اول ما سمعت جوزي
أول ما سمعت جوزي داخل البيت، عملت نفسي لسه سامعة الأغاني في السماعات ومش واخدة بالي منه.
لكن وأنا قاعدة في مكاني، سمعته بيتكلم في التليفون وبيقول بمنتهى الهدوء
بكرة هطلب منها الطلاق… والبنت هتروح معاها. أنا مش هفضل شايل همّ بنت أنا أصلًا مش قادر أربيها بالشكل ده.
ما اتحركتش.
ولا حتى شلت السماعة من ودني.
كل اللي عملته إني فتحت موبايلي بهدوء، وفتحت الرسالة اللي كانت لسه واصلالي من المحامية.
أستاذة ندى، الورقة اللي طلبتي مني أراجعها موجودة، لكن لازم أقابلك بكرة ضروري… لأنها ممكن تغيّر موقفك القانوني بالكامل.
قلبي دق بسرعة.
لأني كنت عارفة بالضبط هي بتتكلم عن إيه.
ورقة ماضية من كريم من 3 سنين.
ورقة هو بنفسه كان ناسي إنها موجودة.
أو يمكن…
كان فاكر إنها ضاعت.
كنت ندى، عندي 32 سنة، ومتجوزة كريم من أربع سنين.
وعندنا بنت اسمها سلمى، عندها تلات سنين.
كريم كان مهندس مدني، شاطر جدًا في شغله، لكن الفترة الأخيرة حصلت له مشاكل كبيرة في مشروع كان ماسكه.
خسر فلوس.
دخل في ديون.
وبدأ يرجع البيت متعصب طول الوقت.
في البداية كنت بحاول أساعده.
بعت من مدخراتي.
وقفت جنبه.
حتى إني بعت دهبي اللي كنت محتفظة بيه من قبل الجواز عشان أسدد جزء من الديون.
لكن بعد فترة، الموضوع زاد عن احتمالي.
وبدأ كريم يقول كلام غريب
لازم نبيع الشقة.
كنت ببص له باستغراب.
نبيع شقتنا ونروح فين؟
أمي عندها شقة قديمة ممكن نقعد فيها.
والشقة دي باسم مين؟
كان يسكت.
وأنا كنت فاهمة إن في حاجة هو مش بيقولها.
خصوصًا إن الشقة اللي عايشين فيها كانت هي كل أماني أبويا الله يرحمه.
قبل وفاته بسنة، كان ساعدني بجزء كبير من تمنها.
وكريم وقتها قال لي
دي شقتنا إحنا الاتنين، ومحدش يقدر ياخدها مننا.
لكن من يوم ما بدأت مشاكله المالية…
بقى كلامه مختلف.
في الليلة دي، بعد ما قفل المكالمة، دخل الصالة.
بص لي.
وقال
إنتِ لسه صاحيه؟
نزعت السماعة ببطء.
آه.
ما سمعتيش حاجة؟
بصيت له ثانيتين.
وبعدين ابتسمت ابتسامة هادية.
سمعت.
وشه اتغير.
سمعتي إيه؟
كفاية.
سكت.
قعد قدامي.
وبعد لحظات قال
ندى، أنا مش قادر أكمل بالشكل ده.
تقصد إيه؟
لازم ننفصل.
الكلمة وقعت عليا تقيلة.
مش لأني كنت مستغربة.
لكن لأني كنت حاسة إن اللحظة دي جاية.
سألته
والسبب؟
تنهد.
أنا مش قادر أشيل مسؤولية البيت والبنت والديون كلها.
بصيت له بهدوء.
وسلمى؟
هتروح معاكي.
وأنا؟
هتتصرفي.
سكت شوية، وبعدين قال
والشقة لازم تتساب.
رفعت عيني له.
ليه؟
لأنها مش ملكنا.
هنا لأول مرة حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد طلاق.
قلت
إنت متأكد إن الشقة مش ملكنا؟
اتوتر.
أيوه.
متأكد؟
أيوه يا ندى.
ابتسمت.
تمام.
قام وهو متضايق.
لكن قبل ما يدخل الأوضة، وقفت وقلت
كريم؟
لف لي.
بكرة عندي مقابلة مع المحامية.
وشه اتغير.
محامية؟
أيوه.
محامية ليه؟
قربت منه خطوة.
وقلت
عشان الورقة اللي إنت مضيتها من تلات سنين.
