ممكله الزجاج الاسود شروق خالد

في عيادة الـ VIP، كنت واقفة بساعد بنتي الحامل في الشهر التاسع عشان تقلّع هدومها عشان تعمل السونار الأخير. أول ما قميصها نزل، نفس اتكتم وما قدرتش أتنطق. ظهرها وضلوعها كانوا عبارة عن لوحة مرعبة من الكدمات الزرقاء والمنفوخة، وكلها على شكل جزمة.. كدمات واضحة وصريحة. هي اتخضت وخافت، ولمت هدومها على صدرها وهي بتموت من الرعب وبترتعش. وبقهر دمعت وقالت لي: “يا ماما، أرجوكي بلاش مشاكل! ده جوزي شريف، مدير المستشفى.. قال لي لو فكرت أسيبه، هيتأكد إني مش هقوم من العملية القيصرية وصاحية.”
أنا ما صرختش، ولا حتى اتعصبت.. عيني بس نظرتها ماتت وبقت زي الإزاز. ساعدتها بالراحة تلبس لبس المستشفى وقلت لها بنبرة هادية تخوف: “طب يلا يا حبيبتي، خلينا ندخل ونسمع دقات قلب البيبي.” وطول ما هي كانت نايمة على سرير الفحص، كنت أنا في دماغي بفرتك الإمبراطورية الطبية بتاعة جوزها وبنهيها تماماً.
آثار الضرب اللي كانت معلمة في جسم بنتي كانت واضحة وما يختلفش عليها اتنين.. طبعة جزمة تقيلة. ضرب مقصود، وبغل، ومعمول عشان يكسرها ويوجعها لأقصى درجة.
مريم كانت واقفة قدامي، جسمها كله بيتنفض من الرعب، ورجليها بتخبط في الأرض الرخام من الخوف. كانت في الأسبوع الـ 38، يعني خلاص بتولد، ومع ذلك كانت شبه أسرى الحرب.
“ماما”، قالتها وهي بتنهج وبتتخانق مع بلوزتها الحرير عشان تداري ظهرها المتدغدغ. “أرجوكي… أرجوكي بلاش تعملي حاجة.”
حلقي اتسد وما كنتش قادرة أبلع ريقي. مديت إيدي ليها وأنا بترعش، غريزة الأم اللي عايزة تطمن بنتها وتطبطب عليها.
لكنها تراجعت لورا بخوف وخطفت جسمها مني.
الخضة والرجعة لورا دي وجعتني أكتر من منظر ضلوعها المكسورة.. دي كسرت روحي أنا.
“مريم”، همست بصوت واطي ومكتوم على قد ما قدرت عشان ما أتحولش. “مين اللي عمل فيكي كده؟”
عينيها المضروبة اتملت دموع سخنة وقالت: “شريف.”
جوز بنتي.. الدكتور شريف علام. الولد المدلل والنجم بتاع أكابر دكاترة مصر.
مريم مسكت معصم إيدي بأصابعها المتلجة بكل قوتها وقالت: “قال لي… لو حاولت أمشي أو أسيبه، هيخلي في مضاعفات وقت الولادة. هيتأكد إني مش هقوم من البنج أبداً في القيصرية.”
في اللحظة دي بالذات، قلبي ما اتكسرش.. قلبي اتحول لحجر.
ست الجدّ الـطيبة والناعمة اللي عشتها بقالي سنين اختفت في ثانية، وطلع مكانها حد قديم، ناشف، وقاسي ومخيف لأبعد حد.
“يا ماما، مش هتقدري تعملي حاجة! هو صاحب المستشفى دي كلها.. هياخد مني الابن وهيقتلني!”
ما ردتش عليها. رفعت عيني وبصيت لكاميرا المراقبة اللي في السقف. شريف بنى مملكة من الإزاز والمنظرة والسمعة اللي فاكرها ما بتهتزش. بس من كتر غروره ونرجسيته، نسي تماماً مين اللي كان شاري الأرض والوساخة اللي بنى عليها مملكته دي.
“يا حبيبة أمك”، همست لها وأنا برسم ابتسامة هادية وباردة ترعب، وبقفل لها رباط فستان المستشفى ورا ظهرها المحني والمضروب. “جوزك حسبها غلط خالص، وحسبته دي هتكلفه غالي أوي.”
مسكت مقرة الباب النحاس التقيلة. شريف كان فاكر إنه حبس قطة غمضة وخايفة، ما كانش يعرف إنه قفل الباب على نفسه في قفص واحد مع وحش مستني الإشارة.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *