سلفتي مش بتحب السمك ج١
منى السيد
عايزين خادمة مقيمة بشروط خاصة! وبعدين هي ليه خبت عليا أصلاً من البداية؟ لو كانت قالتلي إنها حامل، هو أنا كنت هفكر أعمل حاجة تضايقها؟ ليه سابتني أبان وحشة إمبارح والنهارده تعملني أنا المذنبة؟
طارق ضرب بإيده على الترابيزة وقال بنفاد صبر خافت من العين يا سارة! الست سقطت مرتين قبل كده، حقها تخاف ولا مش حقها؟! المهم دلوقتي مش مين قال ومين عاد، أخويا كلمني وهو منهار في التليفون، قالي مراتي أمانة في رقبتكم انت ومراتك، أمي ست عجيبة مش هتقدر، وانتي اللي موجودة في العمارة. شقتهم هتتنضف كل يوم، وأكلها ينزل في مواعيده بالمسطرة، ومش عايز أسمع مشاكل تاني، الموضوع مش مستحمل هبل نسوان!
قربت منه وبصيت في عينيه وقولت بصوت واطي ومرجف هبل نسوان؟ يعني أنا بعد التعب ده كله يطلع عليا هبل نسوان؟ ماشي يا طارق، أنا هعمل بأصلي، بس افتكر كويس إنك بتظلمني.
من اليوم ده، بدأت مرحلة تانية خالص في البيت. مرحلة كانت أصعب بمراحل من مشكلة السمك.
كنت بصحى من الساعة ستة الصبح، أجهز فطار عيالي واللانش بوكس، أوديهم المدرسة، أرجع جرى على شقة سارة. كنت أنزل بالمفتاح اللي حماتي أصرت إني آخده عشان ما أزعجهاش بالتخبيط. أدخل بالراحة، ألاقيها نايمة ومغيمة الأوضة بالتكييف والستاير.
أدخل المطبخ بتاعها، أعملها الفطار الخاص بيها بيض مسلوق، عصير برتقال فريش معصور في وقته، توست بني. أطلعلها الأكل لحد السرير، تصحى، تبص في الصينية بقرف وتقول البيض ده مش مستوي كويس يا إيمان، البرتقال فيه مزازة، معدتي هتتعب، ارميه واعمليلي تفاح بيوريه أحسن.
كنت أبلع الإهانة وأقول في بالي معلش، هرمونات حمل وضعيفة. أروح أعمل اللي طلبته، وبعدين ألم الزبالة، أمسح الشقة، أغسل الغسيل بتاعها وبتاع جوزها، وأطلع شقتي ألحق أعمل أكل بيتي وأذاكر للعيال.
الموضوع استمر أسبوعين على الحال ده، وأنا حيلي اتهد. خسيت، وعيالي بدأوا يشتكوا إني مش بقعد معاهم، وجوزي كل ما يرجع يلاقي البيت مكركب يقولي انتي مهملة في بيتك ليه؟ ولما أقوله كنت تحت يزعق ويقول ما كل الستات بتشيل بعض، انتي بتمني علينا؟!
في نص الأسبوع التالت، حصل الموقف اللي قلب الموازين كلها وخلاني أقف على رجلي.
كان يوم جمعة، وجوز سارة كان مسافر مشوار شغل تبع شركته في إسكندرية وراجع بليل، وطارق جوزي كان نازل يصلي الجمعة ويقعد على القهوة شوية مع صحابه.
نزلت كالعادة عشان أديها علاج الساعة اتناشر وأشوف طلباتها. فتحت باب الشقة بالمفتاح براحة عشان ما أزعجهاش. الشقة كانت هادية خالص، وصوت التلفزيون في الصالة مقفول.
مشيت في الطرقة براحة متجهة لأوضة النوم، وكنت ماسكة في إيدي علبة العلاج اللي اشتريتهولها من الصيدلية الصبح بفلوسي أنا ومحدش قالي حتى خدي تمنه.
وأنا بقرب من الأوضة، سمعت صوت ضحك!
ضحك عالي ورنان، صوت واحدة فايقة ورايقة جدًا ومبسوطة على الآخر. وقفت مكاني مذهولة.
الصوت كان جاي من جوة الأوضة، وسارة كانت بتتكلم في التليفون ههههههههه، يا بنتي بطلي بقى هموت من الضحك، والله العظيم فكرة جهنمية، أمك دي دماغها توزن بلد! ما كنتش مصدقة إن الحوار هيبلعوه كده!
وقفت ورا الباب، قلبي كان بيدق في وداني زي الطبلة. مسكت مقبض الباب وسكت خالص، وحبست أنفاسي.
سارة كملت كلامها وهي بتتحرك في الأوضة، وصوت كعب شبشبها كان بيخبط في الأرض بخفة ونشاط مفيش فيه أي أثر لواحدة نايمة على ضهرها وبتموت يا بنتي حمل إيه بس فال الله ولا فالك، أنا مش ناقصة هم دلوقتي! إحنا روحنا للدكتور عشان نعمل فحوصات عادية أصلًا عشان التأخير، لقى عندي كيس مية صغير خالص قالي هيروح مع العلاج ومفيش أي حمل ولا نيلة! بس أول ما روحت وحكيت لماما على خناقة السمك وإن إيمان دي حاطة راسها براسي وعايزة تفرض شخصيتها عليا، ماما قالتلي دي فرصة نكسر مناخيرها ونعلمها الأدب. قالتلي قولي لحماتك إنك حامل وتعبانة، وخليها هي اللي تتصدر للولا طارق، وطارق أصلًا أهبل وبيسمع كلام أمه، وبكده نضرب عصفورين بحجر نقعدك ست هانم مخدومة ومكرمة، ونعلم سلفتك إزاي تعرف حجمها وتخدمك برضاها وغصب عنها!
