! طارق اتصل بالمستشفى فوراً، وحملني ونزل بسرعة، والحراس ورانا.. وصلنا المستشفى، ودخلوني غرفة الولادة، وطارق معايا ما فارقنيش.. الدكتورة وفريق التوليد كانوا مستعدين، وكل حاجة تسير بسرعة رهيبة. بعد ساعتين من الألم والصراخ، ولد الطفل الأول.. ولد صغير جميل، صرخ بقوة ملأت الغرفة مبروك يا مدام.. ولد كامل الصحة! دموع الفرحة نزلت.. وبعد دقائق قليلة، ولد التاني.. صرخ هو التاني بنفس القوة والتاني كمان ولد.. ومتشابهان تماماً! بكيت من الفرحة.. أخيراً.. بعد كل السنين والألم والانتظار.. ربنا رزقني بولدين توأم! طارق قبل جبيني وبكى شكراً يا رب.. شكراً يا ندى.. شكراً على كل حاجة! كنا في قمة سعادتنا.. ما كنا نعرف إن السعادة دي كانت قصيرة جداً.. وإن الباب هيتفتح بقوة ويدخل علينا المجهول بكل قوته! بعد ساعة واحدة من الولادة، كنت مستلقية على السرير والتوأم نايمين جنبي، وطارق قاعد يمسك إيدي.. وفجأة، انفتح باب الغرفة بقوة.. ودخل رجل بشع الملامح، بعينين حمراوين، ومعاه ورق في إيده.. وراءه رجلان بملابس مدنية. طارق قام بسرعة وقف قدامي مين؟! إزاي دخلت هنا؟! الراجل ضحك ضحكة سوداء أهلاً يا صديقي القديم.. أهلاً بك يا عائلة الألفي السعيدة! أنا رؤوف.. وجيت آخذ حقي! قلبي اتجمد.. هو وصل! هو هنا! حقي إيه يا رؤوف؟! صرخ طارق. أنتَ خدعتنا ولعبت بينا! وما ليكش حق في حاجة! غلطان يا صديقي.. رد رؤوف وهو بيرفع الورق في إيده. معايا أوراق تثبت إني أنا اللي قمت بعملية التخصيب.. وأنا اللي قدمت الخدمة دي.. ووفقاً للقانون، ولما يكون التلقيح الصناعي بمعرفة طرف ثالث.. يكون للمتبرع حقوق في الأبناء! وإن لم تكن متبرعاً.. أنا اللي نظمت العملية.. وأنا اللي دفعت التكاليف! فالتوأم دول ملك لي! مجنون! صرخت وأنا قاومة من على السرير رغم ألمي. دول ولادي! دمي ولحمي! ملكش دعوة بيهم! ده هنعرفه في المحكمة.. قال بوقاحة. بس قبل ما تروحوا المحكمة.. أنا جاي أتفاوض معاكم! إما تدفعوا لي مبلغ 10 مليون جنيه.. وأنسى الموضوع كله.. أو أروح القاضي وأثبت إن الأب مش طارق.. وساعتها آخذ الولاية عليهم! طارق اتقدم خطوة وغضبه كان يزلزل المكان تهددني؟ تبتزّني في ولادي؟! إحنا كنا صديقين يا رؤوف! كنت شايلك في عيني! وده جزاء الصداقة؟! الفلوس بتعمل كل حاجة يا صديقي.. رد رؤوف ببرود. والدنيا مفيهاش صداقة غير لما تدفع! في تلك اللحظة، دخل المحامي كمال ومعاه رجال شرطة القبض على رؤوف! لدينا أمر ضبط وإحضار بتهمة الابتزاز والاحتيال واستغلال المرضى! رؤوف اتغير لونه وحاول يهرب، بس الشرطة قبضت عليه فوراً أنا بريء! ليهم حقوق! أنا هطالب بالمحكمة! المحامي بص لنا بابتسامة متقلقوش يا سيد طارق.. كل الأدلة معانا.. تسجيلات ورسائل وبيانات تثبت إنه استغل حالتكم وابتزّكم.. وإن العملية تمت بغير إذنكم.. وإن العينة المستخدمة كانت عينتك بالظبط يا سيد طارق.. فالأب أنتِ 100! طارق وقع على الكرسي من الصدمة والفرحة معاً يعني.. يعني دول أبنائي؟! نعم يا سيدي.. أبناؤك بالكامل.. رد