الاب يوقف الدعك صافي هاني
ابني بعتلي وقالي “ما تجيش عشاء التخرج عشان مفيش مكان ليك على السفرة”، ونسي إن عربية مراته الـ BMW، ومدرسة ابنه الإنترناشونال، وتشطيب الحمام المودرن، والفيلا اللي في “زايد” اللي عايشين فيها، كلهم قايمين على الفلوس اللي كنت ببعتها في السكات بقالي سنين. هما بيرصوا كاسات الاحتفال، وأنا قفلت الحنفية ومنعت كل التحويلات، وسبت المحضر يخبط على بابهم مع شمس الصبح.
الرسالة جتلي ليلة خميس وأنا قاعد في مكتبي، جنبي كوباية قهوة بردت وسط كومة ورق حسابات، وبرا في الجنينة كان ورد الشجر اللي مراتي زرعته السنة اللي “هاني” اتولد فيها. ما كتبش كلام واحد بيطرد أبوه من العيلة، كتب بمنتهى “الأدب”: “يا بابا، ممكن تيجي تشوف (زين) وهو بيستلم الشهادة وبعدين تتوكل أنت قبل العشاء.. (رانيا) شايفه إن الموضوع هيكون أهدى لو اقتصر على أهلها بس”.
”أهدى”.. قريت الجملة دي تلات مرات بالظبط. مش عشان مش فاهمها، بس عشان فيه جمل لازم تقراها براحة عشان تتأكد هي فعلاً ساقعة وواطية زي ما حسيتها أول مرة ولا لأ. أهل “رانيا” جايين طيران من كل حتة، 12 فرد ليهم كراسي وأطباق وصور ولي حق الوقوف في المطبخ
اللي أنا دافع تمن تجديده. وأنا، الراجل اللي دفع مصاريف جامعة “زين” في الجامعة الأمريكية، وإيجار سكنه، وكل شيك اتدفع في المطبخ والحمام والرخام.. معزوم زي الجار اللي “ذوقه عالي” يبارك ويمشي من سكات.
ما كلمتش “هاني” ولا رديت على الرسالة، وما سألتوش “أنت فاكر مين اللي دفع تمن البيت ده؟”، لأن الأسئلة دي بتخلي الناس تمثل إنها مكسوفة دقيقتين وبعدين يقعدوا على السفرة برضه، ويرفعوا كاساتهم ويقنعوا نفسهم إن الشخص اللي اتطرد ده هو اللي “صعب وحبّاك”.
أنا قضيت 31 سنة في غرف العمليات، شربت قهوة المكن في المستشفيات الحكومي الساعة 2 الصبح، وشفت أهالي واقفين في السيبّات بعيون تاهت من كتر الرجا. أنا عارف نوع الصمت اللي بيوجع، وعارف إن فيه حاجات ما ينفعش تداوى بشيكات تانية.
بعد 14 دقيقة، كلمت البنك.. وصوت الموظفة كان هادي كالعادة، طلبت منها توقف كل التحويلات التلقائية؛ مصاريف الجامعة، الإيجار، المصروف الشهري.. كله.
بعدين كلمت المقاول.. الحمام اللي “رانيا” كان نفسها فيه بقالها سنة كان لسه نصه متشطب، السيراميك المستورد لسه ما اتفرشش والبانيو ما ركبش.. قلتله غطي كل حاجة بمشمع، قفل عِدّتك، وابعتلي الفاتورة النهائية.
بعدين كلمت المحامي بتاعي.
تاني يوم الصبح، مكتب “أستاذة شيرين” كانت ريحته ورق نضيف وقهوة سادة. ما اتفاجئتش، اللي اشتغل في القانون فترة طويلة عارف إن فيه عائلات ما بتنهارش بالصويت، بتنهار برسالة “مؤدبة”. لما سحبت ملف فيلا “زايد” قدامها، شفت ورقة قديمة بدبوس فضي.. أول سطر كان اسم “هاني”، وتاني سطر عنوان البيت، وتحتهم بالظبط كان فيه خانة فاضية متحوطة بقلم أزرق.. كأن فيه حد كان مجهز يكتب اسمي في قصة أنا عمري ما وافقت إني أحكيها.