كنت واقفة مسمرة، الدم هرب من وشي كله، وإيدي اللي ماسكة كيس الدوا كانت بتترعش من الغيظ والقهر.
سارة كملت وهي بتمط في الكلام بمياعة والله العظيم يا هبة لو شوفتيها، شكلها يفطس من الضحك! بتنزل الصبح وشها أصفر وتكنس وتمسح وتغسلي حتى الهدوم الداخلية! وعاملة فيها الملاك الرحيم، وجوزها بينزل يبوس على راسي ويقولي معلش حقك علينا لو إيمان قصرت! يا بنتي والله العظيم هفضل مكملاها شهرين كمان لحد ما أزهق، وبعدين نعمل نفسنا سقطنا ونلبسها هي الليلة ونقول من ريحة أكلها ولا عينها الوحشة!
في اللحظة دي، حسيت بنار ولعت في نافوخي. كل التعب، كل الإهانات، كل النظرات اللي جوزي بصهالي كأني ست بلا قلب، بهدلتي قدام حماتي، صحتي اللي راحت في الترويق والمسح وطبيخ الهوانم، كل ده كان مجرد مسرحية رخيصة معمولة عشان يتكسر مناخيري؟!
إيدي اتحركت لوحدها ودفعت باب الأوضة بكل قوتي. الباب خبط في الحيطة بصوت رزع هز الشقة كلها.
سارة اتنفضت من على السرير، التليفون طار من إيدها ووقع على السجادة، وهي وقفت مبرقة وعينيها متبتة فيا، وشها قلب أبيض زي
الجص، كأنها شافت عزرائيل واقف قدامها.
وقفت في مدخل الأوضة، بصيت لها من فوق لتحت، مفيش أي أثر لتعب، حاطة ميكب خفيف في وشها، وشعرها معمول، ولابسة بيجامة شيك، والضحكة كانت لسه مرسومة على شفايفها قبل ما تتجمد من الرعب.
قولتلها بصوت واطي جدًا، نبرة هادية بس كانت أرعب من أي زعيق بقى كيس مية يا سارة؟ ومسرحية عشان تكسروا مناخيري؟
سارة بلعت ريقها وبدأت تتلجلج، حاولت تقعد بسرعة على السرير وتعمل نفسها دايخة وتغمض عينيها إيمان… انتي فهمتي غلط… أنا كنت… كنت بهزر مع صحبتي… أنا دايخة مش قادرة أقف… الحقي…
قربت منها بخطوات بطيئة، وبدل ما أصرخ أو أمد إيدي عليها، وطيت على الأرض وجيبت التليفون بتاعها اللي كان لسه مفتوح والخط شغال ومكتوب عليه اسم أختها هبة.
حطيت التليفون على ودني وقولت ببرود تام سلميلي على أمك يا هبة، وقوليلها فكرة جهنمية فعلًا، بس للأسف، النهاية مش هتعجبكم خالص.
قفلت الخط في وش أختها، وبصيت لسارة اللي كانت بترتعش بجد المرة دي، بس من الخوف والفضايح مش من الحمل.
رميت كيس الدوا على السرير في وشها وقولتلها قسماً برب العزة يا سارة، لو شوفت خيالك في شقتي، أو سمعت صوتك طالع، أو حاولتي تفكري إنك هتعملي عليا نمرة تاني، لهخلي العمارة دي كلها، وعيلتك، وجوزك اللي مأمنك على شرفه وبيته، يسمعوا التسجيل اللي كان بيسجل في جيبي دلوقتي حالا.
سارة عينيها برقت برعب وقالت بصوت مخنوق انتي… انتي سجلتيلي؟!
ما رديتش عليها، ابتسمت نص ابتسامة وسيبتها وخرجت. بس الغضب اللي كان جوايا ما كنش رايح لسارة بس، الغضب الحقيقي كان رايح لحماتي، ولجوزي اللي هانني وصغرني وخلاني خدامة لناس بتتسلى بيا.
طلعت شقتي، قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت في الصالة. كنت برتعش من كل حتة، بس كان في هدوء مخيف بدأ يحل محلي. أنا مش الست اللي بتعيط وتندب حظها، ولا اللي بتستنى جوزها يرجع عشان تتخانق معاه فيطلعها هي الغلطانة والمفترية.
الساعة كانت داخلة على اتنين بعد الظهر. صوت طارق وهو طالع على السلم كان مسموع، بيصفر ومبسوط بعد ما خلص قعدته مع صحابه.
سمعت صوت باب الشقة بيتفتح، دخل ورمى السلام وهو مبتسم إيمان، اعمليلي كوباية شاي ونبي، اليوم كان حلو برا والجو جميل.
بصيت له، ملامحي كانت جامدة تمامًا، ومردتش عليه.
قرب مني باستغراب وقال مالك قاعدة كده ليه؟ في إيه؟ سارة تعبت تاني ولا إيه؟ أوعي تكوني اتخانقتي معاها؟!
وقفت وبصيت في عينيه مباشرة، وقولتله جملة واحدة بس خلت ابتسامته تقع، وخلت الدم يهرب من عروقه زي ما هرب من وش سلفتي تحت أمك وأخوك وسلفتك، قدامك عشر دقايق تلمهم في الصالة هنا يا طارق، يا إما البوليس هو اللي هيلمنا كلنا في القسم النهاردة بتهمة النصب والابتزاز، والشهادة معايا في جيبي يتبع