اتجمد مكانه.
وبص لي كأنه لأول مرة يشوفني.
ورقة إيه؟
قلت بهدوء
الورقة اللي إنت قلت وقتها إنها مجرد إجراء روتيني.
اتبلع ريقه.
ندى… إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
ما جاوبتش.
رجعت قعدت مكاني.
وسبت السؤال معلق في الهوا.
لأن الحقيقة كانت إن أنا نفسي ما كنتش عارفة كل تفاصيل الورقة.
المحامية هي اللي اكتشفتها أثناء مراجعة أوراق قديمة تخص الشقة.
وفي نفس اللحظة، موبايلي اهتز.
رسالة جديدة منها
ندى، مهم جدًا متقوليش لكريم أي تفاصيل عن الورقة قبل ما نتقابل. لأن لو هو عرف محتواها، ممكن يحاول يتصرف في أوراق تانية قبل ما نتحرك.
قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين رفعت عيني ناحية باب الأوضة.
كريم كان واقف هناك.
وبيسمعني من بعيد.
وفجأة قال
إنتِ مخبية عني إيه يا ندى؟
ما رديتش.
لأني في اللحظة دي…
افتكرت حاجة حصلت من تلات سنين.
يوم ما كريم جاب لي ملف كبير وقال
إمضي هنا بس، دي ورقة تخص الشقة ومش هتفرق معاكي.
وأنا وثقت فيه.
ومضيت.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها…
إن الورقة دي كانت فيها جملة واحدة، لو المحامية قدرت تثبت صحتها، كل خطة كريم هتنهار.
وفي صباح اليوم التالي…
وصلت لمكتب المحامية.
لكن أول ما دخلت، لقيتها واقفة قدام مكتبها، وفي إيدها الملف القديم.
بصت لي بجدية وقالت
ندى… لازم تعرفي إن اللي لقيناه أخطر بكتير مما كنت متوقعة.
أخطر إزاي؟
فتحت الملف.
طلعت الورقة.
وحطتها قدامي.
وبصوت منخفض قالت
كريم مش بس كان عارف إن الشقة ليكي…
وسكتت لحظة.
ده كان ماضي على إقرار بيمنعه من التصرف فيها أصلًا.
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
لكن المحامية ما كملتش.
لأنها قلبت الورقة على ضهرها…
وأشارت لتوقيع موجود تحتها.
وقالت
المشكلة مش في توقيع كريم.
أمال في إيه؟
بصت لي في عيني.
المشكلة إن فيه توقيع تاني على الورقة… وتوقيع صاحبه ممكن يغيّر حياتك وحياة سلمى بالكامل.
وساعتها…
أنا عرفت إن السر اللي مدفون من تلات سنين لسه ما ظهرش كله المحامية فضلت ساكتة وهي بتبص للورقة.
أنا قربت منها وقلت
مين صاحب التوقيع التاني؟
حطت صباعها على آخر الصفحة.
والدك.
اتنفست براحة ممزوجة بالدهشة.
بابا؟ بس بابا كان متوفي قبل ما نتجوز!
عارفة. وعشان كده الموضوع مهم.
فتحت درج مكتبها وطلعت صورة قديمة.
الورقة دي اتعملت قبل وفاة والدك بحوالي سنة. والدك كان وقتها دافع جزء من تمن الشقة، وكتب اتفاق واضح جدًا إن المبلغ ده كان مساهمة في ملكية الشقة لصالحك إنتِ شخصيًا.
بصيت لها وأنا مش مستوعبة.
يعني الشقة باسمي؟
مش بالبساطة دي. التسجيل الرسمي له تفاصيل تانية، لكن الورقة دي بتثبت إن والدك ما كانش بيديك فلوس عشان تساعدي جوزك. هو كان بيأمّن مستقبلك ومستقبل سلمى.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
والأهم إن كريم كان شاهد على الاتفاق ده.
اتسمرت مكاني.
يعني كان عارف؟
من أول يوم.
حسيت بغصة في حلقي.
كل مرة كان بيقول لي
الشقة بتاعة أمي.
كل مرة كان بيضغط عليا أسيبها.
كل مرة كان بيخليني أحس إني ضيفة في بيتي…
كان عارف إن الحقيقة غير كده.
سألتها
طب ليه سايبني كل السنين دي؟
المحامية ردت بهدوء
غالبًا لأنه كان مستني إن الورقة تختفي، أو إنك متفكريش تدوري وراها.
