كيكه الدهبي ج٣ منى السيد
الفصل الخامس والأخير
وقفت مكاني والباب في إيدي، وحسيت إن كلام الست دي زي الطلقة اللي صابتني في مقتل بس مأمتنيش.. دي فوقتني على حقيقة ألعن ميت مرة من كل اللي عرفته.
“خطيبته التانية؟ وكاتب كتابها؟ والفلوس كانت لشبكتها؟”
الكلام كان تقيل على وداني، لدرجة إني مكنتش قادرة أستوعبه. بصيت للست دي من فوق لتحت؛ كانت واثقة من نفسها قوي، ولابسة دهب كتير في إيدها، وبتبصلي بنظرة شفقة ممزوجة بـ شماتة.
ماما سمعت الصوت وجت من جوة بسرعة، أول ما شافت الست وشافت وشي اللي اتقلب لونه أبيض، سألت بحدة:
* “مين دي يا سارة؟ وفِي إيه تاني؟ هو الكابوس ده مبيخلصش؟”
الست اللي اسمها سمر دي دخلت خطوة جوة الصالة من غير ما حد يأذن لها، وقالت بنبرة باردة ومستفزة:
* “مساء الخير يا طنط.. أنا سمر، كاتب كتابي على كريم من شهرين.. وجيت بس عشان ألم حاجتي وفلوسي اللي عرفت إنها هنا، وعشان أصحي الأستاذة من الغيبوبة اللي هي فيها.”
ماما برقت عينيها وصوتها علي:
* “كتب كتاب إيه يا روح أمك؟ الواد ده خطيب بنتي بقاله سنة، والشبكة والدبل في إيديها اهي! إنتِ جاية تتبلي علينا ولا إيه حكايتك بالظبط؟”
سمر ضحكت بسخرية، وطلعت من شنطتها الشيك قسيمة جواز رسمية، وفتحتها وحطتها قدام عين ماما:
* “بصي يا طنط.. أهو.. كريم محمد.. على سمر رأفت.. كاتب كتاب رسمي وموثق بقاله شهرين بالتمام والكمال. كريم مكانش خطيب بنتك بس، ده كان عايش بفلوسك وبفلوس بنتك عشان يأثث شقتي أنا! وكان مفهمني إن سارة دي مجرد واحدة قريبته بتساعده في شغل البوفيه والتورت عشان يجمع قرشين يتجوز بيهم!”
حسيت بـ دوخة شديدة، والحيطان بدأت تلف بيا. يعني كل مرة كان بيجيلي بطلب، وكل مرة كان بيلح عليا أعمل حاجة، وكل الأفكار والصور اللي كان بيبعتها ويقولي “اعملي زي دي بالظبط”، مكانتش لأخته ولا لعيلته! دي كانت لسمر! كانت لبيته الجديد اللي بيبنيه على قفايا وعلى حساب صحتي وتعب إيدي!
افتكرت تورتة أخته.. وافتكرت الـ ٢٠٠ جنيه اللي استلفتهم من أمي وأنا حاسة بالذنب والكسوف.. وافتكرت وقفتي في المطبخ من الضهر لحد نص الليل وضهري اللي كان هينكسر.. كل ده كان عشان ست الحُسن والجمال تتمنظر بيها قدام أهلها في حفلة كتب كتابهم!
دموعي نزلت، بس المرة دي مكانتش دموع وجع.. دي كانت دموع قهر وغضب أعمى.
بصيت لسمر وقلت بصوت حاد زي الموس:
* “وإنتِ جاية هنا ليه دلوقتي؟ جاية تتمنظري عليا بـ قسيمة الجواز؟ ولا جاية تاخدي إيه بالظبط؟”
سمر ملامحها اتقيدت بالغل وقالت:
* “جاية أخد الـ ١٥ ألف جنيه اللي كريم أخذهم من خالته! كريم اتمسك في القسم وجوز خالته قالي إن الفلوس هنا معاكِ إنتِ وأمك.. الفلوس دي حقي، دي فلوس الشبكة اللي كان رايح يشتريها ليا النهاردة قبل ما يتمسك.. هاتي الفلوس من سكات بدل ما أعملكم مشكلة أنا كمان وأجيب لكم الشرطة!”
