استنى متروحيش

كان حاطط إيده على وسطها.
صورة تانية
كان بيبوسها جنب عربيته.
ماقدرتش أتكلم.
الست قالت بهدوء
اسمها داليا. بتشتغل في شركة ليها تعاملات مع جوزك.
حاولت أقنع نفسي إن الصور متفبركة.
إنها ممكن تكون قريبة له.
إن فيه تفسير تاني.
أي تفسير.
لكن الست كملت
محمود عليه ديون بالملايين يا مريم.
بصيت لها.
ديون؟
أيوه. وناوي يستخدم فلوس الشقة يسدد جزء كبير منها، وبعدها يبدأ حياة جديدة معاها.
حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
وأنا وبنتي؟
الست بصتلي في عيني وقالت
قال إنك عندك شقة تانية ورثتيها عن خالتك في شبرا الشقة الصغيرة اللي مأجراها لطلبة.
سكت.
كانت شقة قديمة، أوضة واحدة وصالة صغيرة، والحيطان محتاجة دهان من سنين.
أنا أصلًا ما كنتش بتخيل أعيش فيها أنا وبنتي.
لكن محمود، على حسب كلامها، كان شايف إن
مريم وليان مش هيتبهدلوا يعني عندهم مكان تاني.
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.
مكان تاني؟
هو كان بيخطط يرميني أنا وبنتي في شقة صغيرة، وياخد بيتنا وفلوسه ويبدأ حياة جديدة!
بصيت للست بعصبية.
إنتِ مين؟! وإيه مصلحتك في كل ده؟
قالت بمنتهى الهدوء
دلوقتي مش مهم تعرفي أنا مين. المهم تلحقي تلغي التوكيل.
ما ضيعتش دقيقة.
خدتها وروحنا على أقرب مكتب توثيق.
وبعد ما الموظف راجع البيانات، أكد لي إن التوكيل فعلًا لسه ساري، وإن محمود عنده صلاحيات كفاية إنه يمثلني في إجراءات بيع الشقة.
حسيت بقلبي بيغلي.
وقّعت على إلغاء التوكيل في نفس اللحظة.
خرجنا من هناك، وأنا لسه مش مستوعبة إن الشخص اللي كنت معتبره أماني وسندي كان بيخطط يبيع بيتي من ورايا.
لكن الست ما سابتنيش أهدى.
قالت
لسه فيه حاجة لازم تتأكدي منها.
اتصلنا من رقم مش معروف بشركة العقارات.
ردت موظفة.
أيوه، الشقة لسه موجودة؟
ردت الموظفة بمنتهى العادية
لأ، الشقة عليها حجز بالفعل.
قلبي دق بسرعة.
والحجز هيتم إمتى؟
العقد النهائي والتوقيع بكرة.
قفلت المكالمة.
ماقدرتش أتكلم.
قعدت على أقرب كرسي وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا.
يعني الموضوع مش مجرد نية.
مش مجرد إعلان.
محمود كان مرتب كل حاجة بالفعل.
كان فيه مشتري.
وفيه ميعاد.
وفيه أوراق.
وكان ناقص بس إني أبقى بعيدة عن القاهرة.
بصيت للست اللي كانت السبب إني ما ركبتش الأتوبيس.
وقلت لها
خلاص دلوقتي مفيش حجة.
عايزة أعرف إنتِ مين.
الست سكتت شوية.
وبعدين قالت
تعالي معايا.
دخلنا كافيه هادي قريب من المكان.
قعدت قدامي، وفتحت شنطتها.
طلعت صورة قديمة جدًا.
حطتها قدامي على الترابيزة.
بصيت للصورة
كانت فيها بنت صغيرة، يمكن عندها سبعتاشر سنة، شايلة طفلة رضيعة بين إيديها.
مافهمتش.
مين دي؟
الست ما ردتش.
طلعت ورقة قديمة لونها مصفر، وحطتها قدامي.
نزلت عيني عليها.
وقريت.
اسمي.
تاريخ ميلادي.
وبعدين اسم الأم.
وقفت أنفاسي.
لأن الاسم ده أنا سمعته مرة واحدة بس في حياتي.
وأنا طفلة.
يومها، أمي وأبويا اللي ربوني قالولي إن دي كانت أمي الحقيقية الست اللي سابتني وأنا لسه مولودة.
رفعت عيني ببطء.
الست كانت بتبصلي ودموعها متجمعة في عينيها.
وقالت بصوت مهزوز
أنا أمل
سكتت لحظة.
وبعدين كملت
وأنا أمك الحقيقية يا مريم.
فضلت باصة لها من غير ما أنطق.