المحامي. والدليل موجود وموثق! بكيت بصوت عالٍ.. أخيراً.. انتهت المعاناة.. انتهى الخوف.. وبقينا نعرف الحقيقة الكاملة.. التوأم أبناء طارق.. حبنا.. ربنا رزقنا بهم رغم كل المستحيلات! رؤوف اتسحب برة الغرفة وهو يصيح ويهدد، بس ما حدش بقي يهمه كلامه.. لأن الحقيقة ظهرت والعدالة بدأت تأخذ مجراها! الجزء السادس السنين تمر والحب يبقى.. والحق يُعلو ولا يُقهر مرت السنين بسرعة، والتوأم كبرا قدام عينينا.. زياد ويوسف.. توأم متشابهان جداً، لا أحد يفرق بينهم إلا أنا وطارق.. كبروا وهما يحملان صفاتنا معاً.. زياد بيتسمع كلامي وهادي زيّي، ويوسف قوي وشجاع زي أبوهما. وكبروا وهم يعرفوا قصتهم من أولها لآخرها.. يعرفوا إنهم جوا من رحم المعاناة والأمل، وإن ربنا حفظهم وحماهم من كل سوء! طارق بقي أحسن أب في الدنيا.. كل يوم بيصحى بيهم، بيروح المدرسة، بيلعب معاهم، بيحكي لهم قصص قبل النوم.. وكل ما يشوفهم، بيجي جنبي ويقول شفتي يا ندى؟ من قال إن المستحيل موجود؟ دول كانوا مستحيلين.. وهم أحلى حاجة حصلت لي في حياتي! المستحيل ما كانش موجود يا طارق.. قلت له بابتسامة. كان مجرد كلمة قالها الناس اللي ما يعرفوش قدرة ربنا! وفي يوم تخرج التوأم من الجامعة، وقفوا قدام الحضور وقالوا أهدي هذا النجاح لأمنا وأبونا.. اللي صبروا وآمنوا بالمعجزة.. اللي واجهوا المخاطر والتهديدات عشان يبقوا مع بعض.. منهم تعلمنا إن الحب أقوى من المستحيل، وإن الأمل بيخلق من العدم، وإن الصدق مهما طال بيظهر في النهاية! بكيت من الفرحة وأنا شايفة ولادي واقفين قدامي.. ما كنتش أتخيل إن اللي بدأ بخبر حمل بسيط في عيادة دكتورة، ينتهي بقصة عيلة كاملة تحب بعض وتصون بعض! رؤوف سجن بتهمة الابتزاز والاحتيال، وقضى سنوات طويلة ورا القضبان.. وعرف في النهاية إن الفلوس ما بتجيب السعادة، وإن الخداع نهايته دايماً خسران! وذات يوم، وأنا وطارق قاعدين في الجنينة بتاعت البيت الكبير، وبينما التوأم يلعبون مع أولادهم، مسك طارق إيدي وقال لي تعرفي يا ندى؟ لو رجع الزمن لورا، وكنت أعرف إن كل ده هيحصل.. كنت عملته تاني عشان أوصل لقلبكِ! وأنا كمان.. رديت بكل حب. كل ألم وكل خوف وكل دمعة كانت مستاهلة عشان نصل لهاللحظة دي! قبلنا بعض في هدوء، والشمس بتغرب وتلون السماء بألوانها الذهبية.. وعرفت إن الحب الصادق ما بيموتش.. وإن الأمل ما بيتقفلش باب مهما ضاقت الدنيا.. وإن ربنا اللي خلقنا هو اللي يرزقنا من حيث لا نحتسب، ويجعل من المحن منحاً ومن الخوف أمناً ومن الفراق لقاءً بإذنه تعالى! وتبقى الكلمة الأخيرة ما أغلق الله باباً إلا وفتح أبواباً أخرى لا تخطر على بال.. وما ضاقت الدنيا إلا لتعرف أن الرزق والفرج بيد رب السماوات والأرض.. والزوجان حين يتحد قلباهما لا يقدر عليهما شيء.. والصبر على البلاء يُثمر أعظم مما تتمنى.. والمعجزات لا تحدث إلا لمن يؤمن بها ويصبر عليها.. والحق يُعلو ولا يُقهر، والصدق يُزهر ولو بعد حين، والله مع الصابرين دائماً وأبداً. تمت القصة بحمد الله وتوفيقه