ماما هنا مقدرتش تمسك نفسها، هجمت عليها وزقتها لبرة الباب وقالت بـ زعير هز العمارة كلها:
* “شرطة لما تلمك وتلمه في قفص واحد يا خطافة الرجالة يا نصابة! الفلوس مش هنا، والـ ١٠٠٠ جنيه اللي سابهم جوز خالته أخذهم امبارح وهو جارد كريم من قفاه.. اطلعي برة بيتنا وبأعلى ما في خيلك اركبيه! إحنا بكرة الصبح هنروح نرفع عليه قض*ية نصب بـ الرسايل والاتفاقات اللي بينا.. غوري في داهية إنتِ وهو!”
سمر بدأت تصرخ برة على السلم وتدعي وتزعق، بس ماما رزعت الباب في وشها وقفلته بـ ميت ترباس.
لفيت لماما وأنا مش قادرة أقف على رجليا، ارتميت في حضنها وقعدت أصرخ من كتر الوجع. سنة كاملة من عمري ضاعت مع بني آدم خاين ومخادع ومريض. سنة وأنا بستخسر في نفسي الحاجة عشان أساعده، وبصرف من جيب أمي الغلبانة عشان مأصغرش كتفه.. وهو كان بياخد تعبي وعرقي يقدمه لغيري على طبق من دهب!
ماما فضلت حاضناني وهي بتبكي معايا، وبتقولي كلام يطمن قلبي:
* “معلش يا بنتي.. فداكي وفدى جزمتك.. ربنا حماكي منه.. تخيلي لو كنتِ اتجوزتيه ودخلتي بيته واكتشفتي القرف ده وإنتِ معاكي عيل منه؟ ربنا بيحبك يا سارة.. ربنا كشفهولك عشان إنتِ طيبة ومبتأذيش حد.. نامي يا بنتي وارتاحي، ومن بكرة صفحة جديدة هتبدأ.”
الليلة دي كانت أطول ليلة في حياتي. مكلتش ولا شربت، فضلت باصة للسقف وعقلي شغال زي الماكينة. مسكت موبايلي، ودخلت على الشات بتاعه.. قريت كل كلمة، كل صورة بعتها، كل مرة قالي فيها “تسلم إيدك يا حبيبتي”، كل مرة حسسني فيها إني مقصرة وإني مادية..
حسيت بـ كمية غثيان وقرف مش طبيعية.
عملت حاجة واحدة بس.. صوّرت كل المحادثات اللي بيني وبينه، من أول يوم لحد ليلة امبارح، وصورت التفاصيل اللي كان بيطلبها بالمليم والـ ٥٠٠ جنيه اللي بعتها.. وشيلتهم في مكان آمن. وبعدين عملتله “بلوك” من كل حتة في حياتي.
تاني يوم الصبح، قمت من السرير وحسيت بـ طاقة غريبة. مكنتش مكسورة، بالعكس، كنت حاسة إن فيا قوة تفتح الأرض.
دخلت المطبخ، وبصيت لأدواتي وخاماتي اللي كنت بشتغل بيها.. وقلت لنفسي: “الشغل ده هو اللي هيوقفني على رجلي، وهو اللي هيخليني أدوس على أي حد استهتر بيا.”
فتحت صفحتي على الفيسبوك، الصفحة اللي كنت بنشر عليها رواياتي واقتباساتي ووصفات الكيك، وكتبت بوست طويل.. محكيتش فيه تفاصيل الفضيحة، بس كتبت كلام من قلبي:
“السقوط مش نهاية العالم.. السقوط ساعات بيبقى الفرصة الوحيدة عشان تقف على أرض صلبة وتشوف الناس على حقيقتها. من النهاردة، الصفحة دي هتبقى لشغلي وبس.. مفيش مجاملات، مفيش تضحية على حساب نفسي، ومفيش حد يستاهل مليم واحد من تعبي من غير تقدير.”