في أقل من ساعتين، اكتشفت إن جوزي بيحاول يبيع بيتي من ورايا
وإن الست اللي أنقذتني من السفر هي نفس الست اللي اختفت من حياتي وأنا لسه رضيعة.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها
إن محمود كان مجهزلي مفاجأة أخطر بكتير من بيع الشقة.
وكان مستني رجوعي القاهرة بفارغ الصبر
عشان ينفذ آخر خطوة في خطته.
فضلت باصة لأمل كأني بحاول أفتكر ملامحها من صورة قديمة مدفونة في دماغي.
أمي الحقيقية…
الكلمة نفسها كانت تقيلة على قلبي.
قلت بصوت مبحوح
لو إنتِ أمي فعلًا… سبتيني ليه؟
أمل نزلت عينيها.
أنا ما سبتكيش يا مريم.
ضحكت بسخرية رغم إن عيني كانت مليانة دموع.
أمال حصل إيه؟ أنا كبرت وأنا فاكرة إن أمي ماتت أو مش عايزاني!
مدت إيدها ناحيتي، لكني سحبت إيدي بسرعة.
متلمسينيش.
اتوجعت من كلامي، لكنها ما زعلتش.
طلعت من شنطتها ظرف بني قديم.
قبل ما تحكمي عليا، شوفي ده.
بصيت للظرف.
كان مكتوب عليه بخط إيد
مريم… لما تكبري.
قلبي دق بعنف.
إيه ده؟
رسالة كتبتها لك من سنين طويلة.
وليه ما وصلتش لي؟
أمل سكتت.
وبعدين قالت
لأن الشخص اللي كان المفروض يسلمهالك… خباه.
رفعت عيني بسرعة.
مين؟
قبل ما تجاوب، موبايلي رن.
كان محمود.
فضلت باصة للشاشة ثواني.
أمل قالت
مترديش.
ليه؟
لأنه لو عرف إنك ما ركبتِش الأتوبيس… كل اللي عملناه هيتغير.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
هو كان عايزني أركب؟
مش عايزك تسافري وبس.
بصتلي في عيني.
كان عايزك تختفي من القاهرة لحد ما يخلص اللي وراه.
رن الموبايل تاني.
المرة دي كان فيه رسالة.
فتحتها.
وصلتي؟ طمنيني.
وبعدها بثواني
مريم، ردي عليا.
وبعدين
نجلاء قالتلي إنك ما وصلتيش عندها.
تجمدت.
بصيت لأمل.
هو عرف.
أمل قامت بسرعة.
لازم نمشي.
نروح فين؟
مكان محدش يعرفه.
خرجنا من الكافيه من باب جانبي، ومشينا وسط الشوارع لحد ما ركبنا تاكسي.
طول الطريق، أمل كانت ساكتة.
وأنا ماسكة الظرف في إيدي.
كل شوية أبص عليه.
كان جوايا إحساس إن الورقة دي ممكن تغير كل حاجة.
وصلنا لعمارة قديمة في شارع جانبي.
أمل طلعت السلم، وفتحت باب شقة صغيرة.
أول ما دخلت، وقفت مكاني.
على الحيطة كانت فيه صور قديمة.
صور لطفلة صغيرة.
طفلة شبه صورتي وأنا صغيرة.
قربت من أول صورة.
دي أنا؟
أمل هزت راسها.
أيوه.
وإنتِ اللي مصوراها؟
أيوه.
بصيت للصورة التانية.
كنت لابسة فستان أبيض صغير، وفي حضني دبدوب.
قلت
ليه محتفظة بكل ده؟
أمل مسحت دمعة نزلت من عينها.
عشان كنتِ بنتي حتى وأنا بعيدة عنك.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
طلعت ورقة قديمة جدًا.
بدأت أقرأ.
لكن أول سطر خلاني أتجمد.
يا مريم، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت إني أحميكي…
وقفت.
كملت.
وأهم حاجة لازم تعرفيها إن أبوكي اللي رباكي مش هو الشخص اللي خطفك مني…
اتسعت عيني.
خطفني؟
أمل قربت مني.
كملي.
رجعت أقرأ.
الشخص اللي أخدك مني كان عارف إن عندي دليل على حاجة خطيرة تخص عيلته…
إيدي بدأت ترتعش.
عيلته مين؟
أمل ما ردتش.
نظرت للورقة.
وكملت القراءة.
لكن قبل ما أوصل لآخر السطر، سمعت صوت عربية وقفت تحت العمارة.
أمل قربت من الشباك وبصت بحذر.
وبمجرد ما شافت العربية، وشها اتغير.
إيه؟
همست
محمود.
قلبي وقع.
محمود هنا؟!
أيوه.