فتحت الملف تاني.
لكن فيه حاجة تانية.
إيه؟
طلعت ورقة أصغر.
دي أهم من الأولى.
مسكتها بإيدي المرتعشة.
كانت عبارة عن إقرار موقع من كريم.
قرأته مرة.
وبعدين مرة تانية.
الكلام كان واضح
أقر أنا كريم… أن الشقة محل الاتفاق ليست من أموالي الخاصة، وأن أي تصرف فيها دون موافقة ندى يعد مخالفًا لما تم الاتفاق عليه.
رفعت عيني للمحامية.
هو مضى ده؟
آه.
طيب ليه بيقول إنها مش ملكنا؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأن كريم مش عارف إن النسخة الأصلية لسه موجودة.
سكتنا لحظة.
وفجأة موبايلي رن.
كان كريم.
رديت.
ألو؟
صوته كان متوتر
إنتِ فين؟
بره.
عند المحامية؟
ما جاوبتش.
قال بسرعة
ندى، أنا عايز نتكلم قبل ما تعملي أي خطوة.
نتكلم في إيه؟
في موضوع الشقة.
بصيت للمحامية.
قالت لي بعينيها ما تقوليش حاجة.
رديت
لما أرجع هنتكلم.
قفل.
لكن بعدها بثواني وصلتني رسالة منه
أنا عارف إنك عرفتي حاجة عن الورق القديم.
قلبي دق.
ورفعت عيني للمحامية.
هو عرف إزاي؟
قالت
السؤال مش هو عرف إزاي…
وسكتت.
السؤال مين اللي وصله للملف؟
رجعت البيت قبل المغرب.
لقيت كريم قاعد في الصالة، قدامه ظرف بني كبير.
بص لي وقال
اقعدي.
حطيت شنطتي على الكرسي.
قول.
فتح الظرف وطلع منه مجموعة أوراق.
أنا مش عايز الموضوع يكبر.
وأنا كمان.
يبقى نحلها بهدوء.
بصيت للأوراق.
إيه دي؟
قال
أوراق تثبت إن الشقة مش من حقك لوحدك.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
غريبة.
اتوتر.
غريبة ليه؟
عشان أنا معايا أوراق بتقول العكس.
وشه اتغير.
سكت ثواني.
وبعدين قال
مين اداكي الأوراق؟
المحامية.
قام مرة واحدة.
إنتِ رحتي لها من ورايا؟
آه.
وليه؟
بصيت له بثبات.
عشان أول مرة في حياتي قررت أعرف حقي بدل ما أصدّق كلامك.
سكت.
وبعدين بص ناحية الظرف اللي قدامه.
وقال
ندى… أنا مش عايز أخسرك.
الجملة دي هزتني.
مش لأنها رومانسية.
لكن لأنها كانت أول مرة من شهور أحس إن كريم بدأ يفهم إن الموضوع خرج من إيده.
قرب مني وقال
أنا غلطت.
ما رديتش.
كمل
الديون ضغطتني. خوفت. حسيت إني لو خسرت الشقة هخسر كل حاجة.
قلت له
فقررت تخسرني أنا وسلمى؟
وطّى عينه.
أنا ما كنتش أقصد.
بس عملت.
سكت.
وقبل ما يرد، جرس الباب رن.
كريم قام يفتح.
وأول ما الباب اتفتح…
ظهر رجل كبير في السن.
كان ماسك ملف أسود.
بص لكريم وقال
إنت كريم؟
كريم رد بحذر
أيوه.
الرجل بص لي.
وإنتِ ندى؟
هزيت راسي.
قال
أنا المستشار القانوني اللي والدك كان متعامل معاه قبل وفاته.
اتجمدت مكاني.
مد الملف ناحيتي.
والدك سلّمني الملف ده من تلات سنين، وقال لي
لو في يوم كريم حاول يطرد بنتي من الشقة، سلّمها الملف ده فورًا.
بصيت لكريم.
لأول مرة…
ما كانش عنده أي رد.
أما أنا، فمديت إيدي ناحية الملف.
لكن الرجل شد إيده قبل ما أسلمهولي.
وقال
فيه حاجة لازم تعرفيها الأول.
إيه؟
بص لكريم وقال
والدك يا ندى ما كانش بيدافع عن الشقة بس.
وسكت لحظة.
كان خايف من حاجة حصلت