البوست جاب تفاعل مش طبيعي، وكل الناس بدأت تدعمني وتشجعني.
بعد يومين، عرفت من نهى (اللي كلمت ماما من تليفون تاني وهي بتعيط) إن أهل كريم وخالته رفضوا يتنازلوا عن المحضر.. وإن سمر لما عرفت إنه معندوش فلوس وإن الشقة اللي كان مأجرها طلعت إيجار جديد ومش ملكه، رفعت عليه قض*ية خلع وفضحته في منطقته. وكريم دلوقتي محبوس على ذمة القض*ية ومستقبله انتهى تماماً.. حتى الشغل اللي كان شغال فيه طردوه منه بسبب الفضيحة والبلطجية اللي جوله هناك.
لما ماما حكتلي الكلام ده، مأثرش فيا ولا شعرة. حسيت إن ربنا عدل، وإن كما تدين تدان.. هو اللي جاب ده لنفسه بـ طمعه ونذالته.
عدى شهر.. وشهرين.. وثلاثة..
حياتي اتغيرت تماماً. ركزت في مجالي، وبقيت أعمل تورت وأوردرات للمناسبات، وبقت تطلب بالأسم “تورت سارة” لأنها مش بس شكلها شيك، دي معمولة بـ نظافة وضمير. وبدأت أكسب فلوس كويسة جداً، لدرجة إني بقيت أنا اللي بساعد ماما وبجيب لها كل اللي نفسها فيه.. وعمري ما نسيت درس الـ ٢٠٠ جنيه.. بقى تمن أي خامات بيتدفع مقدم وقبل ما أمد إيدي في الشغل.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة في المحل الصغير اللي ربنا كرمني وقدرت أأجره عشان يكون معمل لشغلي. الباب انفتح ودخلت زبونة..
أول ما بصيت لوشها، اتفاجأت.. كانت خالته! الست الكبيرة اللي كريم نصب عليها باسمي.
وقفت مكاني وبصيت لها بترقب. هي قربت مني وعينها كانت مليانة كسوف وإحراج. حطت إيدها على المحاسب وقالت بصوت واطي:
* “يا سارة يا بنتي.. أنا عارفة إن الزيارة دي تقيلة عليكي.. بس أنا جاية اعتذر لك.”
بصيت لها وقلت بـ هدوء:
* “تعتذري على إيه يا طنط؟ إنتِ مالكيش ذنب.. إنتِ كمان اتنصب عليكي.”
دموعها نزلت وقالت:
* “جوزي لما جه هنا امبارح وزعق وبهدل الدنيا، كان فاكر بجد إنك شريكة معاه.. بس لما كريم اعترف في التحقيقات وقال إنه استغل اسمك وشغلك من غير ما تعرفي، وجوزي عرف حقيقتك وحقيقة مامتك الست المحترمة.. حسيت بالذنب إني كنت هخرب بيت ناس مالهمش ذنب.. أنا جاية أباركلك على المحل، وجاية أطلب منك أوردر لخطوبة ابني اللي اتأجلت.. وعايزاكِ تعملي التورتة الدورين اللي كريم مكانش عايزنا نشوفها من إيدك.. والفلوس اهي، مقدم وزيادة كمان.”
بصيت للفلوس اللي حطتها على الترابيزة.. وبصيت لـ وش الست الغلبانة اللي ملهاش ذنب في قرف ابن أختها.
ابتسمت ابتسامة حقيقية، ابتسامة نصر وراحة.. ومديت إيدي أخدت الفلوس وكتبت الأوردر في دفتري.
في اللحظة دي عرفت إن حقي رجع لحد عندي، وإن كرامتي وشرفي وشغلي هما اللي انتصروا في الآخر. كريم ضاع ورا القضبان بسبب وساخته وجشعه، وأنا وقفت على رجليا وبقيت أقوى وأنجح ميت مرة.
قفلت الدفتر وبصيت للشارع من ورا الزجاج، وأنا حاسة بنسمة هوا باردة بتغسل قلبي.. الكابوس انتهى.. والرحلة الحقيقية بتاعتي لسه هتبدأ حالاَ.