عرف مكانك إزاي؟
أمل بصتلي بسرعة.
مش مهم دلوقتي.
خدت الورقة من إيدي.
لازم تخبيها.
ليه؟
لأن لو محمود لقاها، هنعرف الحقيقة متأخر جدًا.
في اللحظة دي…
سمعنا صوت باب العمارة بيتفتح.
خطوات بدأت تطلع السلم.
دور بعد دور.
وأمل شدتني ناحية غرفة صغيرة في آخر الشقة.
ادخلي هنا.
وإنتِ؟
هتصرف.
لا، مش هسيبك!
مسكت إيدي بقوة.
مريم… اسمعيني.
صوت خطواته قرب أكتر.
محمود مش جاي عشان يرجعك البيت.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
هو جاي عشان ياخد حاجة أهم من الشقة.
بصيت لها.
إيه؟
أمل قربت من ودني وهمست
الدليل اللي بسببه أنا اختفيت من حياتك كل السنين دي.
وفجأة…
اتخبط باب الشقة بعنف.
دَوّي!
صوت محمود جه من بره
مريم!
اتجمدت في مكاني.
وبعدين قال بصوت هادي بشكل مخيف
أنا عارف إنك هنا.
بصيت لأمل.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
وفجأة فهمت…
إن محمود ماكانش مجرد شخص بيحاول يبيع شقتي.
كان فيه سر قديم بينه وبين عيلتي…
وسر أنا نفسي كنت جزء منه من غير ما أعرف اتخبط باب الشقة مرة تانية بعنف.
مريم! افتحي الباب!
صوت محمود كان هادي بشكل يخوف.
أمل قربت مني وهمست
مترديش.
قلت لها وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي
بس هو عارف إني هنا.
عارف إنك هنا… لكن مش عارف فين بالظبط.
بصيت ناحية الباب.
صوت خطوات محمود دخل من الصالة.
كان واضح إنه قدر يفتح الباب.
بدأ ينادي
مريم؟
سكت.
ثواني طويلة عدت.
وبعدين سمعت صوت أدراج بتتفتح.
محمود كان بيدور على حاجة.
أمل شدتني لجوا الأوضة وقعدت قدام الباب، وحطت إيدها على بوقي.
وفجأة سمعنا محمود بيقول
أمل…
جسمي كله اتجمد.
أنا عارف إنك هنا.
أمل بصتلي.
لأول مرة شفت الرعب في وشها.
محمود كمل
كنت فاكر إنك هتفضلي بعيدة عن مريم للأبد.
صمت.
وبعدين قال
لكن واضح إنك رجعتي في أسوأ وقت.
حسيت إن نفسي انقطع.
يعني هو يعرف أمل!
ويعرف إنها أمي!
أمل حطت صباعها على شفايفها.
وبعدين أشارت للورقة اللي كانت في إيدي.
فهمت فورًا.
الرسالة.
محمود عايز الرسالة.
سمعناه بيقرب من الأوضة.
مقبض الباب اتحرك.
مرة…
اتنين…
لكن الباب ما فتحش.
أمل كانت قافلاه بالمفتاح.
محمود ضحك ضحكة قصيرة.
مريم… لو الرسالة معاكي، خليكي عاقلة وطلعيها.
قلبي دق بسرعة.
هو كان عارف!
أمل قربت مني وقالت
لازم نخرج من هنا من غير ما ياخدها.
بصيت حواليا.
الأوضة كان فيها شباك صغير بيطل على سطح العمارة المجاورة.
أمل فتحت الشباك.
تقدري تنزلي؟
بصيت لتحت.
إنتِ مجنونة؟!
مفيش وقت.
لكن قبل ما نتحرك…
سمعنا صوت تليفوني بيرن.
محمود سكت.
وبعدين قال
تليفونك يا مريم.
بصيت للشاشة.
كان المتصل…
نجلاء.
رديت من غير ما أفكر.
ألو؟
صوت نجلاء جه مخنوق
مريم، إنتِ فين؟ محمود اتصل بيا وسألني عنك!
نجلاء اسمعيني…
قبل ما أكمل، قالت
محمود مش لوحده.
سكت.
يعني إيه؟
فيه راجل معاه، وبيقولوا إنهم جايين ياخدوا أوراق من عندك.
قلبي وقع.
أوراق إيه؟
نجلاء سكتت لحظة.
وبعدين قالت
أوراق تخص والدك.
بصيت لأمل.
وشها اتغير.
أبويا؟!
أمل هزت راسها بسرعة.
وأشارتلي إني أقفل المكالمة.
قفلت.
قلت
أمل… إيه علاقة أبويا بالموضوع؟
أمل بصتلي طويلًا.
وبعدين
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *